تحقيقات وتقارير

أنقذت امرأة بعدما أُعلن عن وفاتها وحُفر قبرها: «قانا الجليل» تستعد لتخليد ذكرى طبيبة إيطالية

أنقذت امرأة بعدما أُعلن عن وفاتها وحُفر قبرها: «قانا الجليل» تستعد لتخليد ذكرى طبيبة إيطالية

وديع عواودة

قانا الجليل – : يستعد المجلس المحلي في بلدة قانا الجليل (كفركنا) داخل أراضي 48 لتخليد ذكرى طبيبة إيطالية قدمت خدمات ومساعدات طبية إنسانية لأهالي البلدة والبلدات المجاورة منذ ما قبل النكبة، طيلة 40 سنة، وذلك من خلال تسمية واحدة من المؤسّسات العامة على اسمها.
والحديث يدور عن الراهبة جوفينا ميسي، التي هاجرت من موطنها إيطاليا إلى فلسطين عام 1928، وبعد بيت لحم وحيفا استقرت داخل دير راهبات الفرنسيسكان في كفركنا عام 1938، وظلت وفية لنذرها بخدمة المسيحية والناس حتى رحلت في 1978.
هذا النهار زارت «القدس العربي» دير راهبات الفرنسيسكان في قانا الجليل، واستمعت لرئيسته، المربية الأخت رينييه موسى، وهي من بنات مدينة الناصرة المجاورة، فاستذكرت أن الدير الذي ترأسه بُني عام 1912، منبّهة إلى أن مؤسسة «الفرنسيسكان» ولدت في أوروبا في مطلع القرن الثالث عشر وانتقلت إلى سائر العالم.
تتقاطع مسيرة الأخت موسى مع مسيرة الطبيبة الإيطالية الراحلة جوفينا ميسي، فكلتاهما قد انقطعت لحياة الرهبنة منذ كانتا فتاتين صغيرتين، رغم تحفّظات أسرتيهما. وتوضح موسى أن الدير في كفركنا، البلدة المذكورة في العهد الجديد، وكان السيد المسيح قد صنع عجيبته الأولى فيها خلال زيارته لعرس حوّل فيه الماء إلى خمر بعد نفاده، قد بدأ يقدم خدمات إنسانية فور بنائه في مطلع القرن العشرين، خاصة في مجال تعليم الفتيات الحياكة والتطريز.
وتضيف: «في المرحلة التالية، بدأ الدير يقدم خدمات تربوية تعليمية وخدمات علاجية وصحية، بفتح مدرسة وعيادة مجانية داخل الدير خلال حقبة الانتداب البريطاني».
ويحتفظ الدير بكمية كبيرة من الصور التي توثق مسيرته وفعالياته، إضافة إلى أرشيف مخطوطات كُتبت، في معظمها، بخط اليد من قبل رئيسات الدير جيلًا بعد جيل.
وتضيف موسى متذمّرة: «للأسف، وصلت إلى البلاد أيضًا ظاهرة انحسار الفتيات المترهبات، إذ هناك عدد قليل من النساء ممن يلحقن اليوم بالأديرة نتيجة سطوة العلمانية والحداثة».
وتضيف: «أكاد أجزم أنني الراهبة الوحيدة التي خرجت من مدينة الناصرة منذ نذرت نفسي لدير الفرنسيسكان في الناصرة وكفركنا منذ ثمانينيات القرن الماضي».

شريط الذكريات

كانت زيارة هذا الدير في كفركنا مشحونة وجدانيًا بالنسبة لكاتب هذه السطور، فوالدته قد أنهت المرحلة الابتدائية فيه، مثلما أنه أيضًا تعلّم السنة الأولى من مسيرة التعلم في مدرسته ضمن ما يعرف بـ»صف التمهيدي»، قبيل صف البستان، وما زال يذكر صدمة اليوم الأول وبكاءه، خاصة بعدما اكتشف أن الزي المدرسي موحّد للبنين والبنات، وهو عبارة عن «مريول» يشبه الفستان، مما دفعه لرفض ارتدائه لاعتباره زيًا للبنات، وربما يعكس ذلك عمق الذكورية المتأصلة في المجتمعات الشرقية.
سمعت رئيسة الدير ذلك من زائرها بعدما تحرك شريط الذكريات والتداعيات لمجرد مشاهدة عمارة الدير والمدرسة من جديد، وابتسمت وفرحت لهذه الصلة التاريخية من قبل 50 سنة ونيّف.
وتواترت الذكريات في الوعي خلال زيارة الدير بعد رؤية عيادة الطبيبة جوفينا، التي تلقى علاجًا لديها أكثر من مرة خلال طفولته، وفي مخياله استنشق من جديد رائحة الأدوية، واستشعر برودة الغرفة المبنية من جدران حجرية سميكة تحفظ درجة الحرارة في كل الفصول.

معالجة الثوار

ويؤكد أهالي كفركنا ما ترويه رئيسة الدير عن الطبيبة الإيطالية المتطوعة وتفانيها في خدمة الأهالي طواعية، سنة وراء سنة، فيقول سامي صفوري لـ»القدس العربي» إنه سمع من والده أكثر من مرة يقول عنها إنها عالجت في الدير جرحى الثورة الفلسطينية الكبرى، منذ وصولها عام 1938 حتى نهايتها عام 1940.
كما يشير إلى أنه سمع من معمري البلدة شهادات عنها تقول إنه عندما أجبر جنود الاستعمار البريطاني شباب كفركنا على المشي على ألواح الصبر الشوكية عقابًا وتنكيلًا بهم، كانت «المادري جوفينا» تتسلل ليلًا مع قنديلها لمعالجتهم وتخفيف آلامهم داخل بيوتهم، رغم وعيها بالمخاطرة.
ويضيف: «بعد النكبة، كانت تستدعي أطباء متخصصين لمعالجة بعض الحالات المستعصية، وعندما بلغها أن المريض لا يقوى على القدوم بنفسه إلى عيادتها داخل الدير، كانت تذهب إلى بيته وتعالجه».
ويوضح الطبيب نايف خمايسي، ابن البلدة، أنه يذكرها جيدًا، ويقول إنه كان أحد متعالجيها خلال طفولته، منوهًا بأنه فهم لاحقًا أنها كانت تعتمد في علاجاتها، بالأساس، على البنسلين وعلى أنواع من المضادات والمنشطات الحيوية، معتمدة على حرفيتها في التشخيص رغم قلة الإمكانيات.
وتابع: «كنت أسمع من أهالي البلدة أنها عالجتهم مجانًا، وحتى الدواء قدمته دون مقابل».

ماتت مرتين بفارق 53 عاما

وكانت الحاجة وردة حبيب الله أمارة (أم فخري) من كفركنا واحدة من المتعالجات عندها، بل بفضلها نجت من الموت الذي زارها وزارته مرتين.
وتستذكر أم أحمد، كريمة الحاجة وردة، ما جرى لوالدتها خلال أيام العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، حيث أصابتها وعكة صحية، فخضعت لعملية جراحية في بطنها، وقاست آلامًا شديدة في المستشفى الإنكليزي في الناصرة، وفي نهاية اليوم أُبلغ الأهل بالهاتف عن وفاتها.
تشير أم أحمد إلى أن والدها المرحوم أبو فخري اصطحب بعض إخوته وسافروا إلى الناصرة، وأحضروا «جثمان الحاجة وردة بعدما أكد الأطباء وفاتها أثناء العملية الجراحية، فيما كانت نساء الحي يُعددن كل ما تتطلبه مراسم الدفن، أما الرجال فكانوا قد حفروا لها قبرًا بجوار والدها في المقبرة الإسلامية القديمة، وأحضروا التابوت من المسجد».
وحسب رواية الابنة، كانت أم نمر الريحاني، واحدة من الجارات اللواتي حضرن لتوديعها، قد استشعرت أن الجسد يتحرك بشكل طفيف جدًا، فطلبت على الفور استدعاء زوجها، الذي سارع لإحضار طبيب مشهور في الناصرة، فقال بعد معاينتها إن ساعات قليلة تفصلها عن الموت، وعاد أدراجه.
وتضيف الابنة أن الأهل لم يستكينوا أو يقتنعوا، فاستدعوا راهبة طبيبة إيطالية تدعى «مادري جوبينة»، تقيم في دير الفرنسيسكان في البلدة، وكانت تتطوع في مداواة أهالي القرية.
وأضافت: «فور وصولها، أكدت الراهبة أن أمي لا تزال حية، وحقنتها بملح إنكليزي وبأمصال ومضادات حيوية أخرى، وظلت تداويها لثلاثة أيام بعدما نظفت جراحها وأغلقتها، إلى أن بدأت الحياة تدب فيها وتتحسن حتى أفاقت غداة «وفاتها».

إغلاق الضريح

وتستذكر أم أحمد أن والدها أعاد التابوت إلى المسجد، وقام أعمامها وأخوالها الذين حضروا من القرية المجاورة عين ماهل بإغلاق القبر المخصص لأم فخري.
وتتابع: «لما كان شقيقي فخري يستعد للزواج، نذر الأهل نذرًا بأن يلبسوا أم فخري بدلة العروس بجانب كنّتها في حال نجاتها من الموت».
وأكدت الابنة، مبتسمة، أنه تم تحقيق النذر، فلبست والدتها ثوب العروس وجلست بجوار كنّتها العروس يوم زفاف ابنها، فكان العرس عرسين.
وكان أفراد العائلة قد احتفلوا بمئوية الحاجة وردة عام 2006، لكنهم لم يؤمّنوا الشموع والكعك احتفاء بعيد ميلادها الماسي فحسب، إنما للاحتفال بعودتها من الموت بعد 50 عامًا.
رحلت الحاجة وردة عام 2009 عن عمر ناهز 103 سنوات، بعد 53 عامًا من إعلان «وفاتها»، وما زال جيرانها يذكرونها بالخير.

المسامح كريم

وفي حديث سابق لكاتب هذه السطور عام 2006، استذكرت أم فخري «وفاتها» عام 1956، وقالت ضاحكة: «والله يسامح الدكتور برنارد، طبيب المستشفى الإنكليزي، فأنا بطني أوجعني، فكيف موّتني.. على كل، المسامح كريم».
وكانت أم فخري، حتى وفاتها، تتمتع بصحة جيدة، وتدأب على مشاهدة التلفزيون أو «صندوق العجب»، كما تسميه، الذي يشكل أهم عجائب الدنيا هذه الأيام بالنسبة لها، لكنها تخاف ركوب «التومبيل».
يشار إلى أن الحاجة أم فخري لها 246 بين ولد وحفيد، ومخزون الدعابة لم ينفد من لدنها حتى آخر أيامها، حسب هؤلاء.
أما الطبيبة التي عالجتها، مادري جوفينا، فرحلت قبلها بكثير، إذ توفيت بعد مرض في المستشفى الإيطالي في حيفا في 24.08.1978. وقبل رحيلها صلى الأهالي في كفركنا والمنطقة، وابتهلوا من أجل شفائها في الكنائس والمساجد، لأنها قدمت خدمات عظيمة، كما يؤكد العشرات منهم.

«القدس العربي»

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب