«الحكم الذاتي» يعود للواجهة: إلى أين يذهب المشهد في حضرموت؟

«الحكم الذاتي» يعود للواجهة: إلى أين يذهب المشهد في حضرموت؟
أحمد الأغبري
عاد حلف قبائل حضرموت، ووضع ملف «الحكم الذاتي» في مضمار الحراك السياسي الراهن الذي تشهده محافظة حضرموت، من خلال قرار تشكيل «اللجنة التنسيقية العليا».
صنعاء ـ : بعد فترة غياب امتدت منذ مستهل العام، عاد حلف قبائل حضرموت، ووضع ملف «الحكم الذاتي» في مضمار الحراك السياسي الراهن الذي تشهده محافظة حضرموت الواقعة شرقي اليمن، والأكبر مساحة والأغنى بالثروات هناك، وذلك من خلال قرار تشكيل ما أسماه «اللجنة التنسيقية العليا»، ومن مهامها «التهيئة والتحضير لاستكمال كافة الخطوات المرحلية والمدروسة وصولًا لإعلان الحكم الذاتي».
يأتي هذا القرار بعد توقف أنشطة الحلف تقريبًا، منذ انتهاء الحرب التي استهدفت قوات المجلس الانتقالي الجنوبي في محافظتي حضرموت والمهرة كانون الأول/ديسمبر وكانون الثاني/يناير الماضيين، وإثر ذلك انتقل رئيس الحلف، الشيخ عمرو بن حبريش، إلى السعودية، وما يزال في الرياض. وفي الآونة الأخيرة، قال بيان للحلف إن بن حبريش حاول العودة إلى حضرموت، إلا أن السلطات السعودية منعته، في منفذ حدودي بري، من المغادرة، وعاد إثر ذلك إلى مقر إقامته في الرياض.
وفي مستهل آب/أغسطس عُقد اجتماع استثنائي لقيادات الحلف، وصدر عن الاجتماع بيان هدد بأن جميع الخيارات ستكون مفتوحة في حال عدم تنفيذ مطالبه، وحمّل البيان جهات لم يسمها كامل المسؤولية عما وصفها بعرقلة عودة رئيس الحلف. ومن ثم التقت قياداته بعضو مجلس القيادة الرئاسي، محافظ حضرموت، سالم الخنبشي، وسلمته رسالة تضمنت مطالب، منها تنفيذ خطة تطبيع الأوضاع في حضرموت، الصادرة عن مجلس القيادة الرئاسي في كانون الثاني/يناير 2025، وتنفيذ الاتفاق الموقع بين الحلف والسلطة المحلية برعاية سعودية نهاية العام الماضي.
عقب تلك التطورات جاء الإعلان الأخير، ليفتح الباب على تساؤلات، لا سيما بعد فترة من غياب الحلف عن المشهد السياسي.
وفي مقابل تحركات الحلف، استبقت السلطة المحلية ذلك واتخذت مساراً موازياً، وأعلنت عن تشكيل ما أسمته «المجلس التنسيقي الأعلى للقوى والمكونات الحضرمية»، باعتباره سيكون المعني باتخاذ موقف حضرموت، مما سيناقشه مؤتمر الحوار الجنوبي المزمع في الرياض، وقد تمتد مهامه إلى تحديد ما سيكون عليه مشروع حضرموت السياسي في إطار التسوية السياسية الشاملة في اليمن.
يصعب القول بإمكانية نجاح هذا المجلس في تمثيل كل مكونات حضرموت؛ لاسيما في ظل ما يبدو عليه المشهد الحضرمي من تنوع، وما يشهده من تناقضات وصراع مشاريع.
ولا ينفصل هذا التجاذب الداخلي عن موقف المجلس الانتقالي، الذي يرى في حضرموت حجر الزاوية في مشروع دولته الجنوبية الانفصالية. وعلى الرغم من إعلان قرار حله، إلا أن من الصعب التقليل من فاعلية التأثير الذي يملكه تيار عيدروس الزُبيدي في قاعدته الجماهيرية، وهو ما يمكن قراءته بوضوح في حجم التظاهرات التي ينظمها ويحرص على أن يكون مركزها في عدن وحضرموت.
وسبق أن أعلن المجلس الانتقالي رفضه لمشروع حلف القبائل، بل لقد خاض معه اشتباكات مسلحة قبيل اندلاع الحرب التي خسر فيها الانتقالي محافظتي حضرموت والمهرة. كما يُبدي «الانتقالي» حاليًا رفضه للمجلس التنسيقي الذي أعلنته السلطة المحلية.
ولتفكيك هذه التعقيدات ومسارات القوى، يرى الباحث الأكاديمي عادل دشيلة أن «قراءة المشهد الاجتماعي والسياسي هناك يمكن أن تتم من خلال ثلاثة تيارات لديها مشاريع متناقضة. الأول: التيار الساعي إلى تحقيق حكم ذاتي، ممثلًا في حلف قبائل حضرموت، الذي يرأسه عمرو بن حبريش. والتيار الثاني: التيار الساعي إلى ضم حضرموت لمشروع المجلس الانتقالي في دولة انفصالية في الجنوب والشرق، وإن كان قد كُسر عسكريًا في بداية هذا العام. أما التيار الثالث فهو التيار الذي يندرج في إطار الحكومة ويتناغم مع الإقليم، وهو ما سُمّي مؤخراً بالمجلس التنسيقي الأعلى للقوى والمكونات الحضرمية، لكن، هل هذا المجلس يمثل كل الأطياف الحضرمية؟».
ويضيف متحدثا لـ«القدس العربي»: «نجد صعوبة في الإجابة عن هذا السؤال. المجلس التنسيقي الحضرمي جاهز للحوار الجنوبي، وهو مدعوم من السعودية، ويضم شخصيات بارزة تسعى إلى طرح قضية حضرموت بين خيارين: إما إقليم في دولة اتحادية أو ما شابه ذلك».
إلى أين تمضي الأمور؟ يعتقد دشيلة أن «ثمة بُعدا إقليميا في الحسابات الحضرمية. علينا أن ندرك أن التنافس ما زال قائمًا بين السعودية والإمارات، وإن كانت الإمارات خرجت من المشهد. بن حبريش له أيضًا علاقته مع السعودية، وإن كانت ليست على ما يرام، لكن يبدو أنه لم يكن الشخصية التي بالإمكان دفعها لتصدر المشهد الحضرمي، وهنا حصلت الخلافات. إذ وقع الاختيار على شخصيات لديها حضور لدى الحكومة، وأيضاً قبول لدى المملكة العربية السعودية، وهؤلاء أصبحوا جزءًا من المجلس التنسيقي للمكونات الحضرمية».
فيما يتعلق بمستوى تمثيل المجلس التنسيقي لحضرموت، يرى عادل دشيلة «مشكلة في تمثيله للأطياف الحضرمية. سواءً في مجلس التنسيق الحضرمي الجديد أو حتى في مجلس حضرموت الوطني. هؤلاء لا يمثلون الطيف الواسع في حضرموت».
أما ما يخص المشاريع السياسية، فيقول إن «رئيس حلف قبائل حضرموت يريد حكمًا ذاتيًا، بينما المجلس التنسيقي يقول: نحن ندعو إلى الحوار، نحن لسنا جنوباً ولا شمالاً، نحن حضرموت. وسبق أن قال عضو مجلس القيادة الرئاسي، محافظ حضرموت، الخنبشي، في مقابلة تلفزيونية: إن كان سيكون انفصال فحضرموت دولة، وإن كان سيكون دولة اتحادية فحضرموت إقليم. ما الذي بالإمكان أن يحدث مستقبلاً؟ قد يكون هناك تضارب في وجهات النظر، لكن لن يؤدي ذلك إلى الفوضى. قد تتوسع دائرة التمثيل في إطار المجلس التنسيقي الحضرمي الجديد، لأن لديه غطاء سياسي حكومي وإقليمي، وهو تيار يتماشى مع رغبة القوى السياسية، وحتى المشروع الوطني الجامع».
أما ما يخص حلف قبائل حضرموت، واستئناف رفع لافتة الحكم الذاتي فيرى دشيلة أن «الحلف غير قادر على أن ينحو منحىً آخر، فهو مضطر إلى التمسك بهذه الرؤية، حتى الوصول إلى مرحلة تفاوضية شاملة وكاملة لكيفية تمثيل حضرموت في أي اتفاق سياسي مستقبلي، في إطار التسوية السياسية الشاملة».
ويعتقد أن «تحويل وثيقة الحلف بشأن الحكم الذاتي إلى وثيقة سياسية يحتاج إلى ضمانات محلية وإقليمية لكيفية تمثيل كل هذه الأطراف المتضاربة أو المتناقضة في المشاريع». ورجح «أن يستمر هذا التناقض في المشاريع داخل حضرموت، وصولًا إلى تسوية تحتويها
«القدس العربي»



