مقالات

إعادة انتاج الدين سياسيا داخل البنية العلمانية. بقلم زكريا نمر -السودان –

بقلم زكريا نمر -السودان -

إعادة انتاج الدين سياسيا داخل البنية العلمانية.
بقلم زكريا نمر -السودان –
العلمانية، كما تقدم في ادبيات الفلسفة السياسية، ليست عقيدة مضادة للدين ولا مشروعا لإقصائه، بل اطار مؤسسي لتنظيم المجال العام على اساس الحياد، بحيث لا تحتكر جماعة دينية او تفسير بعينه سلطة تعريف الصالح العام. غير ان هذا التعريف النظري يصطدم في الواقع ببراغماتية النخب، حيث تتحول العلمانية من مبدأ معياري الى اداة قابلة لإعادة التشكيل وفق ميزان القوى. في هذا التحول، لا تختفي العلاقة بين الدين والسياسة، بل يعاد انتاجها في صورة اكثر مرونة واقل وضوحا.
المدخل لفهم هذه الظاهرة هو ادراك ان العلمانية ليست بنية جامدة، بل حقل تفاوض. السياسي لا يطبقها كما هي، ورجل الدين لا يرفضها كما هي، بل كلاهما يعيد تعريفها داخل سياق المصالح. النتيجة هي علمانية اجرائية، تستخدم كوسيلة ادارة، لا كقيمة ثابتة. وهذا ما يفسر التباين الحاد بين الخطاب والممارسة: خطاب يتحدث عن الفصل، وممارسة تقوم على اعادة توزيع النفوذ.
على مستوى السياسيين، تستثمر العلمانية كأداة متعددة الوظائف. اول هذه الوظائف هو انتاج الشرعية الخارجية. في عالم تحكمه معايير حقوقية ودبلوماسية، يصبح تبني خطاب الدولة المدنية شرطا للقبول الدولي. لا يعني ذلك بالضرورة التزاما فعليا بمبدأ الحياد، بل غالبا ما يكون اعادة تغليف للنظام السياسي بلغة مقبولة عالميا. هذه اللغة تستخدم لفتح قنوات التمويل، تخفيف الضغوط، واعادة تموضع الدولة داخل النظام الدولي. هنا تتحول العلمانية الى عملة سياسية في السوق العالمي.
الوظيفة الثانية هي الضبط الداخلي. بدل ان يكون الدين مجالا مستقلا، تعمل الدولة على ادخاله ضمن شبكة تنظيمية: قوانين، تراخيص، مؤسسات رسمية، ومراقبة غير مباشرة. الهدف ليس الغاء الدين، بل تحويله الى مورد قابل للادارة. عبر هذه الاليات، تستطيع السلطة تحديد من يتحدث باسم الدين، واي خطاب يسمح له بالانتشار، واي خطاب يصنف كتهديد. في هذه الحالة، العلمانية لا تعني تحييد الدين، بل احتواءه ضمن منطق الدولة.
اما الوظيفة الثالثة فهي ادارة التعدد. في المجتمعات المنقسمة دينيا او اثنيا، يستخدم خطاب العلمانية كأداة لاحتواء التوتر. لكن بدل بناء حياد حقيقي، يتم اللجوء الى صفقات جزئية مع الفاعلين الدينيين: امتيازات هنا، تنازلات هناك، مقابل الولاء او الصمت. هذه الصفقات تنتج استقرارا هشا، قائما على توازنات دقيقة، لا على قواعد مؤسسية واضحة. وهنا تظهر العلمانية كواجهة لتسويات سياسية، لا كاطار عادل للجميع. لا يقف رجال الدين في موقع رد الفعل فقط، بل يطورون استراتيجيات معقدة للاستفادة من هذا الاطار. اولى هذه الاستراتيجيات هي التكيف الخطابي. بدل المواجهة المباشرة مع العلمانية، يتم اعادة صياغة الخطاب الديني بلغة مدنية: الحديث عن القيم، الهوية، الاخلاق، والعدالة، بدل الاحكام والنصوص الصريحة. هذا التحول يسمح باستمرار التأثير داخل المجال العام دون الاصطدام بالقوانين او الحساسية السياسية.
الاستراتيجية الثانية هي النفاذ غير المباشر الى السياسة. حتى في ظل القيود الرسمية، يحتفظ رجال الدين بقدرة عالية على التأثير عبر المجتمع: توجيه الراي العام، التأثير في السلوك الانتخابي، او تشكيل كتل ضغط غير رسمية. هذا التأثير غالبا ما يكون اكثر فاعلية من الحضور المؤسسي المباشر، لانه يعمل من خارج الاطر الخاضعة للرقابة.
