
البعث في لبنان
نضال وطني تحت راية الشرعية القومية
الحلقة الخامسة: البدايات في جبل لبنان وبيروت
د. عبده شحيتلي
– العروبة واللبننة في إطار السياق التاريخي لجبل لبنان وبيروت:
يبين السياق التاريخي للتطور السياسي والاجتماعي الارتباط الوثيق بين جبل لبنان وبيروت، والاختلاف بينهما في المآلات الناتجة عن التنوع في البنى الاجتماعية وقابلياتها الفكرية والسياسية.
تمتعت إمارة جبل لبنان منذ نهاية القرن السادس عشر بقدر من الاستقلال الذاتي داخل السلطنة العثمانية. وقد ساد في هذه الإمارة النظام الإقطاعي، وتلزيم تحصيل الضرائب الى مشايخ أو زعماء عشائر محليين تحت إشراف الوالي العثماني، وكانت الأسر الإقطاعية تتمتع بشيء من الاستقلال الذاتي في إدارة شؤون إقطاعاتها ” ما دامت توفر للباب العالي في اسطنبول العدد المعين من القروش الذهبية، وتزود السلطنة العثمانية بالمقاتلين عند اللزوم، وتحافظ على الأمن في مناطقها” (طرابلسي، فواز. لبنان من الإمارة الى الطائف، ص10). وكانت الأسر الإقطاعية تتنافس على استرضاء اسطنبول طمعاً بالسلطة داخل الإمارة. في هذا الإطار جاء الصراع القيسي اليمني الذي تحول، فيما بعد، الى الجنبلاطي اليزبكي ( الإرسلاني ).
هذه الإمارة ما كانت بمعزل عن تدخل الدول الأوروبية الباحثة عن مصالحها في بر الشام؛ فعندما تمرد حاكم حلب علي جانبولاد على العثمانيين وانضم اليه فخر الدين، كان ذلك بدعم من حكام توسكانا الإيطالية التي كانت القوة الأكثر نشاطاً في شرقي البحر المتوسط. في هذه الفترة أي بداية القرن السابع عشر باشر المرسلون الكاثوليك العمل بين موارنة جبل لبنان، وقام فخر الدين بتعيين أفراد من آل الخازن مديرين عنده، وعقد صلات وثيقة مع آل ميديتشي حكام توسكانا الذين أمدوه بالسلاح والذخيرة. كذلك أعلن منصور عساف حاكم كسروان حمايته للموارنة إرضاء لتوسكانا، وعين مارونياً من آل حبيش ” مدبراً في ديوانه”. والبابا غريغوري الثالث بعث برسالة الى بطريرك الموارنة طلب فيها أن ينضموا الى فخر الدين في حروبه.
.
وفي عهد بشير الثاني تشكلت أول قيادة سياسية للمسيحيين في جبل لبنان الجنوبي (أسرة اسعد الخوري وقريبه جرجس باز)، وباتت تسيطر على الجماعة المسيحية كسيطرة بشير جنبلاط على الجماعة الدرزية، وحلت الزعامتان الطائفيتان الدرزية والمسيحية محل القيسية واليمنية التي كانت متعددة الانتماءات الطائفية . وبعد أن قام الأمير بشير بقتل جرجس باز وعزل الموارنة لصالح الروم الكاثوليك انتقلت السلطة الفعلية في جبل لبنان الى تحالف البشيرين.
في هذه الفترة (1820-1821) بدأت الانتفاضات الشعبية التي تمثل ” اقتحام العامة للحياة السياسية “.
واجه الأمير بشير الثوار مستعينا بمساندة بشير جنبلاط له حيث قاما بقمع هذه الثورة والقضاء على قادتها، لكن التحالف بينهما لم يدم طويلاً؛ ففي العام 1825، وبعد قمع عاميتي انطلياس ولحفد أعلن الأمير بشير اعتناقه المسيحية ليستفيد من القوة العددية للمسيحيين في التغلب على المقاطعجيين الدروز، ونجح في إقناع والي عكا بدعوة بشير جنبلاط الى عكا واعتقاله وقتله.
أما نهاية الإمارة الشهابية فكانت بسبب التعاون مع حملة ابراهيم باشا حيث ترافق سقوط الإمارة مع القضاء على هذه الحملة ليبدأ في جبل لبنان نظام القائممقاميتين وبداية التمثيل السياسي الطوائفي (12 عضواً من الطوائف الست الأساسية برئاسة القائمقام إثنان عن كل طائفة هما وكيل وقاض، ولما لم يكن هناك قاض شيعي، فقد استبدل بنائب للرئيس ماروني في الشمال وآخر درزي في الجنوب).
اعتبر كل من القائممقامين موظفاً حكومياً يخضع لسلطة والي صيدا، وبات تأثير السياسات البريطانية والفرنسية كبيراً من خلال دعمهما لهذا الطرف أو ذاك، حيث عمد الفرنسيون الى تشجيع ودعم الحركات الانفصالية، بينما ساند البريطانيون النظام المقاطعجي من خلال دعمهم لسلطة الدروز.
هذا الانقسام الطائفي الداخلي المحكوم بمصالح التدخل الخارجي أدى الى اضطراب وعدم استقرار تحول الى حرب أهلية آلت الى هزيمة المقاطعجيين الدروز سياسياً فانهار النظام المقاطعجي على الرغم من هزيمة المسيحيين عسكرياً، وصار الدروز منذ ذلك الحين يناضلون كأقلية ضمن النظام الجديد، نظام المتصرفية حيث تم دمج القائمقاميتين في وحدة إدارية،تأتي في الترتيب بعد الولاية.
أصبحت بيت الدين مركزاً لمجلس الإدارة الذي يرأسه متصرف مسيحي غير عربي، ويتقاسم النفوذ في المتصرفية مع بكركي بعد إعلان البطريركية الولاء للسلطان العثماني إثر زيارة البطريرك بولس سعد لاسطنبول عام 1867.
انتهى النظام المقاطعجي بقيام المتصرفية، ولكن، رغم ذلك، أعيد توظيف ابناء الأسر المقاطعجية (جنبلاط، أرسلان، الخازن، حبيش، دحداح، شهاب أبي اللمع… الخ) في الوظائف الإدارية، الأمر الذي اعتبر خرقاً للسياسة العثمانية المعلنة الرامية لتفكيك النظام الإقطاعي. وقد استمر هذا النظام الخاص في جبل لبنان حتى العام 1914 حيث دخلت السلطنة الحرب الى جانب ألمانيا، وألغت نظام المتصرفية، وأعادت تعيين حاكم عثماني عليه، ودمجه بالسلطنة العثمانية.
الجدير بالملاحظة، في إطار هذا السياق التاريخي، أن البنى الاجتماعية التي رسخت وجودها في مجتمع الجبل، وباتت تمثل مراكز القوة في عهد المتصرفية، والتي ارتبطت بمجلس إدارة المتصرفية أسست لنمو ورعاية ” أفكار الاستقلال اللبناني والقومية اللبنانية ” (طرابلسي، فواز، م. ن، ص 85). وجاء تأسيس لبنان الكبير تحت إشراف ورعاية الانتداب الفرنسي والدور المحوري للبطريركية المارونية ، ليعزز نزعة اللبننة هذه ، فصار هذا الجبل هو قلب لبنان المتميز عن الملحقات على صعيد السلطة وامتيازاتها ، ومرتكزاتها الأيديولوجية التي شكلت امتدادا للنظام الاقطاعي الطائفي وارتباطاته بالقوى الاستعمارية التي عملت عن سابق تصور وتصميم على تعزيز مراكز القوة في المجتمع التي تحارب التفكير بالانتماء العربي للبنان بعد منعها ، بالقوة العسكرية، قيام دولة عربية واحدة في بلاد الشام .
أما بيروت، فقد باتت منذ ستينات القرن التاسع عشر مركزا إقليمياً للقناصل والمستثمرين والمرسلين الأجانب، وكذلك شركات النقل البحري والتأمين. وفي العام 1863 أنهت شركة فرنسية عثمانية شق وتعبيد طريق للعربات يربط بيروت بدمشق ليصبح من أهم الطرق التجارية التي تدر ارباحاً كثيرة. وفي العام 1890 استحصلت ” الشركة الامبراطورية للأرصفة والمخازن في بيروت ” على امتياز مدته مئة عام لبناء وإدارة مرفأ جديد باشر العمل عام 1895. وقد قامت شركة فرنسية – بلجيكية بتسيير أول قطاراتها بين بيروت ودمشق وحوران عندما باشر المرفأ الجديد عمله تحت سيطرة الإدارة الفرنسية.
وقد تضاعف عدد سكان بيروت بما يقارب الثلاث مرات نتيجة للنزوح اليها بين العامين 1830 و1860، خاصة بعد الأحداث الدموية التي شهدها الجبل وأدت الى تهجير عدد كبير من المسيحيين اليها في الأعوام 1841 و1845 و1860. وفي العام 1877، ونتيجة لدور بيروت التجاري أعلنها السلطان العثماني عاصمة لولاية جديدة تمتد من الاسكندرونة شمالاً الى نابلس جنوباً.
امتدت المدينة باتجاه نهر بيروت شرقاً، ورأس بيروت غرباً. أما الضواحي فقد امتلأت بالوافدين للعمل فيها الذين اختاروا السكن داخل حدود المتصرفية، فأقاموا في الغبيري والشياح وبرج البراجنة.
بفعل هذا الموقع المتنامي لبيروت تم نقل مركز المتصرفية من بيت الدين الى بعبدا، وصارت بيروت في اواخر القرن التاسع عشر ” نموذجاً للحداثة العثمانية ” من جهة ، و ” رأس حربة وقاعدة للسيطرة الأوروبية على سورية من جهة أخرى” (م. ن، ص 94).
هذه الحداثة تجسدت على المستوى الفكري، أكثر ما تجسدت بالصحافة ونشاط الجمعيات والتعليم الجامعي؛ ومن الأمثلة على ذلك جريدة الجنان التي أصدرها بطرس البستاني، والجمعيات التي أنشأها بعض الشباب المسيحيين من حلقة البستاني الذين علقوا بين عامي 1879 و1880 مناشيراً على جدران بيروت تدعو أبناء سوريا الى الاتحاد، والاعتراف باللغة العربية لغة رسمية، وبإزالة القيود عن حرية التعبير والمعرفة. (حوراني، ألبرت. الفكر العربي في عصر النهضة، ص 328).
وكان بطرس البستاني منذ العام 1859 قد بدأ التنويه بكيان، وبشيء ينتمي هو اليه إسمه الثقافة العربية. وبعد عشرين سنة من ذلك التاريخ، وفي قصيدة شهيرة ناشد إبراهيم اليازجي أبن ناصيف العرب أن يتذكروا عظمتهم الماضية، ويستيقظوا، كما أن الجمعية السرية التي كان هو أحد أعضائها أشادت في بياناتها خلال العام 1875 ” بالعزة العربية ” التي تحرك مشاعر أهل سوريا (م. ن، ص 331).
الجامعة الأميركية في بيروت:
فيما يتعلق بالتعليم الجامعي برز بشكل خاص الدور الذي لعبته الجامعة الأميركية في بيروت، وهي كما يؤكد، قسطنطين زريق ” خليفة للكلية السورية الإنجيلية التي أنشئت بجهود فرقة بروتستانتية أميركية تبشيرية، لكن القائمين على شؤون هذه المؤسسة التعليمية ما لبثوا أن أدركوا عقم عملية التبشير الديني، فتحولت الكلية، أولاً، والجامعة في ما بعد، الى مؤسسة للتعليم العالي لتنشئة الطلاب على التثقيف العقلي والتهيؤ لـ” الخدمة الاجتماعية والوطنية “، وكان هذا التحول قد بدأ في عهد رئيسها الأول والثاني دانييل بلس وإبنه هاورد اللذين توليا شؤونها في العقود الخمسة الأولى من تاريخها (1866-1920)”. (زريق، د. قسطنطين، الأعمال الفكرية العامة، ص 15 ).
ساد هذه الجامعة جو أكاديمي ليبرالي أتاح للأفكار والمعتقدات المختلفة أن تطرح وتناقش بحرية في فضاء الجامعة، وبرزت فيها الجمعيات الطلابية وفي مقدمتها ” العروة الوثقى” التي كان الطلاب يتدربون فيها على المناقشات الحرة والأساليب الديمقراطية والتفاعل الفكري والاجتماعي.
بالإضافة الى هذا الجو الليبرالي ،اجتذبت الجامعة عدداً كبيرًاً من ” نخبة شباب البلدان العربية بسبب خلو تلك البلاد من مؤسسات التعليم العالي، أو حداثة عهد هذه المؤسسات وضعف خبرتها، أو بسبب خضوع تلك البلاد كفلسطين والعراق والسودان للحكم البريطاني الذي كان يتطلب معرفة اللغة الإنكليزية سواء للتوظيف الحكومي أو لممارسة المهنة ” (م.ن ً 16). وكان لاجتماع هؤلاء الطلاب وتفاعلهم أثره في إنعاش الروابط القائمة بينهم، وفي بث التطلع في صفوفهم الى تحرر بلادهم واتحادها تحت الراية العربية الشاملة.
الجو الليبرالي، والسمة الأقرب الى العلمانية للفكرة القومية العربية ،شكلا، في بيروت، حالة تختلف الى حد بعيد عن الأفكار التي انتجتها البنى الذهنية الطائفية التي حكمت الفكر والسياسة في جبل لبنان من عهد الإمارة الى نهاية المتصرفية. وإذا كانت هذه البنى الذهنية الطائفية التي تعكس الواقع السياسي- الاجتماعي في جبل لبنان قد شكلت أرضاً خصبة لنمو فكرة القومية اللبنانية التي تأسست عليها الأحزاب التي رسخت نزعة الطائفية السياسية، فإن ” علمانية الفكرة القومية العربية ” وجدت أرضها الخصبة في جو التنوع الذي حكم الفضاء السياسي والفكري البيروتي عامة، والجامعة الأميركية خاصة.
هذا السياق التاريخي لتطور البنى الاجتماعية يوضح لماذا شكلت بيروت والجامعة الأميركية فيها أرضاً خصبة لنمو بذرة البعث التي لا تنتعش إلا في جو التنوع والانفتاح والتعدد الذي تشيعه فكرة العروبة، بينما نمت فكرة اللبننة بأبعادها الطائفية المرتبطة بالحمايات الخارجية في جبل لبنان، وظل حضور فكرة العروبة فيه وكأنه نبت زرع في غير أرضه.
