مقالات
أشلاء تحت الأنقاض بقلم ، أ . خضير بشارات -طمون -فلسطين –
بقلم ، أ . خضير بشارات -طمون -فلسطين -
أشلاء تحت الأنقاض
بقلم ، أ . خضير بشارات -طمون -فلسطين –
أكثر ما تملكه الدول العربية و الإسلامية لتحصل على حقوقها داخل أوطانها أن تتوجه لهيئات الأمم المتحدة و ترفع الكتب إلى دول الاستعمار تطلبهم التدخل لمنع ابنهم المدلل إسرائيل من قتل الأطفال و حرق البشر و تدمير المنازل و تهجير أصحابها كما و تستأذن منهم إدخال الطعام و الغذاء والدواء و الهواء إلى غزة التي حاصرها الصديق قبل العدو لأكثر من سبعة عشر عاما ، في حين تتوجه عصابة الاحتلال إلى وزارات الدفاع لتلك الدول ، لتحصل على أحدث الأسلحة و أكثرها فاعلية لتدمير الشعوب العربية و الإسلامية المقهورة و حرق الأبرياء، إنها مفارقة عجيبة بين طرفين متناحرين ، أحدهما هو صاحب الأرض و لا يملك سوى عرق جبينه من خلال عمله في تلك الأرض و الطرف الآخر المستعمر الصهيوني الذي سرق و نهب بقوة السلاح و أقام كيانه الغاصب على أنقاض ما خلفته آلياته العسكرية .
إن الحرب الدائرة رحاها في غزة و الضفة على السواء لهي امتداد للعمل البربري و الإجرامي الذي ارتكبته في فلسطين عصابات شترين و بلماح و الهاجاناة و إرجون و غيرها من المليشيات الصهيونية المسلحة التي عملت ضد الفلسطيني حيث كان منذ عقود ، فقتلت الأبرياء و هدمت المنازل و حرقت ما في داخلها و هجرت من بقي على قيد الحياة إذ نجا بإعجوبة من الموت القادم من الغرب و برعاية دول الاستعمار التي رسخت أركان الصهيونية في الشرق الأوسط و اوعدتها بدولة يهودية على أرض ليس من حق أحد التصرف فيها سوى أبنائها الحقيقيين و هم عرب فلسطين الذين انجبلت دماؤهم بترابها منذ آلاف السنين .
اليوم و من خلال الحرب المسعورة على الوطن يتضح لكل من سولت له نفسه أن الاحتلال الصهيوني المجرم لا يعرف إلا لغة القوة لا يؤمن بكل أبجديات السلام أو الهدن، لا يعترف بكل أنواع الحبر ، يخترق كل الاتفاقيات
الموقعة لرعاية السلام بين الجانبين الفلسطيني و الكيان
الغاصب ، و تشهد على ذلك كل جمعيات حقوق الإنسان و المنظمات الدولية و هيئات الأمم المتحدة ، عصابة الاحتلال تتجاوز كل ذلك و تختار الحرب تنحاز لعقليتها الوحشية ، و تمارس صهيونيتها في أبشع صورها التي تتنافى مع كل القيم الإنسانية و تعبر عن عقلية الحرب العدوانية التي تمارسها ضد الأبرياء في فلسطين .
يستمر القصف الصهيوني على جغرافية غزة بمختلف مواقعها ، تضرب الصواريخ الوحشية خيم النازحين في المواصي ، شهداء تحرقهم نيران الصهيونية في غرف عيادة الأونروا في جباليا يصرخ الأطفال و هم يموتون ، تلتهمهم النار المجنونة و المتوحشة، لا أحد يملك القدرة على إنقاذهم و دخول الغرف التي أصبحت قطعة من جهنم يا لقساوة المناظر ! أشلاء تتساقط من النوافذ ، الملابس المعلقة تحترق و يتطاير سكنها على وجوه الناس ، علهم يشتمون رائحة ابنهم أو ابنتهم أو قريب لهم ، شاب يحمل جواله و يصور هول المأساة و يتحدث
بل يصرخ معبرا عن بشاعة الجريمة البشعة التي ارتكبها العدو، أطفال يحترقون داخل العيادة لا ذنب لهم ، أناس
أبرياء يموتون تحت القصف البربري ، يتألم لعدم قدرة الناس على إخراج من هم داخل المبني ، لم يقل الألم في خانيونس عمن سبقه شهداء و مصابون أشلاء تنشر صورهم عبر الفضائيات ، رجل يحمل طفلته و يصيح بما
يملك من صبر ما ذنبها ؟ ماذا فعلت ؟ يدور بجثتها فوق رأسه و هي مقطعوة الرأس، تحاول الكاميرا أن تخفي ما
أمكنها من بشاعة المنظر لكن هيهات أن تتستر جرائم العدو بحق الأطفال و النساء و الأبرياء .
تقف امرأة على ما تبقى من أنقاض البيوت المهدمة و التي تلتهمها النار مباشرة ، تستغيث بحرقة و ألم تندب ما حلّ بهم و تقول : يقصفون المكان ، تشير بيدها نحو الدمار و في اليد الأخرى تمسك ملاءتها ، حتى لا تنزلق عن جسدها و هي تتفاعل مع الحدث الجلل الذي أصاب المنطقة ، يقتلون النساء و الأطفال كلهم أبرياء ، هؤلاء الأطفال لا يحملون الأسلحة ، أمن المعقول أن الأطفال و النساء يحملون السلاح ؟ كل الشهداء الذين ارتقوا أبرياء حتى الرجال لا يحملون السلاح، لا أحد يرى من يحمل السلاح هنا ، رجل آخر يصرخ بما يملك من صوت
و هو يحمل أغراضه على عربته و ينزح حيث ترميه و تسوقه الأقدار يستنجد بملك الأردن و ينشد أبيات من قصيدة الشاعر الجواهيري التي قالها أمام الملك حسين و نسمعه يردد يا بن الهواشم من قريش اسلفوا … إلى آخر الأبيات التي تحرك المشاعر و تلهب الحماس ، لكن هل ستحرك زعماء العروبة؟ إذا لم تحركهم دماء الأطفال
و أشلائهم و القتل و الهدم و التهجير على مدار سنوات كيف سيحركهم خطاب؟ .
دماء و أشلاء تتناثر في كل مكان لا يستطيع أحد أن يميز شهيد عن آخر ، هذا ما رواه الناس و هم يبحثون عن أبنائهم و أشلاء من فقدوهم بين الدمار و تحت الردم ، ما يميزون به الشهداء هو من خلال ملابسهم إن بقي لها آثار يقول أحدهم : نتعرف على ابنائنا من لون البلوزة سكنية كانت أم حمراء ، قصص جمة تُروى لتعبر عن حجم الكارثة الإنسانية التي يعيشها أهل غزة ، هذا إضافة إلى الصور التي يشاهدها العالم مباشرة عبر محطات التلفزة المختلفة و التي من خلالها يرى ظلم العدو و همجيته على الأبرياء نلاحظ ذلك دون أن يقدم الناس شهاداتهم و أقوالهم ، عدسات الكاميرات تنقل ما يصيب غزة مباشرة ، وهي تكفي لكشف و إظهار تغول زمرة الكيان الصهيوني ، أهالي غربة العدس شمالي رفح الواقع جنوب القطاع تطالب هيئات حقوق الإنسان إن تخرجهم من وسط النيران، حمم بركانية يصبها الاحتلال
على الناس، يستغيثون بأحرار العالم، يستنجدون بالعرب
و المسلمين دون أن يجدوا من يلبي نداءاتهم ، بحت أصواتهم و خارت قواهم و تعمقت المأساة في نفوسهم .
غارات صهيونية عدة على القطاع مدار الساعة ليل نهار ، لم يتوقف الهجوم العدواني البربري ما خلف العشرات من الشهداء و الجرحى ، و زاد قهر الناس ، مرٌ بكاؤهم ، و اشتدت حاجتهم إلى الحياة ، لم يعد لديهم إمكانيات العيش ليواجهوا قصف الاحتلال العنيف ، عشرات من الشهداء يصلون إلى المشافي لا أماكن لهم ، واحد و عشرون شهيدا في قصف على مدرسة تؤوي نازحين في
حي التفاح شرقي مدينة غزة، اثنان و تسعون شهيدا في
مناطق متفرقة في القطاع ، تنقل الجزيرة عبر شريطها الأخبار أولا بأول، تظهر وحشة العدو ، و تكشف العجز الذي تتمتع به أنظمة الردة العربية المتخاذلة ، صورة مشفى المعمداني في غزة تدخله سيارات الإسعاف، فيها الشهداء و الجرحى ، لازال هناك شهداء أشلاء تحت الأنقاض نحتاج إلى معدات ثقيلة لكي نستطيع الوصول إليها و انتشالها ، هذا ما قاله أحد أطباء المشفى و هو يناشد المؤسسات الدولية لوقف العدوان و نقل المصابين
إلى مشافي أخرى إن كان فيها متسع ، شياب يقتحمون ما خلفته المجازر للبحث عن جثامين و أشلاء متناثرة علهم يتمكنون من إخراجها من تحت الركام ، يتعمد الاحتلال في قصفه الأبرياء و ارتكاب المجازر على النازحين وهم داخل المدارس فعصابة العدو تهدف إلى اخضاع المقاومة إلى شروطها فليس أمامها إلا زيادة الضغط العسكري على الأبرياء، هدم المدرسة بالكامل و ساحة المشفى لم تعد قادرة على استيعاب من يدخلها، جثامين الشهداء مكدسة، يحاول الأهالي التعرف إليها، تناثرت الأشلاء خارج المدرسة، طفل استشهد لم يتجاوز
الثلاث سنوات ، يحمله والده ، يتحسر و يتألم، تقتله قلة
الحيلة أمام وحش الاحتلال .
نزوح وراء نزوح ، يشهده أهل غزة ، إنها حرب الإبادة و القتل و التهجير لا يريدون الحياة للفلسطيني ، فهو المستهدف من كل الحروب التي تخوضها العصابة الصهيونية نيابة عن دول الاستعمار الغربي والشرقي على مدار عقود ، و ما هذه الحرب إلا حلقة من نازية هذا
العصر ليحقق من خلالها هدفه من إقامة كيانه الغاصب على الأرض الفلسطينية بعد إجلاء أهلها منها بقوة ما يملكون من السلاح و بدعم من الدول الاستعمارية التي ترعى ابنها الجديد و بدعم من الدول الرجعية التي لا قدرة لها على رفض الاستعمار و سياساته ،
إن الحرب الدائرة رحاها الآن لهي حرب الوجود بين الشعب الفلسطيني و الكيان الصهيوني الغاصب، الشعب
الذي لازال يعاني ويل النكبات المتتالية منذ عقود ، و ما يدعى بالجيش الصهيوني غير الأخلاقي الذي أقام كيانه على دماء الأطفال و النساء و الأشلاء، و مازالت نازيته تكرس العقلية الصهيونية العنصرية بشكل واضح وجنوني حتى اليوم، و ما غزة غير بعيدة عن كشف تلك الوحشية المتغطرسة .
يختلط هذا الإجرام الصهيوني مع مرارة العيش داخل خيم النازحين ، شاب عالق تحت الدمار يحاول المسعف أن ينقذه يسحبه هو و من معه من الشباب يتألم ، أكثر من نصفه تحت الردم ، الأخبار تفيد أن الجيش سيعيد القصف على المدرسة ، يغطون الشاب بلوح من القصدير
لحمايته عند القصف و يقول المسعف سنعود إليك وسط
دعاء الصبر و التحمل ، مش رح اخليك هون ، مش هاين علي ، برجعلك ، هذا ما يقوله المسعف ، فهو الجندي المجهول الذي يواجه الموت في كل لحظة و يعمل بصمت و بصبر و بإصرار ، دون كلل أو ملل أو دون خوف من الموت أو من قذائف الدبابات التي تضرب في كل مكان و على مدار الساعة دون توقف ، أشلاء متناثرة داخل أروقة المدرسة، جثث ملقاة بجانب الأسوار، جثة هامدة في الممر تنتظر من يحملها لتدفن إن و جدوا مكانا لها ، غبار قاتم أسود من ظلمة الليل يملأ الساحة لا نرى من خلاله الناس الذين يبحثون عن قتلاهم أو عن الجرحى ، أصوات تتوجع و تئن تحت أكوام الحجارة التي هدمتها صواريخ الحقد الصهيوني .
4_4 _ 2025م ، الجمعة ، 13 :01 ، صباحا .



