مقالات

 التطرف باسم الله والتطرف باسم الحرية وجهان لأزمة واحدة. بقلم زكريا نمر -السودان –

بقلم زكريا نمر -السودان -

 التطرف باسم الله والتطرف باسم الحرية وجهان لأزمة واحدة.
بقلم زكريا نمر -السودان –
نقد الفكر الديني المتطرف ضرورة سياسية وفكرية، خصوصا عندما يتحول الدين من مجال للاعتقاد والممارسة إلى أداة لفرض الوصاية على المجتمع، أو لتبرير العنف والإقصاء والتمييز. لكن نقد التطرف يحتاج إلى قدر من الموضوعية حتى لا يتحول هو نفسه إلى أيديولوجيا مغلقة تعيد إنتاج المشكلة التي يدعي مواجهتها.التطرف لا يعني مجرد التشدد في المعتقد أو اختلاف تفسير النصوص الدينية، وإنما يظهر عندما تتحول القناعة إلى مشروع لفرض الرؤية على الآخرين، أو عندما يصبح المختلف عدوا، ويصبح استخدام القوة أو الإكراه مقبولا لتحقيق غاية دينية أو سياسية. لذلك ينبغي أن يكون النقد موجها إلى الأفكار والممارسات التي تنتج العنف والإقصاء، لا إلى المتدينين باعتبارهم جماعة واحدة.وفي الاتجاه الآخر، فإن مواجهة الأيديولوجيا الدينية بأيديولوجيا معادية للدين لا تنتج مجتمعا أكثر حرية. إذا كان التطرف يقوم على احتكار الحقيقة ورفض الاختلاف، فإن إنتاج خطاب آخر يحتكر الحقيقة ويقصي المختلف لا يمثل بديلا حقيقيا. الاختلاف في المضمون لا يلغي المشكلة عندما تكون الوسيلة واحدة: الإقصاء ورفض التعددية.
ويجب الفصل بين نقد الدين ونقد توظيف الدين سياسيا. من حق الإنسان أن يؤمن ويمارس شعائره، ومن حق الآخرين أن يناقشوا الأفكار والمعتقدات وينتقدوها. حرية الاعتقاد تحمي الإنسان من الإكراه، لكنها لا تمنح الأفكار حصانة من النقد. وفي المقابل، حرية النقد لا تمنح أحدا الحق في تحويل الاختلاف الفكري إلى تحريض على جماعة دينية أو اضطهادها.كما أن تفسير التطرف باعتباره نتيجة للدين وحده تبسيط للظاهرة. فالتطرف يجد بيئة أكثر ملاءمة في المجتمعات التي تعاني من الاستبداد، والحروب، والتهميش، والبطالة، والفقر، وضعف التعليم، وانسداد المجال السياسي، وانهيار الثقة في مؤسسات الدولة. هذه العوامل لا تبرر العنف، لكنها تساعد في تفسير الظروف التي تسمح للأفكار المتشددة بالانتشار.لهذا السبب، فإن المعالجة الأمنية وحدها لا تكفي. الدولة مطالبة بمواجهة العنف والتحريض بالقانون، لكن القضاء على البيئة المنتجة للتطرف يحتاج إلى سياسات أوسع تشمل التعليم، والتنمية، وإتاحة المشاركة السياسية، وحماية الحريات، وتقوية مؤسسات الدولة. فاعتقال المتطرف قد يمنع فعلا عنيفا، لكنه لا يعالج بالضرورة الأفكار والظروف التي أنتجته.