هذا الواقع تغير جزئيا بعد بروز قيادة كمال جنبلاط حفيد بشير والوريث السياسي للإقطاع الدرزي، خاصة بعد تأسيس الحزب التقدمي الاشتراكي اواخر أربعينات القرن العشرين، وانفتاحه على فكرتي الاشتراكية والعروبة. لكن حضور البعث كما الأحزاب التي قامت على أساس الفكرة القومية العربية، كان يبدو في الجبل طارئاً ومحدوداً من حيث الانتشار والتأثير السياسي على العكس مما كان الأمر عليه في الجنوب والشمال والبقاع وبيروت.
اختلفت بداية التنظيم الحزبي في بيروت عنها في الجبل نظراً لاختلاف هذا السياق التاريخي الذي اندرج فيه تطور البنى السياسية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية. قبل الخوض في نشأة التنظيم الحزبي وانتشاره في بيروت عامة وحضوره البارز في الجامعة الأميركية، نتوقف عند بداية التنظيم الحزبي في الجبل، من خلال ما توفر لنا من مصادر، رغم محدوديتها التي تشبه محدودية الانتشار الحزبي فيه.
بداية التنظيم الحزبي في الجبل:
يذكر إبراهيم سلامة في ملف النهار بعنوان ” البعث من المدارس الى الثكنات ” أن الفترة الممتدة من العام 1954 الى العام 1958 سجل فيها البعث خارج سوريا ” انتصارات لا بأس به “، خاصة في الأردن ولبنان حيث انتشر انتشاراً ساحقاً في صفوف الطلاب والمعلمين، وامتد الى مناطق جديدة لم تكن في إطار وجوده السابق ( البقاع وطرابلس بشكل خاص )، وقد وصل عدد أعضاء البعث في لبنان في هذه الفترة الى عشرة آلاف عضو ونيف ،كما بلغ في سائر الأقطار العربية المئة ألف عضو “( ابراهيم سلامة، البعث من المدارس الى الثكنات، ملف النهار العدد 25 – 18 اذار 1969 )
رغم هذا الانتشار الواسع للبعث في لبنان، في هذه الفترة، بدا حضوره في جبل لبنان طارئاً وخجولاً. ما نبت البعث في الجبل كزرع أصيل لأن تربته كانت قابليتها لفكرة اللبننة المدعومة خارجياً عميقة ومتجذرة الى حد بعيد، وذلك على حساب فكرة العروبة التي بدت ضيفاً ثقيلاً يحمله بعض الكادر البعثي الى دار لا يتسع له حاضرها المثقل بتاريخ تحكمه الذهنية الاقطاعية الطائفية على المستوى الاجتماعي، ويتأسس مفهوم السلطة فيه على الذهنية المقاطعجية التي تنظر بعين الى الشرق وبالعين الأخرى لما يأتي من الشمال والغرب. الاستثناء الوحيد في هذا الواقع التاريخي بأبعاده السياسية والاجتماعية مثلته بلاد جبيل، ولعل السبب في ذلك يعود لما يحمله التنوع الاجتماعي فيها من إمكانيات الانفتاح وقبول الآخر.
انطلق تنظيم البعث في بلاد جبيل من ثانوية بيبلوس التي تولى إدارتها أواخر الخمسينات من القرن الماضي الأستاذ منصور هنود الذي عاش فترة من حياته في مشتى الحلو في سوريا، لذلك ما كان غريبا عليه أن يتعرف على افكار البعث مبكراً.
“تخرج من هذه المدرسة أعداد كبيرة من شباب بلاد جبيل وشاباتها حيث حصلوا العلم وتحلوا بالروح الوطنية والعربية المنفتحة ” (هنود، ميشال، السفير العدد 12040 – 18-11 2011). وقد شكلت منطلقاً للنشاط الحزبي العروبي الذي زرع تنظيم البعث في بلاد جبيل، في تلك الفترة، ليستمر هناك، جيلاً بعد جيل، وتبرز فيه قيادات وكوادر لعبوا دوراً هاماً في تنظيم البعث في لبنان في تلك المرحلة والمراحل اللاحقة، قبل الحرب الأهلية، وبعدها.
يذكر الشاعر طارق آل ناصر الدين أنه دعي بعد نكسه العام 1967 مع الشاعر موسى شعيب لإحياء أمسية شعرية في ثانية بيبلوس في عمشيت من بلاد جبيل حيث فاجأهما الزمان والمكان، ذلك لأن الإدارة القوية عند صاحب الثانوية كانت تخترق المحرمات ،وتتجاوز الممنوع فتشك أعلام العروبة لتقهر هزيمة 1967 بتجديد الإيمان وتجعل من الثانوية واحة أدبية عربية.
وفي العام 1972 بعد اغتيال القائد البعثي محمد حرب في البقاع توجه الشباب الوطني والديمقراطي في بلاد جبيل ببرقية تعزية باستشهاد ” الرفيق المناضل محمد حرب الذي نزر حياته للآمة العربية وجاهد للقضاء على التخلف والفساد، وتعاهده على متابعة مسيرته لتحقيق ثورتنا في الوحدة والحرية والاشتراكية ” (من نص البرقية في كتاب محمد حرب قيادي مقاوم، ص 24 ) . هذه البرقية أرسلها البعثيون في بلاد جبيل الذين شكلوا تنظيماً حزبياً بارزا حرص على بنائه مجموعة من الكوادر البعثيين الذين كانوا على صلة بمنصور هنود والبعثيين الأوائل الذين عملوا معه ،وحرصوا على بناء التنظيم الحزبي قبل أن تفرض الحرب الأهلية وتداعياتها عليهم خيارات أخرى ومنها التهجير او الابتعاد عن العمل السياسي ، ومنهم مختار بلدة جاج منقذ سليمان وابناؤه الدكتور عصام سليمان والمحامي سليمان سليمان ، وعكيف برو، والاستاذ مجيد شمص . وقد انتسب للتنظيم جيل من الشباب في الستينات ومنهم رفيق أبي يونس وعلي همدر ،والشهيد حفيظ عواد ، والاستاذ محمد حيدر احمد وزوجته مفيدة ناصر الدين، والياس غانم ، وزخيا خوري والعديد من الكادر الحزبي غيرهم الذين تعرضوا لظروف قاسية بسبب ظروف الحرب الأهلية ، خاصة بعد اغتيال سامي السمراني ، ومعركة كنيسة جاج .
وقد استمر التنظيم الحزبي في جبيل ، فيما بعد ، وبات يشكل شعبة حزبية واحدة تضم كل البعثيين في جبل لبنان ، إضافة الى الذين هجرتهم الحرب الأهلية لينتقلوا من تنظيم الجبل الى تنظيم بيروت أو الضاحية الجنوبية .وقد استمرعدد من الكادر الحزبي بنضالهم في صفوف التنظيم المرتبط بالقيادة التاريخية الشرعية للحزب ،ووصل الى مواقع تنظيمية متقدمة على مستوى قيادات الشعب والفروع والقطر .
لا نجد في مناطق جبل لبنان الجنوبي والشمالي، حالة أخرى تشبه حالة بلاد جبيل فيما يتعلق بحضور فكرة العروبة وتنظيم البعث وانتشاره ابتداءً خمسينات القرن الماضي، رغم بروز محاولات متفرقة لكوادر تعرفوا على أفكار الحزب وتنظيمه خارج الجبل، وحاولوا توطين التنظيم الحزبي في بلداتهم ومحيطها، لكن الحصيلة كانت متواضعة.
يروي المحامي فايز قزي في كتابه ” من ميشال عفلق الى ميشال عون “قصة لقائه الأول بالبعث من خلال مجموعة من البعثيين الذين تعرف بهم بعد التحاقه بمدرسة الطريق الجديدة الرسمية في بيروت منتصف خمسينات القرن الماضي، ومشاركته في رحلة نظمها الحزب الى دمشق عام 1956 ” للاشتراك في تظاهرة تأييد للمعارضة الوطنية والوحدة العربية ضد الاستعمار وعملائه “( قزي، فايز، من ميشال عفلق الى ميشال عون، ص 26 ). وحماسته في المشاركة بأحداث 1958 لاقتناعه بالتفسيرات والشروحات الحزبية ” التقدمية” حول صراع ” الإقطاع المسلم مع الإقطاع المسيحي “، وتصنيف الأول ” تقدمياً والثاني رجعياً ” معتبراً أن الدعوة للانضمام الى سورية أو أي مشروع وحدوي عربي أخر هو عمل إيجابي، والتزامه بمواقف الحزب التي حملها بحماسة الى بلدته الجية في قضاء الشوف، هذه البلدة التي تنتمي الى بيئة أكثريتها الساحقة مؤيدة لكميل شمعون، حيث نشأ تنظيم بعثي مؤلف من ” مجموعة صغيرة من الشباب ” نظموا بعض التحركات السياسية المحلية التي يقول الاستاذ قزي إنها” أثارت ضده حقد زعامات متعصبة في ولائها لشمعون ” ( م.ن، ص30 ) .
وعند انتقاله في العام 1960 الى الجامعة اللبنانية، يقول الأستاذ قزي إن تجربته الحزبية نمت خاصة في نضاله مع رفاقه البعثيين للسيطرة على إتحاد الطلاب الجامعيين الذي كان يضم جميع مؤسسات التعليم العالي في لبنان، وفيه كانت ” تتلاشى نسبيا الانقسامات المذهبية والطائفية “، وقد أسهم في قيام حركة طلابية ناشطة بالإضافة الى الحركة العمالية المتنامية.
في هذه الفترة شارك في العديد من المؤتمرات الطلابية بصفته ممثلاً للاتحاد، خاصة في الجزائر وغزة، قبل أن يترك التنظيم الحزبي عام 1962، ويخرج من البعث، كما يقول، ” بإرث فكري رافقه طوال حياته ” (م.ن، ص 41)، وليتابع عمله بعد تخرجه في مكتب للمحاماة في بيروت مع البعثيين جبران مجدلاني وعصام نعمان.
وفي مكان آخر من الشوف كان انتماء الطالب فؤاد ذبيان من بلدة مزرعة الشوف الى البعث في المقاصد – صيدا قبل أن ينقل أفكار البعث ومواقفه الى محيطه الاجتماعي.
يقول الدكتور مصطفى دندشلي إن ذبيان أقسم يمين الانتماء الى البعث على يديه في كلية المقاصد-صيدا حين كان طالباً يتابع الدراسة فيها، وإنه بعد ذلك ذهب أي دندشلي برفقة بعض الأصدقاء في أحد أيام العطلة لزيارة ذبيان في بلدته مزرعة الشوف، برفقة بعض الأصدقاء، ليجدوا هناك جمعاً من آل ذبيان وأهالي البلدة الذين رحبوا بهم ترحيبا كبيراً الى حد جعل الدكتور دندشلي، كما يقول، يشعر بجو عرس حقيقي، بعد قيامه، ولأول مرة بالطريقة التقليدية، بتنسيب أحد الأعضاء الجدد الى حزب البعث في خلوة بينهما تلاها هذا الاحتفال الجميل.(مقابلة مع د. مصطفى دندشلي بتاريخ 24 ايار 1987 اجراها جمال الحسن ومنشورة على الشبكة العنكبوتية ).
وقد أصبح الأستاذ ذبيان فيما بعد من الشخصيات اللامعة في الجبل، حيث تولى مواقع هامة في إدارات الدولة، ولكن من باب أولى كتربوي كبير، تميز بعمله على تأسيس مدرسة جريا على التقليد الذي شكل مايشبه الشغف لدى البعثيين كما كان حال محمد حرب في بعلبك ومنصور هنود في بلاد جبيل. اسس الأستاذ ذبيان الليسيه ناسيونال التي ضمت في البداية سبعين تلميذا في مبنى مستأجر في شارع بشارة الخوري في بيروت في مطلع السبعينات، وتطورت عاماً دراسياً بعد الآخر، قبل أن يضطر لنقلها الى بلدته مزرعة الشوف بسبب الحرب الأهلية لتصبح فيما بعد واحدة من أشهر المدارس الخاصة بفروعها المتعددة في بيروت والجبل والجنوب التي قدمت تعليما متميزا لآلاف الطلاب اللبنانين في أجواء تربوية أكاديمية راقية واهتمام خاص بالتنوع والانفتاح الوطني. واذا كانت خيارات الاستاذ ذبيان التربوية اضافة الى الموقع الوظيفي في إحدى إدارات الدولة اللبنانية قد ابعدته عن الالتزام والنشاط الحزبيين، خاصة بعد الأزمات التي عصفت بالتنظيم منذ المؤتمر القومي الخامس المنعقد عام 1962، فإن تاريخه النضالي وسيرته الحزبية ظلت موضع احترام وتقدير بالنسبة للبعثيين الذين عرفوه عن قرب.
أما في إقليم الخروب الذي يقع على الأطراف الجنوبية لجبل لبنان ، فقد كانت بداية التنظيم الحزبي مع الكادر الأول الذي اتيح له التعرف الى البعث وأفكاره من خلال الصلة الجغرافية والاجتماعية لأبناء الإقليم مع صيدا وبيروت .والأبرز من بينهم زيد الحجار ، وشفيق الحجار ، وكادر من ال شعبان كان مسؤولاً عن خلية البعثيين في دار المعلمين في بيروت ، والمحامي عز الدين عويدات الذي شغل موقعاً قيادياً على صعيد شعبة الإقليم حتى ما بعد نهاية الألفية الثانية .
وقد نما التنظيم وانتشر في مختلف بلدات إقليم الخروب وبات له حضوره الوازن في العمل الوطني في ستينات وسبعينات القرن العشرين ، فيما بعد ليشكل الجناح الجنوبي لشعبة الجبل التي شكلت بلاد جبيل جناحها الجنوبي ، إضافة الى عدد قليل من الكادر والحلقات الحزبية في الشوف وعاليه والمتن .
بالاضافة الى ذلك ، نجد في الجهة الشمالية من جبل لبنان نموذجاً أخر من أوائل البعثيين في لبنان، هوأبن بلدة حامات السفير جهاد كرم الذي بدأت صلته بالبعث في أواخر خمسينات القرن الماضي ،عندما كان طالبا في كلية لآداب في الجامعة الأميركية في بيروت، وقد فصل القول في تجربته الحزية الغنية، في كتابه ” حديث الذكريات”، وفيه عرض واف لواقع التنظيم البعثي في الجامعة الذي كان يتبع لإحدى شعبتي التنظيم الحزبي في بيروت، إضافة للدور القيادي على صعيد لبنان.
-التنظيم الحزبي في بيروت: الجامعة الأميركية، والمدارس والأحياء الشعبية:
بدأ التنظيم الحزبي في الجامعة الأميركية في بيروت مبكراً، ليبلغ مستوى الفرع المكون من شعبيتن ، على صعيد بيروت ،في منتصف خمسينات القرن الماضي. كان تنظيم الجامعة الأميركية تابعاً للشعبة الغربية من بيروت، والبعثيون في هذا التنظيم كانوا من الطلاب العرب،وأبرزهم:سعدون حمادي من العراق، وعلى فخرو من البحرين، وجمال الشاعر من الأردن.
هذه البداية المبكرة للتنظيم تعود الى العام 1949. يذكر الدكتور سعدون حمادي أنه في هذا التاريخ تعرف على أفكار البعث، وانتسب الى تنظيمه وكان طالباً في سنته الجامعية الثانية. تم ذلك عن طريق زميله حمد الكرابولي ،السياسي والأكاديمي العراقي الذي انضم الى البعث في مرحلة التأسيس، ومنه حصل على نسخة من دستور البعث الذي أقره المؤتمر التأسيسي للحزب عن طريق شاب من سوريا هو حسام الدين اللحام. ( أوراق سعدون حمادي، ص 35 ).ويقول إنه اطلع عليه وأعجب به ووافق على الانتساب للحزب ليصبح عضواً فيه في النصف الثاني من العام 1949.
في تلك الفترة، كما يذكر الدكتور حمادي، كان التنظيم في الجامعة الأميركية في بيروت ” في مستوى فرقة “، وكان المسؤول ” هو الدكتور جمال الشاعر”. وكان البعثيون يمثلون الفئة الأكبر في الاتجاه القومي العربي في الجامعة، وكانت جريدة ” البعث ” الأسبوعية التي يكتب فيها ميشال عفلق ” مصدر الثقافة”.
كان الصراع محتدماً في الجامعة بين الشيوعيين والقوميين العرب للسيطرة على جعية ” العروة الوثقى “، ذات الاتجاه القومي والناشطة جداً بين الطلاب. استطاع الطالب سعدون حمادي الفوز بالانتخابات ليغدو عضواً في الهيئة الإدارية للعروة الوثقى، ورئيساً لتحرير مجلتها في العام 1952. ( م. ن، ص 52 ). في هذا العام انطلق التنظيم الحزبي على صعيد لبنان بعد تنظيم اول اجتماع لمسؤولي المناطق “في شكل مؤتمر قطري” في البيت الذي كان يشغل فيه سعدون حمادي غرفة في بيروت.
حصل ذلك بعد المهرجان الذي تم تنظيمه بمناسبة عيد الشهداء في صيدا،والذي اعتبر بمثابة الانطلاقة الفعلية للتنظيم على مستوى لبنان،ويؤكد الدكتور حمادي الذي كان من أبرز خطباء هذا المهرجان أنه كان، في ذلك الحين، المسؤول الأول عن التنظيم على صعيد لبنان.
غادر الطالب سعدون حمادي لبنان بعد إكمال الدراسة والتعرض للتوقيف أياماً بسبب نشاطات حزبية مناوئة لديكتاتورية الشيشكلي في سوريا، والحكم عليه بالسجن غيابياً لمدة ستة اشهر، ولكنه كان قد تخرج وغادر لبنان.
هذا التفاعل الفكري والنضالي بين الطلاب العرب، الذين كانوا يمضون فترة الدراسة في الجامعة قبل العودة الى أقطارهم ،عاشته نخبة من الطلاب اللبنانيين الذين انتسبوا الى البعث في الجامعة، وكانوا بمثابة الكادر الأول الذي لعب دورا قياديا هاما على صعيد لبنان ومنهم : نقولا الفرزلي وجهاد كرم وليلى بقسماطي وخالد لطفي وباسل عطالله وعصام نعمان. أما الأقدم من بين الطلاب اللبنانيين، فكان محمد عطالله الطالب في كلية الاقتصاد الذي كان بمثابة المسؤول الأول عن التنظيم الحزبي في صيدا ،وعدنان سنو الطالب في كلية الطب الذي اصبح فيما بعد عضوا في قيادة فرع بيروت، وعضوا احتياطياً في القيادة القطرية وكان له حضوره الحزبي والاجتماعي المميز في بيروت حتى تاريخ اغتياله في أوائل ثمانينات القرن الماضي على يد العصابات المذهبية التي كانت تنفذ خطة اجتثاث البعث من لبنان، ومن بعده كل القوى الوطنية التي تشكلت منها الحركة الوطنية،بتخطيط ومتابعة ورعاية من النظام السوري ، في مرحلة تحولات إقليمية اخذت طابعاً مذهبياً بلغ مداه الأقصى بعد الاجتياح الصهيوني الذي اخرج منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان، وغير المعادلات السياسية بالاتجاه الذي يعزز حضور القوى التي تخدم مصلحته في إضعاف المناعة الوطنية والقومية وتأجيج الصراعات الطائفية والمذهبية.
يذكر المحامي محمود بيضون الذي كان قد انتسب للبعث في بنت جبيل انه ، بعد انتقاله الى بيروت لإكمال الدراسة ، انتظم في خلية حزبية واقسم يمين الانتساب الى الحزب في بيروت في منزل الدكتور عدنان سنو الذي كان يشغل موقعاً قياديا في شعبة بيروت .(محمود بيضون، من حنايا الذاكرة ، ص 17 ) ،وقد عاد المحامي بيضون الى تنظيم الجنوب ليصبح عضوا في قيادة الفرع ، حاله كحال عدد كبير من كوادر البعث الذين اكتسبوا خبرة حزبية وتنظيمية في فرع بيروت أثناء متابعة الدراسة قبل أن يعودوا الى مناطقهم ليسهموا في دفع مسيرة العمل التنظيمي والنضالي .
تطور التنظيم الحزبي في الجامعة الأميركية ليصبح مكوناً من فرقتين حزبيتين ضمت بعثيين من لبنان والأقطار العربية، ومن بين اللبنانيين الذين أصبحوا أعضاء في قيادة الفرقة جهاد كرم الذي يذكر من بين أعضاء أول حلقة حزبية انضم اليها: عصام نعمان وفتحي الجشي وعدنان درباس.
في الفترة مابين بداية خمسينات القرن الماضي وبداية الستينات ( حتى ما قبل المؤتمر القومي الخامس الذي انعقد عام 1962 ) بات التنظيم الحزبي في الجامعة مكوناً من فرقتين إحداهما لبنانية تولت أمانة سرها الطالبة في كلية التربية ليلى بقسماطي ثم خالد لطفي . وفرقة فلسطينية تولى امانة سرها الطالب عبد الوهاب الكيالي الذي تدرج في المواقع الحزبية وصولاً الى القيادة القومية، وكان له حضور متميز على المستوى الفكري والثقافة الموسوعية .وكان للمؤسسة العربية للدراسات والنشر التي اسسها في بيروت دورا هاما في نشر الفكر التنويري العربي بمختلف اتجاهاته السياسية والأدبية والعلمية، لذلك ما كان غريبا أن يكون اسمه على لوائح الاغتيال عند القوى الظلامية التي بادرت الى جريمتها في تلك الحقبة المظلمة التي حاولت فيها اجتثاث البعث من لبنان أوائل ثمانينات القرن الماضي.
ما ينبغي ملاحظته، والتنويه به، فيما يتعلق بالكادر البعثي الذي التزم بالتنظيم الحزبي في الجامعة الأميركية أن معظمهم استمر بالتزامه خط الشرعية التاريخية للحزب بعد مضي وقت طويل على التخرج، رغم الأزمات العاصفة التي عاشها التنظيم بدء من المؤتمر القومي الخامس ؛ فجهاد كرم استمر في هذا الاتجاه وتسنم مواقع قيادية في فرع بيروت ثم القيادة القطرية، واستمر في نشاطه الحزبي حتى أوائل السبعينات حيث تم تعينه سفيراً للعراق في البرازيل. وبعد تقاعده من عمله الدبلوماسي حافظ على علاقته بالقيادة الحزبية، فاستقبل وحضر اجتماعاً في منزله في حامات في السنوات الأولى من بداية الألفية الثالثة، لمناقشة كيف يعود التنظيم الحزبي للنضال متجاوزاً قيود السرية الصارمة التي حكمت عمله في المرحلة السابقة. وكان حاضراً في المؤتمر القطري الذي عقد في طرابلس في العام 2005 برئاسة الدكتور عبد المجيد الرافعي، وحافظ على العلاقة مع القيادة الحزبية حتى أيامه الأخيرة. ونقولا الفرزلي الذي لعب الدور الأساسي في تأسيس التنظيم الحزبي في البقاع الغربي، تدرج في المواقع الحزبية في لبنان وصولاً الى أمانة سر القطر في ستينات القرن الماضي، والى القيادة القومية .وكانت صلته وثيقة للغاية بالاستاذ ميشال عفلق منذ حضوره الأول الى لبنان بداية خمسينات القرن الماضي ثم عودته المتكرر اليه . وبعد مغادرة الاستاذ عفلق الى البرازيل بعد ردة 23 شباط، ظلت صلة الاستاذ عفلق بالأستاذ نقولا ومن خلاله بالحزب دائمة ، كما يؤكد جهاد كرم ( حديث الذكريات ، ص125 ) ، ولهذا السبب لعب ألاستاذ نقولا دوراً محوريا في المؤتمر القومي التاسع الذي نال رضا الأستاذ عفلق رغم عدم حضوره فيه . وكذلك استمرت هذه الصلة وثيقة للغاية بعد عودة الاستاذ من البرازيل وصولاً الى إقامته في بغداد وباريس حتى وفاه الأجل في العام 1989. وليلى بقسماطي التي تركت أمانة سر الفرقة في الجامعة الأميركية للتفرغ لمهام تنظيمية أعلى على مستوى القطر شاركت في مؤتمرات الحزب القطرية والقومية. وتولت لفترة طويلة أمانة سر فرع الشمال، والمكتب النسائي القطري وكانت أخر مشاركاتها التنظيمية في المؤتمر القطري الذي عقد في طرابلس عام 2011.وباسل عطالله الذي اصبح بعد التخرج طبيب قلب لامعا حافظ على علاقة ودية مع التنظيم حتى أيامه الأخيرة وكانت له مشاركات هامة على مستوى العمل الوطني بالتنسيق مع الراحل ظافر المقدم الذي اصبح مسؤولاً عن مكتب العلاقات الوطنية بعد انتخابه عضوا في القيادة القطرية في مؤتمر العام 2005.والأخرون في معظمهم استمرت علاقتهم بالتنظيم حتى بداية الثمانينات حيث باتت هذه العلاقة خطرة الى درجة تهديد الحياة، ناهيك عن المصالح الشخصية.
أما القيادة القطرية للحزب التي كانت تجتمع أسبوعياً في مقر جريدة الحزب الرسمية ” الصحافة “، في محلة الناصرة فقد تشكلت من: جبران مجدلاني، وعبد الوهاب شميطلي والدكتور على جابر، وغالب ياغي، إضافة الى الدكتور عبد المجيد الرافعي.وكان الفلسطيني خالد اليشرطي عضوا فيها يتولى مسؤولية التنظيم الفلسطيني للبعثيين.
كان التنظيم الحزبي في الجامعة الأميركية، كما ذكرنا سابقاً تابعاً من الناحية التنظيمية لشعبة بيروت الغربية، لذلك لم ينحصر نشاط الكادر الحزبي بالجامعة وكان له دور هام في نشر التنظيم ومتابعته على صعيد العاصمة وضواحيها؛ في هذا الإطار يذكر السفير جهاد كرم أنه كان مسؤولاً عن حلقتي أنصار في برج حمود، معظم أعضائهما ” من العمال الفاعلين في صناعة الأحذية ” (جهاد كرم، حديث الذكريات، ص 60) ، وقد استلم هاتين الحلقتين من عفيف شميطلي الذ كان طالباً في كلية الطب في جامعة القديس يوسف، وكان في ذلك الحين ” من البعثيين المعروفين في بيروت ” (م. ن، ص 60). ويذكر أيضاً أنه انتخب عضوا في قيادة فرع بيروت للدورة الحزبية 1961-1962 لينضم الى أبرز الكوادر الحزبية في هذه الفترة: فؤاد ذبيان وطلال شرارة ومحمد سويد ( م.ن، ص 63 ).
كذلك يذكر السفير كرم بعض نشاطات البعثيين في الجامعة التي تركت صدى كبيراً على الصعيد الوطني ؛ومنها تنظم مظاهرة تأييد لثورة الجزائر أزعجت إدارة الجامعة بسبب ارتباطاتها المعروفة، فقامت بفصل خمسة عشر طالباً من الجامعة كان من بينهم ثمانية بعثثيين، الأمر الذي استدعى اضراب الطلاب والتدخل السياسي على مستوى عال بعد تولي صائب سلام لرئاسة الحكومة واعتراضه على فصل الطلاب، فاسهم موقفه المتضافر مع إضراب الطلاب في الجامعة في إلغاء قرار الفصل.
في هذه الفترة كان العمل النضالي منسقا ًداخل الجامعة وخارجها من خلال قيادة الشعبة التي يذكر السفير كرم، من بين أعضائها عبد الكريم الخليل الذي انتسب الى البعث عندما كان طالبا في الجامعة اللبنانية، واصبح فيما بعد صاحب مجلة إقتصادية معروفة هي ” المؤشر” وعضواً في مجلس نقابة الصحافة. وهو من الذين تركوا التنظيم بعد تصاعد الأزمات الحزبية منذ بداية الستينات. ( م. ن، ص 71 ).
انتشر التنظيم الحزبي في بيروت وبشكل خاص في المدارس ودار المعلمين والاحياء الشعبية، وبرز من بين الذين لعبوا دوراً في ذلك إضافة لمن ذكروا سابقا: إنعام الجندي وبشير الداعوق.
اوفدت قيادة البعث في دمشق المدرس إنعام الجندي بين عامي 1951 و1952 “لنشر المبادىء البعثية في لبنان ” ( البعث من المدارس الى الثكنات، ص 8 )، وقد استطاع بحكم مهنته أن ينظم العديد من الحلقات الحزبية من بين الطلاب الذين كان يدرسهم في أكثر من مدرسة،ومن بينها إعدادية الجامعة الأميركية حيث كان محمد عطالله من بين الطلاب الذين تحلقوا حوله، والمعهد الثانوي في رأس النبع حيث تاثر به محمد حرب الذي كان قد انتقل من البقاع لمتابعة دراسته في بيروت”،وكان يستحوذ منه على المنشورات الحزبية والكتب ” ( عبالله حرب، م.س، ص 42 ).
لم يقتصر الدور الذي لعبه إنعام الجندي على الجانب التنظيمي فقط، فبالإضافة إليه كان له دور في عملية التثقيف الحزبي في كل الفروع الحزبية ؛ ففي فرع الجنوب، ونظراً لعلاقته بمحمد عطالله المنتسب حديثا للتنظيم والذي كان المسؤول الأول عن تنظيم صيدا، كان من الطبيعي أن يتابع انعام الجندي عملية التثقيف الحزبي هناك ويؤمن مستلزماتها. وهناك شهادات أخرى من فرع الشمال تبين أنه كان يقوم بهذا الدور التثقيفي نفسه، إضافة لما ذكرناه عن علاقته بمحمد حرب الذي أصبح بعد عودته الى البقاع من بيروت من أبرز كوادر البعث في البقاع الشمالي.
ومن بين المدارس التي انتشر فيها تنظيم البعث أيضاً مدرسة الطريق الجديدة الرسمية في بيروت التي يذكر المحامي فايز قزي، كما ورد سابقاً أن ” لقاءه الأول بالبعث “كان من خلال مجموعة من الطلاب البعثيين المنسبين للتنظيم الحزبي ” الذين تعرف بهم بعد التحاقه بهذه المدرسة في منتصف خمسينات القرن الماضي.
أما بشير الداعوق فقد انتسب الى تنظيم البعث في منتصف خمسينات القرن الماضي حين كان يتابع الدراسة في أميركا،بعدما تعرف على سعدون حمادي ( أوراق سعدون حمادي ، ص 44)، الذي انتقل من بيروت ، بعد حصوله على البكالوريوس في الإقتصاد من الجامعة الأميركية ،الى الولايات المتحدة لإكمال الدراسات العليا بعد حصوله على منحة دراسية من الدولة العراقية.
وبعد اكماله الدراسة عاد الدكتور بشير الداعوق الى بيروت ليصبح من كوادر الحزب الأساسية في التنظيم الحزبي.
يذكر الأستاذ حسين الضناوي أنه عندما برزت أزمة في التنظيم الحزبي بعد الوحدة المصرية – السورية وقرار قيادة الحزب بحل تنظيمه في سوريا ومصر استجابة للشرط الذي وضعه عبد الناصر لقيام الوحدة، نشأ صراع حزبي كان محوره ” سؤال استراتيجي: هل ينبغي تشكيل قيادة قومية للحزب تضم التنظيمات الحزبية خارج الجمهورية العربية المتحدة، ويكون موقف هذه القيادة وفروع الحزب على علاقة جيدة مع قيادة عبد الناصر أم أنه لا بد من أن تتحول التنظيمات الحزبية في الوطن العربي لتكون حزب عبد الناصر وبالتالي لا مبرر لوجود قيادة حزبية مستقلة ؟ “(حسين ضناوي، قصة تروى ص 97 )
كان التنظيمي اللبناني مع الاتجاه الأول في الاجتماعات العاصفة التي حضرها الأستاذ الضناوي مع الدكتور عبد المجيد الرافعي كممثلين لفرع الشمال، وهذه الاجتماعات تمت ” في قصر الداعوق بجانب الجامعة الأميركية لأن الدكتور بشير الداعوق عضو قيادة لبنان، كان قد قدم القصر لعقد المؤتمر فيه.
وقد استمر الدكتور بشير ملتزما بخط الشرعية الحزبية في القسم الأكبر من حياته الحزبية،وناشطا في العمل الحزبي التنظيمي عامة والفكري والثقافي خاصة. فقد كان عضواً في آخر قيادة قطرية منتخبة قبل العام 2000، وكان له حضوره الفكري والثقافي المميز من خلال “دار الطليعة ” التي نشرت معظم الكتابات الحزبية إضافة الى المنشورات الأخرى في مختلف ميادين الفكر والثقافة، والتي تعرض بسبب بعضها للمحاكمة نظرا لجرأتها في النقد وسقف الحرية والعقلانية العالي فيها. إضافة الى ” دراسات عربية ” المجلة الفكرية التي اصدرتها هذه الدار التي يملكها ويشرف على منشوراتها الدكتور بشير والتي استقطبت أبحاثاً ودراسات لأهم الباحثين والمفكرين العرب وكان لها اثر بالغ على الصعيدين الفكري والأكاديمي.
إضافة الى المدارس والجامعات كان لتنظيم البعث حضوره في دار المعلمين في بئر حسن وهي كانت الدار الوحيدة في لبنان التي يتم فيها إعداد المعلمين للتدريس في التعليم الرسمي للمرحلتين الابتدائية والمتوسطة. في هذه الدار انتظم الأستاذ حسن خليل غريب الآتي من بلدة دبين الجنوبية مع زميله الفنان عبد الحميد البعلبكي الآتي من بلدة العديسة وزملاء أخرين من مناطق لبنانية مختلفة في خلية حزبية للأنصار تولى مسؤوليتها حزبي من آل شعبان من بلدة شحيم في الشوف، واستمرت هذه الحلقة التي تعقد اسبوعيا بانتظام ليتم اعداد أفرادها للقسم الحزبي واكتساب العضوية في جلسة قسم ترأسها عضو قيادة الشعبة في بيروت في ذلك الحين رجاء شرارة.
وفي بيروت التقى الاستاذ غريب بالبعثي هاني شعيب الآتي من بلدة الشرقية قضاء النبطية الذي كان قد انتظم حزبيا مقتديا بشقيقه الأكبر سعيد شعيب. كان لقاؤهم بفعل النشاطات الحزبية كتوزيع المنشورات بشكل سري، حيث يتولى البعض المراقبة والبعض الآخر التوزيع أو في الندوات الحزبية والمهرجانات، ومنها مهرجان حاشد في برج البراجنة الواقعة في ضاحية بيروت الجنوبية كان الحضور الأكبر للحزبيين فيه من الجنوب والبقاع، وكان الخطيب الحزبي الأساسي فيه القيادي خالد العلي. ( من مقابلة مع الأستاذ غريب بتاريخ 26-07-2026 ).
انتشر التنظيم الحزبي بشكل واسع في ضاحية بيروت الجنوبية عموماً ، وبرج البراجنة خصوصاً وبات له حضور وازن في بعض العائلات ومن ابرز الذين انتسبوا للحزب ونشطوا فيه منذ منتصف الخمسينات راضي فرحات الذي تعرف الى البعث عندما كان يعمل في الكويت ، ودفعته حماسته للقضايا العربية للعودة والانخراط في النضال في الوساط الشعبية والعمالية في ضاحية بيروت الجنوبية مع العديد من الكوادر الحزبيين من عائلات الضاحية المعروفة ، وتدرج في المواقع التنظيمية وصولاً الى نائب أمين سر القطر ، وقد اعيد انتخابه في هذا الموقع الحزبي في المؤتمر المنعقد في طرابلس في العام 2005 بعد عودته من بغداد التي تهجر اليها مع أمين سر القطر بعد حملة الاغتيالات والاعتقالات التي كانت تديرها أجهزة أمن النظام السوري والتنظيمات المتطرفة المتعاونة معها.
عاد معظم الأساتذة الذين انتظموا حزبيا في بيروت ،الى بلداتهم ليتدرجوا في المواقع الحزبية المتقدمة حيث شغلوا مواقع في قيادة الفرع والقيادة القطرية والمؤتمرات القطرية والقومية، وبادروا الى نضالات عرضتهم للملاحقة والاعتقال في سجون النظام السوري،بعد تهجيرهم من الجنوب بسبب الاجتياح الإسرائيلي وما ترتب عليه من تضحيات قدموها، وتولي الأستاذ غريب المسؤولية عن بعض اعمال المقاومة الوطنية مع رفيقه ظافر المقدم.كذلك تميز بموقعه المميز على المستويين الفكري والسياسي من خلال عمله في الإعلام الحزبي وكتبه ومقالاته التي تميزت بالتزامها بالثوابت الفكرية للحزب وقراءتها بروح العقلانية النقدية.وكانت له مساهماته القيمة في أعمال المؤتمر القومي الثالث عشر الذي انعقد في الشهر الأول من العام 2026.
مثلما كان للبعث حضوره المميز في المدارس والجامعات، فكذلك كان حاضراً في الأحياء الشعبية ؛فالسفير جهاد كرم كان يدير حلقات حزبية للعمال في برج حمود كما ذكرنا سابقاً، وإبن البسطة عبد الحفيظ الدويري حول مع إخوته الغرف العشرين في ” نزل الأندلسي ” في ساحة البرج الى ملتقى للمناضلين من كل أنحاء الوطن العربي، كما حول والده من قبل منزله في بيروت الى مخزن أسلحة لجيش الإنقاذ بعد اغتصاب فلسطين عام 1948. وبعد أن سافر الدويري برفقة زوجته المناضلة وفيقة منصور الى الكونغو واصلا عملهما في تنظيم خلايا بعثية،في طار نضالهما القومي الثابت والمستمر.
وعبد الحفيظ هو شقيق محمد خير الدويري .يذكر الشاعر الخيامي عصام العبدالله الذي كان صديقا لعبد الحفيظ ورفيقا له في البعث أنه إضافة لعبد الحفيظ كان يعرف شقيقه محمد خير الذي كان قيادياً في الحزب . ( جريدة الأخبار ، عدد 27 تموز 2017 ). نشط الدويري المحامي والسياسي البيروتي في تنظيم البعث منذ دراسته الجامعية قبل أن يصبح قيادياً بارزا في أوائل الستينات حيث تولى أمانة سر القطر خلال واحدة من أقسى مراحل الصراعات والإنقسامات الحزبية في بداية ستينات القرن الماضي .
ومن النماذج الحزبية التي عملت في بيروت في خمسينات القرن الماضي الأستاذ احمد يحيي الذي انتسب الى البعث في الجنوب عام 1953 قبل أن ينتقل الى بيروت عام 1956 لإكمال الدراسة، ليعود بعدها لمتابعة عمله الحزبي ويشارك في المقاومة الشعبية للعدو الصهيوني مع الشهيد “أبو علي حلاوي” بطل كفركلا، و”أبناء شرف الدين” من أبطال الطيبة في المقاومة الشعبية.
هذه العينة من الحزبيين من بيروت والمناطق تشبه العاصمة وتنوعها وقبولها لمختلف التيارات السياسية، واختلافها في ذلك الى حد كبير عن جبل لبنان.
وقد ظل التنظيم البعثي في بيروت على مدى تاريخه منذ بداية خمسينات القرن الماضي حاضناً لهذا التنوع العابر لكل العصبيات الطائفية والمناطقية، وظل للبعث حضوره في النضال الطلابي والشعبي وفي الإعلام والفكر والنشر، خاصة في الفترة التي أصبح فيها أحد الأعمدة الرئيسية للحركة الوطنية التي تشكلت من تحالف الاتجاهين اليساريين القومي العروبي من جهة والماركسي من جهة أخرى.
في بداية الستينات وعلى أعتاب المؤتمر القومي الخامس دخل جيل جديد من الشباب كان من بينهم رغيد الصلح وعماد شبارو وفواز طرابلسي ، والفضل شلق إضافة الى بشارة مرهج ومعن بشور بعد تجربة لبعضهم في حركة القوميين كما يؤكد خالد لطفي الذي كان في ذلك الحين امين سر فرقة في الجامعة الأميركية في بيروت. بعد انعقاد المؤتمر حصل التصدع الكبير في الجسم التنظيمي للحزب الذي ترك تداعياته على موقع الحزب وأهمية دوره في لبنان ، فاستمر بعض الكوادر في التنظيم وغادر آخرون متأثرين بالاتجاهات الناصرية أو بالنزعات الماركسية التي استهوت الشباب العروبيين بعثيين وغير بعثيين فذهبوا في اتجاهات تنظيمية بعيدة عن الخط التاريخي للحزب المرتبط بالواقع الحي للأمة الذي اختطه الأستاذ عفلق ورفاقه ، وهذا ما سنخصص له لقسم الثاني من بحثنا.بعد التوقف في حلقة اخيرة من هذا القسم الأول عند أبرز ما تميز به نضال البعث في لبنان منذ نشأته حتى العام 1962.
– ملاحظة : نظرا لندرة المراجع التي توثق لهذه المرحلة نرحب بأية ملاحظات تضيف أو تصوب ما ذهبنا اليه وتفيد في الإضاءة على هذه المرحلة الهامة من تاريخ البعث والأمة العربية .
مراجع البحث:
– حوراني، ألبرت. الفكر العربي في عصر النهضة، دار النهار للنشر، بيروت.
– طرابلسي فواز. تاريخ لبنان من الإمارة الى اتفاق الطائف.
– زريق، قسطنطين، المؤلفات الكاملة، مركز دراسات الوحدة العربية.
– حمادي، سعدون. أوراق سعدون حمادي، ج1 ،المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ط1، بيروت 2022.
– كرم، جهاد. حديث الذكريات، رياض الريس للنشر ، ك2 2009 .
– ضناوي حسين.قصىة تروى، دار البلاد الشمال 2018.
– حرب،عبدالله. محمد حرب قيادي مقاوم ، الناشر :المؤلف 2016.
– سلامة إبراهيم. البعث من المدارس الى الثكنات، ملحق النهار العدد 25 -18 -3-1969.
– بيضون ، محمود . من حنايا الذاكرة ، ط1 ، الناشر : المؤلف ،بيروت 2016 .
– مقابلة مع المحامي خالد لطفي، ومقابلة مع الدكتور مصطفى دندشلي نشرهما مركز صيدا للآبحاث والتوثيق.
See less