اما الاستراتيجية الثالثة فهي اعادة التموضع المؤسسي. بدل الاقتصار على المؤسسات الدينية التقليدية، يتم انشاء واجهات جديدة: منظمات مجتمع مدني، مراكز تعليم، مبادرات خيرية، او منصات اعلامية. هذه الكيانات تعمل بلغة مدنية، لكنها تحمل مضمونا دينيا، ما يمنحها مساحة اوسع للحركة داخل النظام العلماني. بهذا الشكل، لا يتم تجاوز القيود فقط، بل يتم تحويلها الى فرصة. التفاعل بين هذه الاستراتيجيات ينتج نموذجا هجينًا، لا يمكن وصفه بدقة كعلماني او ديني. هو نظام يقوم على ادارة التداخل بدل الفصل. في هذا النظام، الدولة لا تتخلى عن الدين، بل تعيد تنظيمه، ورجال الدين لا ينسحبون من السياسة، بل يعيدون صياغة حضورهم فيها. العلاقة بين الطرفين تصبح علاقة تبادلية: السياسي يحتاج الى الدين لانتاج الشرعية او ضبط المجتمع، ورجل الدين يحتاج الى الدولة لضمان الحضور والاستمرارية. غير ان هذا النموذج يحمل في داخله تناقضات عميقة. اول هذه التناقضات هو الانتقائية. حين تستخدم العلمانية كأداة، فان تطبيقها يصبح مرهونا بالمصلحة: تفعل ضد خصوم، وتعطل امام حلفاء. هذا يفرغها من مضمونها المعياري، ويحولها الى خطاب تبريري. النتيجة هي فقدان الثقة، حيث لا يعود المواطن قادرا على التمييز بين ما هو مبدأ وما هو تكتيك.
التناقض الثاني هو تآكل المجال العام. بدل ان يكون فضاء مفتوحا للنقاش الحر، يتحول الى ساحة ادارة خاضعة لتوازنات غير معلنة. الخطاب الديني يقنن، لكن ليس وفق معايير واضحة، بل وفق اعتبارات سياسية. والخطاب السياسي يستعير من الدين، لكن بشكل انتقائي. هذا التداخل يضعف امكانية بناء نقاش عقلاني، لان الحدود بين القناعات والمصالح تصبح ضبابية.
اما التناقض الثالث فهو هشاشة الاستقرار الناتج عن هذا النموذج. لان التوازن قائم على صفقات، لا على قواعد، فانه يظل عرضة للانهيار مع اي تغير في ميزان القوى. ما يبدو استقرارا قد يكون مجرد تأجيل للصراع، وليس حله. وحين ينفجر، يكون اكثر حدة، لان التوترات ظلت مكبوتة داخل بنية غير شفافة.
يصبح السؤال الاستراتيجي ليس هل نحتاج الى العلمانية، بل اي نوع من العلمانية يمكن ان يصمد امام هذه الاستخدامات الادواتية. الاجابة لا تكمن في العودة الى تعريفات نظرية مجردة، بل في بناء شروط مؤسسية تقلل من قابلية التلاعب. اول هذه الشروط هو الوضوح القانوني: تحديد دقيق لدور الدولة تجاه الدين، دون ترك مساحات واسعة للتأويل الانتقائي. ثانيها هو الاستقلال المؤسسي: ضمان ان ادارة الشأن الديني لا تتحول الى اداة مباشرة بيد السلطة التنفيذية. ثالثها هو الشفافية: جعل العلاقة بين الدولة والفاعلين الدينيين خاضعة للمساءلة، لا للصفقات المغلقة.
هناك بعد ثقافي لا يمكن تجاهله. العلمانية لا تعمل فقط عبر القوانين، بل عبر القناعات. حين ينظر اليها كتهديد للهوية، تصبح عرضة للرفض او التحايل. وحين تفهم كاطار لحماية التعدد، يمكن ان تتحول الى مورد مشترك. هنا يلعب الخطاب الفكري دورا حاسما: ليس في التبشير بالعلمانية، بل في تفكيك استخدامها الأدواتي، وكشف الفجوة بين المبدأ والممارسة. ما يجري ليس صراعا بين الدين والعلمانية، بل صراع على من يملك تعريف العلاقة بينهما. السياسي يحاول احتكار هذا التعريف من موقع السلطة، ورجل الدين يحاول التأثير فيه من موقع المجتمع. وبينهما، تبقى العلمانية فكرة مفتوحة، قابلة للتأويل، وقابلة للاستخدام. السؤال الحقيقي هو: هل يمكن تحويلها من اداة في يد النخب الى اطار يضمن توازنا حقيقيا؟ الاجابة تعتمد على قدرة المجتمع على فرض قواعد تتجاوز منطق الصفقات، وتعيد للمجال العام معناه كفضاء مشترك، لا كساحة ادارة للمصالح.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب