«لو كنتُ أعلم» موسى أبو مرزوق

«لو كنتُ أعلم» موسى أبو مرزوق
جلبير الأشقر
كأنه أراد توجيه تحية إلى حسن نصر الله قبيل تشييعه في بيروت، قال موسى أبو مرزوق، عضو المكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية «حماس» المقيم في الدوحة، في مقابلة أجرتها معه عبر الهاتف صحيفة «نيويورك تايمز» يوم الجمعة الماضي، وقد نشرت تقريراً عنها يوم الإثنين، قال: «لو كان متوقعاً أن ما حصل (في غزة) سوف يحصل، لما جرت عملية السابع من أكتوبر» في رأيه. بل صرّح أبو مرزوق أنه لو أدرك عواقب العملية، «لاستحال» عليه تأييدها. وقد أضاف أن تمكّن الحركة من الاستمرار بالوجود على الرغم من الحرب الهائلة التي شنّتها إسرائيل عليها، إنما هو بذاته «نوعٌ من النصر» لكنّ حجم ما لحق بالقطاع يجعل ادّعاء النصر أمراً «غير مقبول».
وقد نوّه تقرير الصحيفة الأمريكية بأن تصريحات أبو مرزوق شبيهة بالتي أدلى بها حسن نصر الله إثر العدوان الصهيوني على حزب الله ولبنان في عام 2006. فمن المعروف أن أمين عام «حزب الله» اللبناني، صرّح في مقابلة تلفزيونية شهيرة يوم 27 آب/ أغسطس 2006، بأنه أخطأ الحساب في تقدير ردّ الفعل الإسرائيلي المحتمل على العملية التي نفّذها مقاتلو حزبه عبر الحدود، مضيفاً: «لو كنتُ أعلم أن عملية الخطف هذه ستؤدي الى حرب بهذا الحجم بنسبة واحد في المئة، فقطعاً لما فعلنا لأسباب إنسانية وأخلاقية وعسكرية واجتماعية وأمنية وسياسية».
ونظراً لكون ما لحق بقطاع غزّة من إبادة وتدمير، أعظم وأخطر بكثير مما لحق بلبنان في عام 2006، فإن تصريح موسى أبو مرزوق هو أضعف الإيمان. وهو يتناقض تناقضاً حاداً مع تبجّح مقاتلي «حماس» بالنصر خلال مراسم تسليم المخطوفين لديهم، يومي السبت الماضيين، وافتخارهم بعملية «طوفان الأقصى» وما تلاها (أنظر مقال «حماس: نحن الطوفان… نحن اليوم التالي، المنشور على هذه الصفحات يوم 11/2/2025). بل يتناقض تصريح أبو مرزوق مع ما هو حتى الآن موقف «حماس» الرسمي بما قد يشير إلى اختلاف في الآراء داخل قيادة «حماس». والحال أن بياناً للحركة صدر عقب نشر الصحيفة الأمريكية تقريرها عن المقابلة، حاول التخفيف من وقعها بلوم التقرير على اقتباس أقوال أبو مرزوق بإخراجها من سياقها، وبالتأكيد على أنه، حسب البيان، «أكد أن عملية السابع من أكتوبر المباركة هي تعبير عن حق شعبنا في المقاومة ورفضه للحصار والاحتلال والاستيطان» وهو في الحقيقة تأكيدٌ لا يتناقض مع ما جاء في المقابلة، لو استثنيا وصف العملية بالمباركة، الذي من المؤكد أنه لم يأت على لسان أبو مرزوق لأنه لا ينسجم بتاتاً مع سياق حديثه. ومهما يكن الأمر، فإن الإقرار بالكارثة التي حلّت بغزة وشعبها هو حقاً أضعف الإيمان من حيث إبداء الحياء ومشاركة أهل القطاع لوعتَهم وحدادَهم.
إن من أدرك خطورة انزلاق المجتمع الصهيوني وحكومته إلى أقصى اليمين كان ينبغي أن يدرك أيضاً أن عملية بحجم وجسارة «طوفان الأقصى»…قد يلتقطها أقصى اليمين الصهيوني الحاكم فرصة لإعادة احتلال قطاع غزة
بيد أن قيمة «لو كنتُ أعلم» مختلفة كثيراً بين حالة لبنان 2006 وحالة غزة 2023. ذلك أن حسن نصر الله لم يكن بوسعه أن يتوقع أن إسرائيل كانت سوف تشنّ مثل العدوان الذي شنّته ردّاً على العملية التي نفّذها مقاتلو حزبه. والحال أن العدوان الصهيوني على لبنان في عام 2006 كان أول تطبيق لما عُرف لاحقاً باسم «استراتيجية الضاحية» نسبة لذلك العدوان عينه، وقوامها الردّ بما هو أعظم وأخطر بكثير مما يجري الردّ عليه، وذلك بلا تمييز بين مواقع المقاتلين ومناطق المدنيين. أما قادة «حماس» الذين خططوا لعملية «طوفان الأقصى» فلا بدّ أنهم أدركوا أن عواقبها ستكون وخيمة على القطاع. أو أنهم كانوا مؤمنين حقاً بما بشّر به محمد الضيف في رسالته الصوتية التي رافقت بدء العملية: «قاتلوا، والملائكة سيقاتلون معكم مردفين، وسيمددكم الله بالملائكة مسوّمين، وسيوفي الله بوعده لكم»!
بعد مرور شهر واحد على «طوفان الأقصى» كتبتُ في مقالي الأسبوعي على هذه الصفحات ما يلي: «حتى لو توقف الجيش الإسرائيلي بعد بضعة أيام من الآن بدون تحقيق هدفه المعلن بتدمير «حماس» تدميراً كاملاً، بما ستعتبره الحركة «نصراً إلهياً» بالتأكيد مثلما اعتبر «حزب الله» صموده في وجه العدوان الصهيوني في عام 2006، فإن ثمن ذلك في أرواح الفلسطينيين ودمار قطاع غزة بات من الآن باهظاً فظيعاً. ولن يستطيع إسماعيل هنية أن يطل على الشاشات ليقول للرأي العام «لو كنت أعلم أن عملية طوفان الأقصى ستؤدي الى حرب بهذا الحجم بنسبة واحد في المئة، فقطعاً لما فعلناها لأسباب إنسانية وأخلاقية وعسكرية واجتماعية وأمنية وسياسية…» ذلك أن قادة «حماس» كانوا يعلمون تمام العلم أن ردّ الفعل الإسرائيلي على عمليتهم الجسورة سوف يكون هائلاً. («جنون العنف الصهيوني من الضاحية إلى غزة» 7/11/2023).
لذا رأى موسى أبو مرزوق أن يوضّح في المقابلة التي أجرتها معه صحيفة «نيويورك تايمز» أنه لم يكن على علم بالخطط الخاصة بعملية السابع من أكتوبر. وفي مقابلة سابقة أجراها معه موقع «موندووايس» اليهودي الأمريكي المناهض للصهيونية، ونشرها هذا الموقع عشية الذكرى الأولى لعملية «طوفان الأقصى» كان أبو مرزوق قد أكّد تحليل «حماس» القائل إن مقاتليها فوجئوا بانهيار الدفاعات الإسرائيلية، وإن هذا الانهيار كان السبب الرئيسي في بعض ما شهده اليوم الذي فجّر الكارثة. وقد أضاف أبو مرزوق أنه عندما رأى ما جرى في ذلك اليوم، توقّع ما سوف يحصل لأنه «يدرك الخلفية الصهيونية والذهنية اليهودية المتعصبة». والحقيقة أن من أدرك خطورة انزلاق المجتمع الصهيوني وحكومته إلى أقصى اليمين كان ينبغي أن يدرك أيضاً أن عملية بحجم وجسارة «طوفان الأقصى» حتى لو لم تنهَر الدفاعات الإسرائيلية أمامها، قد يلتقطها أقصى اليمين الصهيوني الحاكم فرصة لإعادة احتلال قطاع غزة مع ما يستتبعه الأمر بالضرورة من إبادة ودمار.
هذا وفي مقابلته مع «نيويورك تايمز» أكّد أبو مرزوق على أن قادة «حماس» كانوا متفقين على استراتيجية شنّ العمليات العسكرية ضد إسرائيل. وربّما قصد بذلك التلميح إلى أنه بات ينبغي على الحركة أن تعيد النظر في هذه الاستراتيجية التي أتت بالويلات على الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة في عام 1967، لا سيما وأن التكالب الراهن بين أقصى اليمين الإسرائيلي وأقصى اليمين الأمريكي، بعد وصول هذا الأخير إلى الحكم بفوز دونالد ترامب بالرئاسة، إنما يجعل من استكمال نكبة 1948 بتهجير معظم الفلسطينيين الذين ما زالوا مقيمين بين البحر والنهر، خطراً بات أقوى وأوشك مما كان عليه في أي وقت مضى.
كاتب وأكاديمي من لبنان