ويحتل التعليم موقعا أساسيا في هذه المواجهة. المجتمع الذي لا يدرب أفراده على التفكير النقدي يصبح أكثر قابلية لتصديق الخطابات التي تقدم إجابات جاهزة وتمنع السؤال. التفكير النقدي لا يعني رفض الدين، وإنما يعني القدرة على فحص الأفكار ومناقشة الأدلة والتمييز بين الاعتقاد الشخصي والادعاء السياسي.وتتحمل المؤسسات الدينية مسؤولية مهمة أيضا، خصوصا في مواجهة التأويلات التي تستخدم لتبرير العنف أو تكفير المختلف. لكنها ليست الطرف الوحيد المسؤول. النخب السياسية والإعلامية تتحمل مسؤوليتها عندما تستخدم الدين أو الهوية أو الخوف وسيلة للحشد السياسي، كما تتحمل الدولة مسؤوليتها عندما تستغل الدين لتثبيت السلطة أو تستغل محاربة التطرف لقمع المجتمع.ومن المهم كذلك ألا يقتصر نقد التطرف على التطرف الديني. فالتطرف السياسي والقومي والعنصري يمكن أن ينتج العنف والإقصاء والتمييز عندما تتحول الأيديولوجيا إلى عقيدة مغلقة لا تقبل الاختلاف. لذلك يجب أن تكون المعايير واحدة: رفض العنف، ورفض التحريض، وحماية حقوق الإنسان، أيا كان الطرف الذي يرتكب الانتهاك أو الشعار الذي يستخدم لتبريره.الموضوعية لا تعني مساواة جميع الأفكار، ولا تعني الوقوف على مسافة واحدة من الضحية والمعتدي. الموضوعية تعني استخدام معيار ثابت. فإذا رفضنا العنف عندما يرتكب باسم الدين، يجب أن نرفضه أيضا عندما يرتكب باسم القومية أو الثورة أو الدولة أو أي مشروع سياسي آخر.والدولة في المجتمع المتعدد مطالبة بحماية حرية الاعتقاد وعدم تحويل مؤسساتها إلى أداة لفرض عقيدة معينة. حياد الدولة لا يعني معاداة الدين، كما لا يعني منح المؤسسات الدينية سلطة فوق القانون. المعيار هو المساواة بين المواطنين وحماية حق كل فرد في الاعتقاد أو عدم الاعتقاد، وفي التعبير عن رأيه ضمن حدود القانون وحقوق الآخرين.
المجتمع الحر لا يقوم على إزالة الخلاف، وإنما على إدارة الخلاف. ليس مطلوبا أن يتفق الناس في الدين أو الفلسفة أو السياسة، بل أن يتمكنوا من الاختلاف دون أن يتحول الخلاف إلى عنف أو اضطهاد أو إقصاء. لذلك فإن الدفاع عن التعددية ليس دفاعا عن كل الأفكار، وإنما دفاع عن حق الإنسان في وجوده وحريته ما دام لا يعتدي على حقوق الآخرين.المشكلة في النهاية ليست في أن يكون الإنسان متدينا أو غير متدين، ولا في أن يتبنى موقفا محافظا أو تقدميا، وإنما في تحويل أي موقف إلى سلطة مطلقة تمنح صاحبه حق التحكم في حياة الآخرين. عندما تصبح الأيديولوجيا فوق الإنسان، يصبح العنف قابلا للتبرير، وعندما يصبح المختلف تهديدا، يصبح إقصاؤه نتيجة منطقية.لذلك فإن مواجهة الفكر الديني المتطرف يجب أن تكون جزءا من مشروع أوسع لمواجهة كل أشكال التعصب واحتكار الحقيقة. لا يمكن بناء مجتمع حر بإلغاء الدين، كما لا يمكن بناءه بفرض الدين على الجميع، ولا باستبدال سلطة أيديولوجية بسلطة أيديولوجية أخرى.
المطلوب دولة تحمي الحقوق، وتعلي من شأن القانون، وتعترف بالتعدد، وتعليم يشجع على السؤال، ومؤسسات دينية وسياسية قادرة على المراجعة، ومجتمع يستطيع نقد أفكاره دون خوف. فالحرية لا تحتاج إلى عقيدة واحدة تجمع الناس، وإنما تحتاج إلى قواعد مشتركة تمنع أي جماعة من تحويل قناعتها الخاصة إلى قانون مفروض على الجميع. ومن هنا يبدأ النقد الحقيقي للتطرف: ليس بتغيير الجهة التي تحتكر الحقيقة، بل برفض مبدأ احتكار الحقيقة السياسية والفكرية من أساسه.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب