التحدّي الإستراتيجي أمام العقيدة الأمنية الإسرائيلية الجديدة

التحدّي الإستراتيجي أمام العقيدة الأمنية الإسرائيلية الجديدة
ستكون الخطة الأميركية لتفكيك حماس بمثابة اختبار لمعرفة ما إذا كانت العقيدة الأمنية الجديدة القائمة على المنع المبكر، والسيطرة على الحيّز، وحرية العمل المستمرة قادرة أيضاً على إنتاج تسوية مستقرة، أم أنها ستُبقي إسرائيل في مواجهة ممتدة.
أورد كاتب هذه السطور، الأسبوع الماضي، أن من بين التحديّات الماثلة أمام العقيدة الأمنية الجديدة، التي تتراكم يوماً بعد يوم مؤشرات إلى أن إسرائيل قد تبنتها بعد 7 تشرين الأول/ أكتوبر (2023)، تحدّياً إستراتيجياً بالإضافة إلى آخريْن؛ هما الاستنزاف والتحدّي الاقتصادي، ومؤداه أن في وسع القوة العسكرية إبعاد التهديد، واستنزاف قدرات الخصم، وإيجاد حيّز أمني، لكنها لا تنتج بالضرورة نظاماً سياسياً مستقراً. وبناء على هذا، يؤكد أغلب المحللين ومراكز الأبحاث أن إسرائيل يمكن لها أن تواصل تحديد ما باتت تعرف باسم “مناطق أمنية عازلة”، وتنفيذ عمليات توغّل، وعمليات إحباط، وضربات استباقية متكرّرة، والحفاظ على حرية عملها حتى بعد وقف إطلاق النار، ولكن ذلك كله لن يكون أكثر من تفوّق تكتيكي، ومن دون ترجمته إلى ترتيبات سياسية مستقرة لن تُحلّ المشكلة من جذورها.
وأبرز مثال على ذلك حتى الوقت الحالي هو إيران، فقد تكون لدى إسرائيل والولايات المتحدة قوة حقيقية بوسعها إعادتها إلى الوراء من حيث القدرات النووية والصاروخية، لكن من دون آلية تسوية موثوقة، قد تعود إلى تهديد إسرائيل خلال بضعة أعوام. ومن شأن مثل هذا السيناريو أن يُبقي إسرائيل في مواجهة مستمرة، مع نشوء حاجة إلى جولات متكرّرة من الضربات.
ولعلّ من آخر الخلاصات في هذا الشأن التي توصل إليها وزير الخارجية الإسرائيلي السابق، شلومو بن عامي، بعد أن نوّه بأن الحرب ضد إيران هذا العام ستُذكر في التاريخ باعتبارها “الهزيمة الإستراتيجية الأكثر صدى لقوتيْن عسكريتيْن، الولايات المتحدة وإسرائيل، أمام عدو أدنى منهما قوة”، وأكد فيها أن الحرب وسّعت أيضاً خطر الانتشار النووي ليشمل الشرق الأوسط، وبدلاً من أن تقضي على الخطر النووي، ربما تدفع إيران إلى السعي الحثيث نحو امتلاك السلاح النووي، ويمكن أن تشجع السعودية وتركيا ومصر ودولاً أخرى على دخول المسار النووي، ما يؤدي إلى سباق تسلّح نووي إقليمي واسع النطاق.
ولا يزال قطاع غزة جزءاً من الصورة العامة، وثمة تقديرات بأنه مع تخفيف كثافة الحملة ضد إيران، ستتجه إسرائيل إلى تطبيق العقيدة الأمنية نفسها في غزة. وكان وزير الأمن الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، أقام بالفعل رابطاً مباشراً بين الساحات، عندما قال إن جنوبي لبنان سيُعالج وفق نموذج رفح وبيت حانون، أي إن غزة تُستخدم بالفعل نموذجاً عملياتياً للبنان، ولذلك عندما تتفرغ إسرائيل لذلك فقد تطبّق النموذج نفسه بصورة أوسع في القطاع.
غير أنه حتى في قطاع غزّة، كما أكد أكثر من مركز أبحاث إسرائيلي لشؤون الأمن القومي، فإنه من دون آلية تسوية موثوقة تمنع إعادة بناء القدرات العسكرية والسلطوية لحركة حماس، قد تجد إسرائيل نفسها بعد أعوام قليلة في مواجهة “تهديد متجدّد”. ومن هذا المنطلق، ستكون الخطة الأميركية لتفكيك حماس بمثابة اختبار لمعرفة ما إذا كانت العقيدة الأمنية الجديدة القائمة على المنع المبكر، والسيطرة على الحيّز، وحرية العمل المستمرة قادرة أيضاً على إنتاج تسوية مستقرة، أم أنها ستُبقي إسرائيل في مواجهة ممتدة، مع الحاجة إلى عمليات توغل، وعمليات إحباط، وجولات قتال متكرّرة.
ما يلمّح له رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، وأبواقه حيال كل ما تقدّم هو التمسّك بخيار الحرب. وبرأي مستشار نتنياهو السابق لشؤون الأمن القومي، مئير بن شبات، ينطوي خيار مواصلة الحرب على أثمان ليست بسيطة، لكن ينبغي عدم التعامل معها بمعزل عن سياقها، وإنما مقارنتها بالأثمان التي قد تدفعها إسرائيل في ظل أي بديل آخر يُبقي الخصم واقفاً على قدميه. وبرأيه، لا حاجة إلى الغوص بعيداً في ذكريات الماضي لفهم تداعيات إبرام صفقة مع خصم مصمم لم يُهزم بعد؛ فالعودة السريعة لحزب الله إلى القتال ضد إسرائيل، إلى جانب منظومة المراوغة والتحدي التي تديرها إيران في مواجهة إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب حالياً، تقدّمان مثالاً حديثاً على ذلك.


