التنمر… جرحٌ صامت يهدد المجتمع ويقوّض القيم

التنمر… جرحٌ صامت يهدد المجتمع ويقوّض القيم
بقلم: شرين الناجي
في عالمٍ يفترض أن تسوده قيم الاحترام والتسامح، باتت ظاهرة التنمر واحدة من أخطر التحديات الاجتماعية والنفسية التي تواجه الأفراد، ولا سيما الأطفال واليافعين. فالتنمر لم يعد مجرد سلوك عابر أو مزحة ثقيلة، بل أصبح ممارسة عدوانية ممنهجة تُلحق أضراراً نفسية واجتماعية قد تستمر آثارها لسنوات طويلة.
ويُعرَّف التنمر بأنه سلوك متكرر يهدف إلى إيذاء شخص آخر جسدياً أو لفظياً أو نفسياً، مستنداً إلى استغلال القوة أو النفوذ أو التفوق العددي. وقد يكون التنمر في المدرسة، أو مكان العمل، أو داخل الأسرة، أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث ظهر ما يُعرف بـ”التنمر الإلكتروني” الذي زاد من خطورة الظاهرة واتساع نطاقها.
إن أخطر ما في التنمر أنه لا يؤذي الضحية فقط، بل ينعكس سلباً على المجتمع بأسره. فالطفل الذي يتعرض للسخرية أو الإقصاء قد يفقد ثقته بنفسه، ويتراجع تحصيله الدراسي، ويعاني من القلق والاكتئاب، وربما يميل إلى العزلة أو العدوانية لاحقاً. أما المتنمر نفسه، فهو في كثير من الأحيان نتاج بيئة تفتقر إلى التربية السليمة أو الرقابة أو الاحتواء النفسي.
وتتحمل الأسرة مسؤولية كبرى في الوقاية من هذه الظاهرة، من خلال غرس قيم الاحترام وقبول الآخر، ومراقبة سلوك الأبناء، وتعزيز الحوار داخل المنزل. كما أن للمؤسسات التعليمية دوراً محورياً في وضع أنظمة رادعة، وتوفير مرشدين نفسيين، ونشر ثقافة التسامح والمواطنة.
ولا يقل دور الإعلام أهمية، إذ ينبغي أن يسلط الضوء على مخاطر التنمر، وأن يقدم نماذج إيجابية للسلوك الإنساني، بدلاً من تكريس السخرية والاستهزاء كوسيلة للترفيه أو الشهرة.
أما قانونياً، فإن كثيراً من أشكال التنمر تدخل ضمن نطاق الذم والقدح والتحقير أو الإيذاء النفسي والمعنوي، ما يستوجب سن تشريعات أكثر وضوحاً لحماية الضحايا، خاصة في الفضاء الرقمي.
إن مواجهة التنمر ليست مسؤولية فرد واحد، بل مسؤولية مجتمع كامل. فحين نصمت عن المتنمر، نمنحه مساحة أوسع للإيذاء، وحين ندعم الضحية، نعيد التوازن والكرامة. إن بناء مجتمع سليم يبدأ من كلمة طيبة، ومن احترام الإنسان لأخيه الإنسان.



