الافتتاحيهرئيسي

أوسلو بعد أكثر من ثلاثة عقود.. من وعد الدولة إلى مأزق المرحلة الانتقالية

أوسلو بعد أكثر من ثلاثة عقود.. من وعد الدولة إلى مأزق المرحلة الانتقالية

بقلم: رئيس التحرير 

بعد أكثر من ثلاثة عقود على توقيع اتفاق أوسلو، لم يعد السؤال الفلسطيني الحقيقي: هل كان الاتفاق صواباً أم خطأ؟ بل أصبح السؤال الأكثر إلحاحاً: ماذا بقي من المشروع الذي قيل إن أوسلو جاء لتحقيقه، ولماذا تحولت المرحلة الانتقالية التي كان يفترض أن تقود إلى إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية إلى واقع سياسي مستمر؟

إن تقييم أوسلو لا ينبغي أن يتحول إلى محاكمة للأشخاص أو إعادة كتابة للتاريخ، وإنما إلى قراءة موضوعية لتجربة سياسية طويلة، بما لها من إيجابيات وإخفاقات، واستخلاص الدروس للمستقبل.

ومن هنا يمكن فهم الطرح الذي يعتبر أن نتائج أوسلو كانت كارثية استراتيجياً على القضية الفلسطينية، بل ويقارنها البعض بوعد بلفور. لكن الموضوعية تقتضي التمييز بينهما؛ فبلفور كان إعلاناً بريطانياً في سياق استعماري، بينما أوسلو كان اتفاقاً سياسياً فلسطينياً–إسرائيلياً هدفه المعلن إقامة ترتيبات انتقالية تمهد لتسوية نهائية.

غير أن اختلاف الطبيعة لا يلغي ضرورة تقييم النتائج.

فقد شكّل الاعتراف المتبادل بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل تحولاً تاريخياً، إلا أن الاعتراف بمنظمة التحرير ممثلاً للشعب الفلسطيني لم يقابله اعتراف إسرائيلي نهائي بدولة فلسطينية ذات سيادة وحدود واضحة. وبقيت قضايا القدس واللاجئين والحدود والمستوطنات والترتيبات الأمنية مؤجلة إلى مفاوضات الوضع النهائي.

وهنا برزت المعضلة الأساسية: المرحلة الانتقالية التي كان يفترض أن تكون جسراً إلى الدولة تحولت إلى واقع دائم دون بلوغ نهايته المعلنة.

لقد أسهمت السلطة الفلسطينية في بناء مؤسسات الإدارة العامة والتعليم والصحة والخدمات، وأعادت حضوراً مؤسساتياً فلسطينياً إلى الأرض. لكن المشكلة بدأت عندما انفصلت الوسيلة عن الغاية، وأصبح السؤال مشروعاً: هل نحن أمام سلطة انتقالية تقود إلى الدولة، أم أمام إدارة لشؤون السكان في ظل استمرار الاحتلال؟

كما أن تقسيم الضفة الغربية إلى مناطق «أ» و«ب» و«ج»، باعتباره ترتيباً انتقالياً، لم يتحول إلى تسوية نهائية، بينما استمر الاحتلال والاستيطان والحواجز والقيود على الحركة. وقد أكدت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري لعام 2024 أن اتفاقات أوسلو لا تمنح إسرائيل حق ضم الأراضي الفلسطينية المحتلة أو إضفاء الشرعية على استمرار وجودها فيها.

ويبقى الاستيطان أحد أبرز الاختبارات التي فشل المسار السياسي في معالجتها. فأوسلو لم يكن اتفاقاً يشرّع الاستيطان، ولا يمكن تحميله وحده مسؤولية السياسة الاستيطانية الإسرائيلية، لكن المسار السياسي لم ينجح في وقف التوسع الاستيطاني، فيما كانت الوقائع على الأرض تتغير بوتيرة أسرع من المفاوضات.

اقتصادياً، كرست الترتيبات التي رافقت أوسلو ارتباطاً وثيقاً بالاقتصاد الإسرائيلي، من دون تحقيق استقلال اقتصادي فلسطيني كامل في التجارة والمعابر والموارد وحركة البضائع والأموال.

أما الملف الأمني، فقد بقي موضع جدل سياسي واسع. فوجود أجهزة أمن فلسطينية ضرورة لحماية المجتمع وسيادة القانون، لكن الوظيفة الأمنية يجب ألا تتحول إلى بديل عن التحرر الوطني أو إلى آلية لإدارة واقع الاحتلال.

ولعل الأخطر أن أوسلو لم يتحول إلى مشروع وطني جامع، وتزامن مسار التسوية مع انقسامات فلسطينية عميقة تطورت لاحقاً إلى انقسام مؤسسي وجغرافي. ولا يمكن تحميل أوسلو وحده مسؤولية ذلك، فهناك عوامل فلسطينية وإقليمية ودولية متعددة، إلا أن غياب استراتيجية وطنية موحدة أضعف القدرة على مواجهة الاحتلال.

أما القول إن أوسلو «أسوأ من بلفور»، فيبقى حكماً سياسياً لا حقيقة تاريخية أو قانونية مطلقة؛ والخطر الحقيقي في أوسلو يكمن في الفجوة بين الوعود والنتائج، وفي تحول المؤقت إلى دائم.

بعد أكثر من ثلاثين عاماً، لا يكون المطلوب هدم المؤسسات الفلسطينية أو العودة إلى الفراغ، بل تجاوز مأزق المرحلة الانتقالية. وذلك بإعادة تعريف السلطة باعتبارها جزءاً من مشروع الدولة لا بديلاً عنها، وإعادة تفعيل منظمة التحرير باعتبارها الإطار الوطني الجامع، وإنهاء الانقسام، وتوحيد الضفة وغزة سياسياً ومؤسسياً، وتعزيز الشراكة الوطنية والقرار المستقل.

القضية الفلسطينية لم تبدأ مع أوسلو ولن تنتهي بانتهائه. والدرس الأهم أن أي اتفاق لا يحمي الحقوق الوطنية بآليات واضحة وملزمة، ولا يوقف تغيير الوقائع على الأرض، معرض للتحول من وسيلة لتحقيق السلام إلى إطار لإدارة الصراع وإطالة أمده.

المطلوب اليوم ليس جلد الماضي، بل بناء استراتيجية فلسطينية جديدة تستند إلى القانون الدولي والشرعية الدولية، وتحافظ على المؤسسات الوطنية، وتنقل المشروع الفلسطيني من إدارة الأزمة إلى معالجة جذورها، ومن إدارة الاحتلال إلى إنهائه، ومن سلطة بلا سيادة إلى مشروع دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب