ثقافة وفنون

الشاعر الأرجنتيني روبيرتو خواروث: الشرط الأول للشاعر الحقيقي أن يمنح الصمت كلمات

الشاعر الأرجنتيني روبيرتو خواروث: الشرط الأول للشاعر الحقيقي أن يمنح الصمت كلمات

رجمة وتقديم: إبراهيم قازو

ولد روبيرتو خواروث Roberto Juarroz سنة 1925 في بوينس أيرس، وتوفي فيها سنة 1995. يعد قامة شعرية مهمة في المشهد الشعري العالمي المعاصر. صدرت له خمس عشرة مجموعة شعرية جمعت كلها تحت عنوان واحد هو Poesía Vertical شعر عمودي. فقط رقم الترتيب هو الذي يتغير من مجموعة إلى أخرى.
نشر المجموعة الشعرية الأولى تحت عنوان شعر عموديPoesía Vertical سنة 1958، أما المجموعة التي تحمل رقم خمسة عشر بالعنوان نفسه، فقد صدرت بعد وفاته من طرف زوجته الشاعرة والناقدة لورا سيراتو Laura Cerrato.
كما أنه في مجموع قصائده يلح الشاعر الأرجنتيني روبيرتو خواروث على عدم وضع العناوين، وهذا الإلحاح له معنى، بحيث إن الكلام الشعري لديه يولد داخل اللاإسم واللاوجه. ويتمسك بذلك بإصرار في كل أعماله الشعرية. كما ان الشعر لديه هو مساءلة للعالم، ونحن ايضا ضمنه. وإذا كان السؤال هو العمل التقليدي للفكر، فإن شعر خواروث يسائل أقل لكنه يبقى شعرا عميقا في تساؤله. إنه يحاول إخراجنا من طمأنينتنا الوهمية، إنه يثيرنا، يقلقنا، ويشوش يقيننا، إنه تساؤل خالص ومن دون زيادات·
يقول عنه الشاعر المكسيكي أوكتافيو باثOctavio Paz (كل قصيدة لروبيرتو خواروث هي عبارة عن تبلور لفظي مدهش، وقد اختزلت اللغة في خرزة ضوء، إنه شاعر اللحظات المطلقة الكبير) هذا الحوار أجراه جاك مونييه مع الشاعر روبيرتو خواروث لمجلة «الآداب» الفرنسية في شهر أبريل/نيسان 1993.

* إلى جانب نشاطك الجامعي، نشطت في سنوات الستينيات في مجلة شعرية مهمة: شعر = شعر « Poesia = poesi، وزعت في جميع أمريكا اللاتينية. ما الغاية منها؟

ـ كنا نود الدفاع، بهذا العنوان – البيان، عن فكرة أن الشعر لا يساوي سوى نفسه، وأنه لا يمكن أن يكون سياسيا، اجتماعيا أو فلسفيا. لقد نشرنا لعدد من الكتاب جنوب أمريكيين، من أوكتافيو باث إلى أنطونيو بورتشيا، وكذلك بعض الترجمات. لقد كان هناك ركن بعنوان رؤية الشعر، حيث مختلف الشعراء والكتاب يدلون، في بضعة أسطر، بمفهومهم لحضور ومعنى الشعر في حياتهم. كما ترجمت بعض الكتاب الفرنسيين مثل بول إيلوار، أنطونان آرتو أو آخرين أقل شهرة. الأدب الفرنسي كان ممثلا دائما.
إن غايتنا كانت هي قراءة شعر ليس ملتزما بأي شيء سوى نفسه، وقد كان صعبا في تلك المرحلة لأن مفهوم الالتزام، بالضبط، كان موضة، لكن حين سقوط الأفكار، الأيديولوجيات، والسياسة كقيمة سامية، حينئذ، يمكن لنا أن نختبر إحساس أن الحياة خالية من المعنى، بلا جدوى. هكذا حين يدخل فينا الفراغ، أشياء صغيرة تستطيع أن تقوينا، أو تقيم في هذا الفراغ. نقرأ، نكتب وهكذا تتشكل في العالم وفرة سرية وصامتة تجد لها معنى في هذه اللغة المحمولة حتى أقصى حد، والتي هي الشعر. جيد أو رديء، تلك مسألة أخرى. تحت هذه الزاوية، المهم، بالأحرى، هو نوعية الصمت الذي يجيب علي الشعر.

* من دون شك، كصدى لذلك، يعود دائما في عملكم موضوع الصمت. هل هو وجه لنهاية الكلام، نهاية الشعر، أم هو استعارة للعتبة، كانفتاح نحو شيء آخر؟

ـ إن اللغة والصمت متلازمان. فليس هناك لغة من دون صمت، لأن لكل كلمة حمولة من الصمت. ليس الصمت فقط هو الذي ينبثق، كحد، حينما ينتهي شيء ما. إن الصمت يوجد داخل الكلمات، داخل القصيدة. والصمت، في المكان الأول، هو المجهول الذي نحمله داخلنا. أقول أحيانا إن الشرط الأول للشاعر الحقيقي يرتكز على إعطاء كلمات للصمت الداخلي. ليس فقط صمت الشاعر ولكن صمت الآخرين أيضا. أظن أنه لا يوجد شعر من دون استلهام دائم للصمت. لهذا أعود غالبا إلى فكرة الصمت. إني أرغب، بطريقة ما، أن أجسده في الشعر.

*لقد عنونت جميع مجامعك الشعرية بالطريقة نفسها: شعر عمودي. هل لتظهر الاستمرارية والإصرار على نهج ما تقريبا؟
ـ هناك عدة أسباب لذلك، كل عنوان، لاسيما في الشعر، هو نوع من القطع، حافز شرود ليست له ضرورة حقيقية. فمن دون عنوان، تنفتح المجموعة الشعرية مباشرة على القصائد كشيء ما، مثل هذه اللوحات حيث غياب العنوان يوفر لكم خبايا التأويل. وهي طريقة أخرى للامتداد نحو غُفلية الأغنيات أو اللازمة الشعبية التي نرددها، من دون معرفة مؤلفها، الذي اختفى منذ زمن بعيد ونسي. فمانويل وأنطونيو ماتشادو تحدثوا عن ذلك في نصوصهم حول الأرض الإسبانية.

* وعن صورة العمودية؟ هل الأمر يتعلق بالعمودية الصاعدة، بالمعنى الذي استعمل به دالي هذه الكلمة لتعريف الروح الإسبانية، أو الأمر يتعلق بعمودية السقوط، عمودية الارتماء داخل الذات؟
ـ في وقت مبكر من حياتي، كان لديّ إحساس بأن الإنسان كان لديه نزوع نحو السقوط. فالإنسان عليه أن يسقط. ويجب تقبل هذه الفكرة التي لا تطاق تقريبا، فكرة الفشل، في عالم منذور لعبادة النجاح.
بتناظر الانهيار، يوجد لدى الإنسان اندفاع نحو الأعلى. الفكر، اللغة، الحب، كل إبداع يساهم في هذا السمو. هناك إذن حركة مضاعفة للانهيار والسمو لدى الإنسان. إنه نوع مفارق من قانون الجاذبية. فبين حركتين يوجد بعد عمودي. إن الشعر الذي يهمني يمتلك الجرأة والعري الكافيين لبلوغ هذا المكان، حيث تحدث الحركة العمودية المضاعفة للانهيار والسمو. وأحيانا ننسى أحد البعدين. فقصائدي تنزع نحو إدراك هذا التناقض الأساسي، فضلا عن ذلك، هناك لحظات متميزة، استثنائية، حيث نحس بتحول الزمن، شيئا ما، كما لو أن الزمن، في لحظة معطاة، قد قطع. هناك أيضا جانب من العمودية.
لهذا كتب غاستون باشلار بأن زمن الشعر هو زمن عمودي. إنه يشير إلى هذه اللحظات التي يتأخر فيها الزمن أو يأخذ إيقاعا آخر، فيخسر الجانب الخطي للوقت، من أجل العثور على الأبدية، كما قال رامبو، في لحظة عمودية. كي أقول أو أوضح شيئا من كل هذا، إننا نحتاج إلى لغة غير مزخرفة، تقشفية شيئا ما. إنه عمل لا متناه، إن الشعر العمودي عمل لا متناه.

*قصائدك يخترقها، غالبا، الفكر، ليس لأنها تجمع أفكارا في الشكل أو في الصورة الشعرية لكن، كما كشف ذلك أحد مترجميك، لأنها تفتح طريقا شعريا في الفكر. وسوف أستشهد بكتابك الأخير، الجزء 13 من شعر عمودي، حيث تتمنى الوصول إلى رسم الأفكار مثلما يُرسم غصن في السماء.
ـ نعم، لأنه على غصن شجرة يمكن أن يحط عصفور. وإذا كان الشعر والفكر مثل شجرة مقابل السماء، ربما يأتي شيء ما أكثر صفاء من عصفور كي يحط عليها.

شاعر ومترجم من المغرب

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب