ثقافة وفنونمقالات

المثقف الذي يبرر عنصريته بالعلم. بقلم زكريا نمر -السودان-

بقلم زكريا نمر -السودان-

المثقف الذي يبرر عنصريته بالعلم.
بقلم زكريا نمر -السودان-
في عالم يفترض أن الثقافة والمعرفة تفتح آفاق العقل وتحرر الإنسان من قيود الجهل، يظهر نوع مؤلم ومريب من المثقفين المثقف العنصري. هو ذلك الشخص الذي يقرأ، يحضر الندوات، يعرف تاريخ الفلسفة والأدب، لكنه يظل أسيرا لانحيازاته القبلية أو العرقية، كأن الثقافة لم تولد لتوسيع المدارك، بل لتجميل كبريائه المحدود.
هذا المثقف يعيش في حالة تناقض دائم: عقله متفتح ووعيه بالمعرفة واسع، لكنه مغلق تماما أمام الحقائق الإنسانية البسيطة التي تقول إن البشر جميعا متساوون في الكرامة والحقوق. إنه يعرف عن الهولوكوست، عن الاستعمار، عن الفلسفة الأخلاقية، لكنه يجد لنفسه مبررا ليقلل من شأن الآخرين أو يحتقرهم إذا كانوا من قبيلة مختلفة، أو لون مختلف، أو دين مختلف. في هذا التناقض يكمن عمق المأساة، المثقف الذي ينبغي أن يكون صوت العقل والعدل، يصبح أداة للقسوة والتمييز. الأكثر غرابة أن المثقف العنصري غالبًا ما يضيف إلى تحيزه عنصرا قبليا: قبيلته أو بني قبيلته أشرف من باقي القبائل، ويقدم هذا الادعاء كحقيقة مفروضة على الآخرين. إنه يستخدم التاريخ واللغة والثقافة ليبرر شعوره بالتفوق، كأن المعرفة كلها صنعت لتبرير انتمائه الضيق، لا لتحرير العقل من الانقسامات.
هذا الادعاء الزائف بالشرف القبلي ليس مجرد مسألة أخلاقية أو شخصية، بل مشكلة اجتماعية عميقة. في المجتمعات التي يكثر فيها هذا النوع من المثقفين، يتحول المجتمع إلى مرآة لعقلية التفوق القبلي التحيز يصبح مصطلحا مقبولا، والتمييز يبرر بالثقافة والمعرفة، فيما الواقع يقول إن كل البشر متساوون في الإنسانية، وأن أي ادعاء تفوق يجب أن يقاس بالأفعال، وليس بالدم أو النسب. المثقف العنصري القبلي يمثل خطرا مزدوجا: أولًا، لأنه يفسد قيمة الثقافة والمعرفة نفسها. فبينما يفترض أن الثقافة ترفع الإنسان عن الانحيازات، فهو يستخدمها كغطاء لتجميل عنصريته. ثانيا، لأنه يخلق مجتمعا منقسما، حيث يعتنق بعض الناس هذا التحليل الزائف ويعتقدون أن المعرفة يمكن أن تكون أداة للتمييز، بينما هي في الواقع أداة للتحرر والفهم العميق للإنسانية.
التحليل النفسي لهذا النوع من المثقفين يكشف شيئا محيرا في غالب الأحيان، هذا المثقف يعاني داخليا من شعور بالنقص أو القلق من الآخر. المعرفة عنده ليست حرية، بل درع يحميه من مواجهة مخاوفه الداخلية. المعرفة عنده وسيلة لإثبات الذات أمام الآخرين، لكنه لا يستخدمها لتحسين نفسه أو مجتمعه، بل لتأكيد شعوره بالتفوق على من يراه أقل منه. وفي هذا السياق، يصبح أي نقد لهذا المثقف ضربًا مباشرًا لصورته الذاتية، ما يزيد من عناده وغروره، ويجعل مناقشته أمرا صعبًا.
أن المثقف العنصري القبلي غالبًا ما يُضفي على أفكاره مصداقية علمية أو ثقافية: التاريخ، الأدب، الفلسفة، وحتى العلوم الاجتماعية كلها تتحول عنده إلى أدوات تبريرية. إذا كتب مقالًا عن المجتمع أو السياسة، فإنه يملأه بحجج تاريخية أو فلسفية لتبرير تفوق قبيلته، متجاهلًا أن المعرفة نفسها لا تعطي أحدًا الحق في تمييز أو إهانة الآخرين. نقد هذا النوع من المثقفين لا يقتصر على مجرد الشجب الأخلاقي. إنه يتطلب كشف التناقضات العميقة في سلوكياتهم وأفكارهم، وتحليل كيف يمكن للثقافة أن تُساء استخدامها. المثقف الحقيقي لا يستخدم المعرفة ليخلق فروقًا وهمية