
إعادة تعريف معنى السلطة
بقلم زكريا نمر -السودان –
نحن بحاجة إلى إعادة تعريف معنى السلطة من جذورها، لأن ما نعيشه لم يعد انحرافا ، بل تحول إلى نظام متكامل لإنتاج الرداءة. المسألة لم تعد مجرد فساد أفراد، بل فساد فكرة أن السلطة غنيمة، لا مسؤولية، وأن الطريق إليها يمر عبر الظهر المنحني لا الرأس المرفوع.
في هذا المشهد العبثي، لم يعد السؤال: ماذا قدمت؟ بل لمن انحنيت؟ وكلما أتقن السياسي طقوس الولاء الأجوف، من تكسير الثلج إلى صناعة الهالات الزائفة، كلما ارتفعت أسهمه. أما الكفاءة فهي تفصيل مزعج، يستدعى فقط في الخطب، ثم يرمى في سلة المهملات عند أول اختبار حقيقي.
الأكثر سخرية أن هذا النظام لا يكتفي بإقصاء الأكفاء، بل يعيد تدوير الفشل نفسه، كأن الدولة عالقة في حلقة مفرغة: نفس الوجوه، نفس الأخطاء، نفس الوعود التي تعاد صياغتها ببلاغة أفقر من سابقتها. وكأن الزمن السياسي لدينا لا يتحرك إلى الأمام، بل يدور حول نفسه مثل مروحة مكسورة تصدر ضجيجا أكثر مما تنتج هواء.
ثم تأتي القبيلة، لا بوصفها مكونا اجتماعيا طبيعيا، بل كأداة سياسية جاهزة للاستخدام. تختزل الدولة في جماعة، والجماعة في ولاء، والولاء في صفقة. وهكذا، تتحول السلطة إلى شركة توزيع امتيازات مغلقة، لا مكان فيها لفكرة المواطنة، ولا لأي معيار يتجاوز سؤال: من أنت؟ بدل ماذا تستطيع؟
أما المتعلم، المأساة الأعمق، فلم يعد بالضرورة صوتا ناقدا أو عقلا تصحيحيا، بل في كثير من الأحيان صار مجرد واجهة أنيقة لتبرير القبح. يحمل الشهادة بيد، ويكتب التبريرات باليد الأخرى، يلون الأكاذيب بمصطلحات أكاديمية، ويحول التضليل إلى تحليل. كأن المعرفة لم تعد أداة تحرير، بل أداة تلميع.
نحن أمام طبقة سياسية لا تخشى الفشل، لأنها ببساطة لا تعترف بوجوده. كل إخفاق يعاد تعريفه كإنجاز، وكل أزمة تسوق كمرحلة انتقالية، وكل انهيار يقدم كخطة طويلة المدى. إنها براعة لغوية في الهروب من الواقع، لا في تغييره.
المشكلة الأخطر أن هذا التشوه في مفهوم السلطة بدأ يعاد إنتاجه اجتماعيا. الناس أنفسهم، بفعل التكرار والتطبيع، صاروا يتعاملون مع هذا الانحراف كأنه القاعدة. يكافأ الوصوليون، وينظر إلى أصحاب المواقف كحالمين سذج أو غير واقعيين. و تتحول الأزمة من أزمة حكم إلى أزمة وعي. نحن لا نعيش فقط في ظل سلطة فاشلة، بل داخل منظومة تكافئ الفشل وتعاقب الكفاءة، وتعيد تعريف المعايير بحيث يصبح الانحراف هو الطبيعي.
والسؤال الذي يجب أن يطرح بجدية، لا بسخرية هذه المرة:
هل المشكلة في من يمسكون بالسلطة فقط، أم في القواعد التي سمحت لهم بالوصول والبقاء؟ لأن تغيير الوجوه دون كسر هذه القواعد، لن ينتج إلا نسخة أكثر أناقة من نفس الأزمة.



