عمشيت اللبنانية لؤلؤة الساحل وبلدة الفنانين ورجال السياسة

عمشيت اللبنانية لؤلؤة الساحل وبلدة الفنانين ورجال السياسة
ناديا الياس
بيروت لؤلؤة المتوسط بامتياز، واحدة من أجمل البلدات والمدن على شاطئ البحر المتوسط جاذبة للسياح من كل أصقاع العالم لما تختزنه من مقومات طبيعية ساحرة، إنها عمشيت عروس قضاء جبيل البلدة الساحلية النموذجية في القضاء والتي تمتاز بشاطئها الفريد من نوعه وبعراقتها وبيوتها التراثية وإنجازات أبنائها في معظم الحقول السياسة والفنية والأدبية والإعلامية والخدمات العامة والقطاعات الخاصة.
وفي لمحة تاريخية عن بلدة عمشيت تقع البلدة التاريخية بين مدينتي جبيل والبترون وهي في قضاء جبيل في محافظة جبل لبنان وترتفع عن سطح البحر 96 مترا وتبعد عن العاصمة بيروت 42 كلم وعن مركز القضاء جبيل 4 كلم، وهي تلتصق بالبحر من جهة الشرق، وتبلغ مساحة عمشيت 5 كلم مربع وطول شاطئها نحو 5200م، ويجمع عمشيت بمدينة جبيل جسر قديم عمره أكثر من 70 عاماً بناه الفرنسيون في عام 1931، وكان يمر من تحت هذا الجسر، المعروف بجسر الدجاج، نهر الفرطوش الذي ينبع من قرية جاج المشهورة بأرزها والتي كانت غاباتها عرضة لتقطيع أشجارها وإرسال خشبها إلى ساحل جبيل بواسطة هذا النهر الذي يربط بين الجبل والساحل.
بالنسبة إلى تسمية عمشيت فقد اختلفت الآراء بشأنها، فردّها البعض إلى لفظة عبرانية مركبة ومعناها قبيلة أو قوم شيت، وردّها الأب يوسف حبيقة والأب إسحق وأرملة «مجلة المشرق» إلى مقطعين آراميين سريانيين «أم شيت» أي: أهل شيت. ومعروف أن شيت إسم علم، من حامليه ابن آدم الثالث، وهذا ما أتى عليه أيضاً تفسير بعض العلماء الألمان نسبة لإبن آدم الثالث، وقد تكون اللفظة سريانية أي غاص وغطس، أو تعني الشعب السادس كما أكد البطريرك بولس مسعد في كتاباته، غير أن المؤرخ أنيس فريحة رجح في «أسماء المدن والقرى اللبنانية وتفسير معانيها» أن يكون أصل الإسم سرياني أي: عين الشوك؛ كما احتمل أن يكون «إن مشيتا» أي: عين الغسل والتنظيف، ولا شك بأن هذه التسميات المختلفة لبلدة عمشيت هي دليل ساطع على أنها كانت بلدة تاريخية وهناك الكثير من الآثار القديمة التي يمكن أن تكون قديمة قدم العصور الفينيقية.
وتمكنت عمشيت بطبيعتها المميزة وبود أبنائها ورجالاتها من أن تكون ملاذاً للرحالة والكتاب الأجانب واللبنانيين الذين تغنوا بها، مطلقين عليها العديد من الألقاب ومن بينهم موريس يارس في رحلته إلى الشرق والكولونيل تشرشل وبوردو والرئيس ديغول والعلامة الشيخ سعيد الخوري الشرتوني والشيخ ابراهيم اليازجي وأمين الريحاني الذي ذكرها في كتابه «قلب لبنان» كما تحدث البحاثة الفيلسوف الفرنسي إرنست رينان، الذي أقام مع شقيقته وزوجته في عمشيت لمدة طويلة خلال زيارته لبنان للتنقيب عن آثار جبيل في القرن التاسع عشر، بأن «عمشيت كانت له ولشقيقته وزوجته فردوساً»، وقال الأخ فينيران مهندس الأخوة المريميين الفرنسيين بأنه جاب «بلدان العالم فلم أرَ بلدة هواؤها ثابت لا يتغير سوى بلدة عمشيت»، أما زوجة هريو رئيس المجلس النيابي الفرنسي فقد قالت أثناء زيارتها للبلدة: «إن ما شاهدته في إقليم هذه البلدة وهوائها واعتداله لهو فوق ما كتب عنها»، كما لقبت بأنها «بصرة لبنان» نظراً لوفرة أشجار النخيل فيها.
رجالات عمشيت
أعطت بلدة عمشيت العريقة عبر مئات السنين الكثير من الثقافة المتنوعة من خلال أبنائها الذين عُرف منهم رجالات فكر وأدب كبار ومن بينهم: مخايل طربيا، والصحافي سليم وهبه عبر جريدته «الحكمة»، ورئيس تحريرها مارون عبود، وكذلك ظهور البطريرك إرميا العمشيتي المشهور بعجائبه المتعددة، والخوري يوسف العمشيتي الذي ألّف كتباً ومخطوطات وترجم أخرى، والأديبة عفيفة صالح كرم التي أصدرت في نيويورك مجلة «العالم الجديد النسائي»، وسليم بك وهبي الذي أسس المطبعة السيلمية في عمشيت، وعبد الله يوسف لحود الأديب والمفكر، وفارس غطاس سليمان الشاعر، واللغوي والأديب روفايل لحود، والأديب لحود لحود، ومروان لحود مدير عام مفوض للإستراتيجية والتسويق، ناهيك عن رجالاتها الفنية المبدعة الذين تركوا بصمة مشرفة في الزمن الجميل ولا يزال منهم أسماء بارزة معاصرة في عالم الموسيقى والفن والمسرح والتمثيل، وتقلد العديد منهم أرفع المناصب في هذه المجالات وسواها من المناصب السياسية والأمنية والإعلامية.
ومن أبرز الرجالات الفنية التي انطبعت في الذاكرة الفنية الجميلة الفنان والموسيقي والمخرج الراحل روميو لحود والفنان والملحن مارسيل خليفة والفنان مروان خوري والفنان شربل روحانا وبطرس روحانا والملحن جوزف خليفة والمخرج إيلي لحود، والممثل أسعد رشدان والممثل بول سليمان والممثل طوني عيسى ووالده الممثل زخيا عيسى ـ أما في مجال الإعلام فبرزت شهرة الإعلامي طوني خليفة في لبنان والوطن العربي، وفي مجال السياسة كان هناك الكثير من الوزراء والنواب وأبرزهم الوزير الراحل ميشال إده، والوزير ناظم الخوري وجنرالات الجيش اللبناني ولاسيما منهم قائد الجيش ميشال سليمان الذي انتخب لاحقاً رئيساً للجمهورية اللبنانية.
ومن بين الأسماء اللامعة في القطاعات الخاصة في عمشيت رجل الأعمال ميشال عيسى صاحب شركة IPT وهي إحدى كبرى الشركات النفطية، واستطاع مع نجله الدكتور طوني عيسى توسيع آفاق الشركة التي لم تتمدد في أرجاء لبنان وحسب بل توسعت في دبي وبشراكة مع كبرى شركات أوروبية، ومؤخراً منح البابا فرنسيس ميشال عيسى، وسام «سان غريغوار الكبير» في حاضرة الفاتيكان، تقديراً لعطاءاته الإنسانية والكنسية، وتسلم المكرم الوسام من أمين سر دولة الفاتيكان الكاردينال بيترو بارولين، ممثلاً الحبر الأعظم بحضور أفراد عائلة عيسى وممثل عن البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي.
مميزات وتراث المدينة
تعد عمشيت ملاذاً للاسترخاء والجمال لكل قاصديها من أبناء الوطن والسياح الذين يتوافدون من الشرق والغرب للتمتع بسحر ورونق جمالها الطبيعي الذي يجمع بين شاطئها الفريد من نوعه والمحاط بالمنتجعات والمطاعم الغنية بالمأكولات البحرية على أنواعها، وبتلالها الخضراء التي يحدها من الجهتين الشمالية والجنوبية نهرا بعشتا والفرطوش اللذان يجريان في الوادي وتغطيهما غابات أشجار السنديان والصنوبر، كما تتميز بجبالها الصخرية المؤهلة لرياضة تسلق الجبال لكل هواة ومحبي هذه الرياضة حتى باتت وجهة سياحية ورياضية لهم من معظم البلدان.
وعلى مر السنين حافظت عمشيت على بيوتها التراثية التقليدية وعلى حدائقها وشرفاتها التي تمتاز بهندستها المعمارية، هي التي اشتهرت وعرفت بأنها متحف للتراث الهندسي كونها تحتضن أنماطاً هندسية مختلفة وتتميز بخصوصية فريدة، وهذا ما أكده المهندس أنطوان لحود ابن عمشيت وهو اختصاصي في ترميم البيوت التراثية وفي الهوية المعمارية للبيت اللبناني وأستاذ محاضر في الجامعة اللبنانية الأمريكية، إذ اعتبر أن كثرة أسفار أبنائها إلى اسطنبول والغرب أغنت هذه الهندسة وشجعت على التنافس بين مختلف وجهاء البلدة على مركز الصدارة في اعتماد أجمل التصاميم وبناء بيوت تكون هي الأجمل.
والملفت للنظر حسب لحود بأن لكل بيت من البيوت التراثية في عمشيت طابعه الخاص، إذ شيّد كل منزل على طراز مختلف بحسب توجهات مالكه، ومع تنامي القز والحرير في لبنان، بدأَت ظاهرة السفر إِلى إِيطاليا توسكانا عموماً للتسويق والمتاجرة، ومن ثم وصلت الإِرسالات الأَجنبية إِلى لبنان، وهكذا فإن كل تلك التأثيرات الأجنبية ساهمت في تغيير هندسة بيوت عمشيت إذ أحضر أبناؤها مهندسين من مختلف أقطار العالم، فكان التاجر الذي يتعامل مع تركيا يأتي بمهندسين أتراك، فيما يأتي تاجر آخر بمهندسين فرنسيين أو إيطاليين، وهكذا باتت البلدة تجمع مختلف الأساليب المعمارية إضافة إلى الطابع اللبناني الذي حافظ عليه الجميع عند البناء، وكان لتزاوج هذه الفنون أثرا رائعا خلق بيوتاً مميزة وبلدة تزخر بقصور هي صورة عن غنى أهلها وتفننهم وافتخارهم ببيوتهم الجميلة المزينة والتي تعلوها مجموعة من الأشجار المثمرة والحرجية وأبرزها الصنوبر والشربين والكينا والغار.
معالمها الدينية
تختزن عمشيت العديد من الكنائس التاريخية وهي تضم نحو 20 كنيسة مصنفة أثرية في الجرد العام فضلاً عن وجود كنيستي مار جرجس والقديسة صوفيا والمتلاصقتين معاً وهما مبنيتان من حجارة معبد روماني على أنقاض معبد فينيقي وتحيط بهما آثار رومانية وفسيفساء ونواويس، وكنيسة مار زخيا التي يعود تاريخ بنائها إلى القرن السادس ويوجد مقابل الكنيسة مقبرة تاريخية يعود تاريخها للقرن الخامس قبل المسيح، وكذلك كنيسة سيدة نايا التاريخية والتراثية التي يعود تاريخ بنائها إلى العهد الصليبي.
أما الكنائس الأثرية في الجرد فهي متعددة ومنها كنيسة القديسة بربارة وسيدة الانتقال وكنيسة ودير مار زخيا وكنيسة مار يوحنا وكابيلا العائلة المقدسة في قصر العميد فارس لحود وكنيسة مار ليشع وكنيسة القديسة صوفيا وكنيسة مار روحانا ومركز مطرانية جبيل المارونية.
وتتباهى بلدة عمشيت بساحتها الفسيحة الجميلة والتي أطلق عليها إسم «ساحة الجيش اللبناني» تقديراً له وهي من تصميم مهندسين من أبنائها، كما تضم مبنى تراثياً يُعرف بـ «ذاكرة عمشيت» وهو يحتوي على مكتبة ومركز لتوثيق تاريخ البلدة وصالون مفتوح مخصص للقيام بالنشاطات الثقافية والاجتماعية.
ومن معالم عمشيت التي ذاع صيتها مغارة الوطاويط وهي مغارة طبيعية تعرف بمغارة صالح، نسبة إلى رجل إسمه صالح التجأ إلى هذه المغارة في عام 1914 بعد أن ألمّ به مرض عضال، وتعلو هذه المغارة التاريخية عن البحر نحو 130 متراً، وهي تقع في الجهة اليمنى من وادي إده وطريقها وعرة لا يصل إليها الزائر إلا إذا سار على قدميه لمدة 15 دقيقة نزولاً وسط الجبل، ويعلو مدخل المغارة نحو 6 أمتار وعرضه نحو 4 أمتار ويطل على ممشى مستقيم، وإلى اليمين ثلاثة أروقة، وفي آخر الرواق الأساسي صالة جميلة محدودة بمجموعة من الصواعد، وتمتاز هذه المغارة الأثرية بتكويناتها الطبيعية وفي داخلها توجد صدفيات تعتبر مستعمرة للوطاويط المتنوعة الأجناس ومن بينها أنواع نافعة للطبيعة لأنها تتغذى من الحشرات المؤذية للنبات.
اشتهرت عمشيت بالمزروعات الصناعية ولاسيما منها التوت والتبغ والكرمة والزيتون بعد أن أولى أبناؤها هذا النوع من المزروعات الاهتمام لأن أرض عمشيت هي بعلية لا تتوفر منها محاصيل الحبوب الغذائية والخضار، واكتسبت زراعة التبغ في المنطقة شهرة وأهمية لجودتها ونوعيتها فكان تصديره يصل إلى تركيا ومصر.
وفي النصف الثاني من القرن التاسع عشر اشتهرت عمشيت بزراعة أشجار التين التي تميزت بجودة أصنافها وثمرتها القليلة البذور والرقيقة القشرة والحلوة الطعم، كما ازدهرت فيها زراعة الكرمة لاستخراج النبيذ العمشيتي الفاخر ناهيك عن زراعة أشجار الزيتون في الربع الأخير من القرن الماضي.
برعوا في التجارة
ربما كان إنتاج المزروعات الصناعية هو ما دفع بالعمشيتيين إلى التجارة التي اشتهروا بها، فقد كانوا من أنشط أهالي المقاطعة الجبلية في البيع والشراء. وقديماً كانت خيولهم تجوب البراري والصحارى ناقلة البضائع من البلدة وإليها. كذلك فقد حملت بضائعهم السفن المسافرة إلى أصقاع الأرض.
تاجر أهالي عمشيت بجميع أصناف الحبوب التي كانوا يحضرونها براً وبحراً من بلاد الأناضول والجزيرة وحلب والشام وحوران، ومن أوروبا، ويودعونها في مخازن معروفة بإسمهم في ميناء جبيل، فيسلمون أهالي البلد حاجتهم منها ويمهلونهم دفع ثمنها لحين حلول مواسم الحرير والتبغ خلال شهري تموز/يوليو وآب/أغسطس.
وكانوا يقطعون على ظهور خيولهم المسافات الطويلة من حلب والجزيرة وحدود تركيا، فيشترون الأغنام ويعودون بها إلى بلادهم لبيعها.
وكانوا يتاجرون أيضاً بالحرير البلدي فيبيعونه بالرطل إلى تجار البندقية في إيطاليا ومرسيليا في فرنسا ومصر ودمشق. أما الشرانق فكانوا يوردونها لأصحاب المعامل في الجبل. وكانت لهم من تصدير التبغ الأرباح الوافرة.
كذلك تاجروا بالأقلام وأصناف أخرى، مثل السمن الذي كانوا يجلبونه من حماه، والسكر من مصر، والزيت واللوز والملاءات الملونة التي كانوا يجلبونها من حلب وحمص وحماه ودمشق.
وفي أواخر القرن التاسع عشر كان عدد سكان عمشيت المقيمين نحو 1500 نسمة، أما عدد المغتربين فكان يقارب الألفي نسمة انتشروا في خمسة أقطار من العالم: الولايات المتحدة، البرازيل، فرنسا، إيطاليا، والأرجنتين.
نشأ العمشيتيون في إقليم معتدل المناخ وفي بيوت كبيرة تدفقت عليهم الخيرات من كل جانب بسبب تجارة أربابها واستقامتهم، فصفت أذهانهم صفاء جو إقليمهم، وتربّت نفوسهم على عادات بيوتهم في رحابة الصدر وكرم الضيافة. وتميزوا بالأنفة والحمية والغيرة ومحبة القريب والمحافظة على تراث أجدادهم في الدين والوطن والشرف. وقد انخرط وجهاء عمشيت في المعترك السياسي، فكانوا دوماً على اتصال وثيق بالقضايا الوطنية المصيرية، وكانوا مثالاً في الوجاهة والنزاهة والأمانة والصدق.
ـ «القدس العربي»:




