طهران وأمن الإقليم.. هل تتشكل معادلة استراتيجية جديدة في الشرق الأوسط؟

طهران وأمن الإقليم.. هل تتشكل معادلة استراتيجية جديدة في الشرق الأوسط؟
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
تثير التحركات الدبلوماسية والأمنية المرتبطة بالاجتماع المرتقب في طهران، بمشاركة مسؤولين من إيران والسعودية وباكستان وتركيا، تساؤلات جوهرية بشأن مستقبل التوازنات الإقليمية، وإمكانية الانتقال من إدارة الأزمات المتلاحقة إلى بناء تفاهمات أمنية تحدّ من التصعيد وتحمي مصالح دول المنطقة. وتأتي هذه التحركات في ظل توترات متزايدة، ومخاوف من اتساع المواجهات، وتنامي التهديدات التي تطال أمن الخليج والبحر الأحمر وممرات الطاقة والملاحة الدولية.
ووفقاً للمعلومات المتداولة، يهدف الاجتماع إلى بحث تطورات الوضع الأمني الإقليمي، وتعزيز التنسيق بين الدول المعنية، وبلورة مقاربة تقوم على مسؤولية دول المنطقة عن أمنها واستقرارها. وإذا انعقد اللقاء بالمستوى المعلن عنه، فإنه سيكتسب أهمية تتجاوز طابعه التشاوري، بالنظر إلى جمعه أطرافاً تتباين مواقفها وتحالفاتها، لكنها تتقاطع في ضرورة احتواء التصعيد ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهات أوسع.
إيران وإعادة التموضع الإقليمي
تسعى طهران، من خلال الدعوة إلى حوار أمني إقليمي، إلى تعزيز حضورها في ترتيبات الأمن المستقبلية، وتأكيد أن معالجة أزمات المنطقة لا يمكن أن تستند إلى المقاربات العسكرية وحدها. غير أن نجاح هذه الرؤية يظل مرتبطاً بمدى استعداد إيران لمعالجة مخاوف جيرانها، واحترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها، والتعامل مع الملفات الخلافية على أساس الالتزامات المتبادلة.
فالأمن الإقليمي لا يُبنى بالشعارات، ولا يتحقق بفرض موازين القوة، وإنما يحتاج إلى قواعد واضحة لعدم الاعتداء، وآليات فعالة لتسوية النزاعات، وضمانات تحول دون استخدام الأراضي أو الموارد أو الجماعات المسلحة لتهديد أمن الدول الأخرى.
السعودية بين الردع والدبلوماسية
بالنسبة إلى السعودية، يمثل أمن المنشآت الحيوية والممرات البحرية وحماية الأراضي من الصواريخ والطائرات المسيّرة أولوية استراتيجية. ومن هذا المنطلق، لا يتعارض الحوار مع الاحتفاظ بالقدرات الدفاعية، بل يمكن أن يشكل مساراً مكملاً لها، إذا اقترن بتفاهمات عملية وضمانات متبادلة.
وتكمن أهمية التواصل السعودي الإيراني في إمكانية إنشاء قنوات اتصال مباشرة، وتطوير آليات للإنذار المبكر، ومنع سوء التقدير، ومعالجة الحوادث الأمنية قبل تحولها إلى مواجهات واسعة. لكن تحقيق ذلك يتطلب خطوات قابلة للتحقق، لا مجرد بيانات سياسية عامة.
أما باكستان وتركيا، فتتمتعان بعلاقات إقليمية ودولية متعددة، ويمكنهما الإسهام في تقريب وجهات النظر وتيسير الحوار بين الأطراف المختلفة. وتزداد أهمية هذا الدور إذا تحول إلى مسار مؤسسي يستند إلى المصالح المشتركة واحترام السيادة، بعيداً عن منطق المحاور المتقابلة.
اتفاقية الدفاع المشترك وحدود التفاهمات
تكتسب هذه التحركات أهمية إضافية في ضوء اتفاقية الدفاع المشترك الموقعة بين السعودية وتركيا وباكستان في مكة المكرمة في أغسطس 2026، وفق البيانات المشار إليها في التغطيات المتداولة. غير أن من الضروري التمييز بين الاتفاقية الثلاثية وأي حوار أمني تشارك فيه إيران؛ فالمشاركة في اجتماع لا تعني الانضمام إلى الاتفاقية أو الالتزام بأحكامها.
وقد يتيح الحوار فرصة لإيجاد مساحة مشتركة بين ترتيبات الدفاع والتواصل السياسي، بما يقلل احتمالات التصعيد ويمنع تحول الخلافات إلى صراعات مفتوحة. لكن ذلك يحتاج إلى تحديد واضح لمفهوم التهديد، وآليات التعامل مع الهجمات التي تنفذها أطراف غير حكومية، وضمان عدم توظيف التفاهمات لخدمة مصالح طرف على حساب أمن الآخرين.
وفي هذا السياق، يبرز الملف اليمني والبحر الأحمر بوصفهما اختباراً عملياً لأي تقارب إقليمي. فاستمرار الهجمات التي تهدد الملاحة والمنشآت المدنية يرفع كلفة النقل والطاقة والتأمين، ويزيد المخاطر على اقتصادات المنطقة. وتحتاج المعالجة إلى مسار سياسي يمني، ووقف الهجمات، واحترام سيادة الدول، وتعزيز قنوات الاتصال لمنع اتساع المواجهات.
الأمن الإقليمي والقانون الدولي
إن بناء منظومة أمن إقليمي مستقرة لا يعني استبدال نفوذ خارجي بنفوذ إقليمي مهيمن، بل تأسيس قواعد مشتركة تحترم استقلال الدول وتمنع الاعتداء والتدخل. ويظل ميثاق الأمم المتحدة الإطار القانوني الناظم للعلاقات الدولية، بما يتضمنه من حظر للتهديد باستخدام القوة أو استخدامها خلافاً لأحكامه، مع احترام حق الدفاع عن النفس ضمن الشروط القانونية المقررة.
كما أن الحوار الأمني، مهما بلغت أهميته، لا يغني عن معالجة جذور الصراعات السياسية. وهنا تبرز القضية الفلسطينية بوصفها عنصراً أساسياً في استقرار المنطقة، لا ملفاً يمكن فصله عن معادلات الأمن والسلام. فاستمرار الاحتلال والاستيطان والتهجير القسري وتراجع فرص التسوية السياسية يبقي المنطقة عرضة للتوتر وعدم الاستقرار.
ومن الضروري أن تحافظ الدول العربية والإسلامية على مركزية القضية الفلسطينية في تحركاتها الدبلوماسية، وأن تدعم حماية المدنيين، ورفض التهجير والاستيطان، وإنهاء الاحتلال، وتمكين الشعب الفلسطيني من تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة، وفق قرارات الشرعية الدولية والقانون الدولي.
فرصة للحوار أم بداية لنظام أمني جديد؟
إن الاجتماع المرتقب في طهران قد يشكل فرصة لخفض التوتر وإعادة فتح قنوات التواصل بين قوى إقليمية مؤثرة، لكنه لا يكفي وحده للحديث عن نشوء نظام أمني جديد. فالمعيار الحقيقي يتمثل في النتائج العملية: هل ستنشأ آليات دائمة للتشاور؟ وهل ستُترجم التصريحات إلى التزامات قابلة للتحقق؟ وهل ستسهم التفاهمات في وقف الهجمات ومعالجة مصادر التهديد؟
إن الشرق الأوسط بحاجة إلى منظومة أمن تقوم على احترام السيادة، وعدم الاعتداء، وتسوية النزاعات بالوسائل السلمية، وتغليب المصالح المشتركة على حسابات الهيمنة والاستقطاب. وإذا نجحت الدول المعنية في تحويل الحوار إلى إجراءات ملموسة، فقد يشكل ذلك مدخلاً لتخفيف التوتر وفتح آفاق أوسع للتعاون. أما إذا بقيت الخلافات الجوهرية من دون معالجة، فسيظل الاجتماع محطة دبلوماسية، من دون أن يكون بالضرورة نقطة تحول استراتيجية.