بين الناس، بل ليكسر الحدود الضيقة للجهل والتحيز. المعرفة الحقيقية يجب أن تكون وسيلة للتقارب بين البشر، وليس لتأكيد الانقسام والتمييز. تاريخيا، نجد أمثلة كثيرة على المثقفين الذين استغلوا العلم أو الثقافة لتأكيد التفوق العرقي أو القبلي. من أوروبا إلى إفريقيا، ومن الشرق الأوسط إلى آسيا، هناك نماذج كثيرة لأشخاص كانوا متعلمين وقراء، لكنهم استخدموا معرفتهم لتقوية الانقسامات العرقية أو القبلية. هؤلاء المثقفون لم يساهموا في تقدم المجتمع، بل ساعدوا في ترسيخ تحيزات قديمة، وأحيانًا خلقوا أحقادًا جديدة.
إن المثقف العنصري القبلي لا يدرك أن الشرف الحقيقي لا يأتي من الانتماء إلى قبيلة، بل من الأفعال والأخلاق والقدرة على احترام الآخرين. بينما قبيلته أشرف بحسب ادعائه، فإن الأفعال اليومية، من تعاملاته مع الناس، من أخلاقه ومبادئه، هي التي تحدد قيمته الحقيقية. المعرفة بدون أخلاق لا تساوي شيئًا، والتفوق القبلي الزائف هو مجرد قناع للغرور والجهل الأخلاقي. إضافة لذلك، المثقف العنصري يعرّض المجتمع لأضرار متعددة: أولا، لأنه يخلق شعورًا بالتمييز وعدم العدالة، ما يؤدي إلى توتر اجتماعي مستمر؛ ثانيًا، لأنه يحطم معنى الثقافة نفسها، ويجعل الناس يشككون في العلم والمعرفة ثالثًا، لأنه يشجع الجيل الجديد على اتباع نفس المنهج، ليصبح الانحياز والتحيز جزءًا من ما يسمى الوعي الثقافي.
يظهر دور النقد الاجتماعي والفكري: يجب مواجهة هذا النوع من المثقفين بالنقاش الصريح، بتحليل تناقضاتهم، وبفضح الادعاءات الزائفة حول الشرف القبلي أو التفوق القومي. يجب أن نفهم أن الثقافة ليست سلاحًا لتقوية الكبرياء الشخصي، بل وسيلة لرفع مستوى الوعي، وفهم حقوق الإنسان، وتحقيق العدالة بين الجميع. المثقف العنصري القبلي هو صورة مقلوبة لما يفترض أن تكون عليه الثقافة: سلطة المعرفة مصنوعة لتحرر العقل والروح، وليست أداة لتكريس الانقسامات أو تمجيد الكبرياء الزائف. المثقف الحقيقي هو من يقف ضد التمييز بكافة أشكاله، وليس من يستخدم العلم لتجميل انحيازه القبلي. هو الذي يعرف أن الشرف الحقيقي لا يأتي من الانتماء، بل من الأفعال، من فهم الإنسان للإنسان، ومن قدرة الفكر على تجاوز كل حدود الضيق والجهل.
المثقف الحقيقي هو من يقرأ ليعرف، ليس ليبرر. هو من يعرف أن ثقافته ليست أداة لتفوقه على الآخرين، بل جسر لفهمهم والاقتراب منهم. هو من يدرك أن المعرفة بلا أخلاق لا قيمة لها، وأن الشرف الحقيقي يقاس بالاحترام والعدل، لا بالنسب أو القبيلة. وهو من يسعى أن تكون كلماته وأفعاله أداة للوحدة، لا للانقسام. في المجتمعات التي تنتشر فيها العنصرية المثقفة، يصبح من الضروري تعزيز الوعي النقدي، وتعليم الشباب أن الثقافة ليست ترفًا، بل مسؤولية. أن المعرفة ليست قوة للتحكم في الآخرين، بل لفهمهم، وأن التميز الحقيقي يكمن في القدرة على تجاوز الانحياز، وليس في ادعاء التفوق القبلي.
المثقف العنصري القبلي هو تذكير مؤلم بأن التعليم وحده لا يخلق مجتمعًا عادلاً، وأن المعرفة بدون وعي أخلاقي لا تتحول إلا إلى وسيلة لإدامة الجهل والتحيز. لذلك، فإن واجب كل مثقف حقيقي هو استخدام العلم والثقافة لبناء مجتمع أكثر عدلا وإنسانية، بعيدا عن كل الادعاءات الزائفة بالشرف القبلي، بعيدًا عن كل محاولة لتجميل العنصرية، وأقرب إلى الحقيقة البسيطة نحن جميعا بشر، والكرامة لا توزع بحسب القبائل، بل تصنع بالأفعال والأخلاق.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب