«الشرق الأوسط الجديد».. هل أخطأت واشنطن وتل أبيب حساباتهما في إيران؟

«الشرق الأوسط الجديد».. هل أخطأت واشنطن وتل أبيب
حساباتهما في إيران؟
الأستاذ: علي او عمو
كاتب من المغرب
لم تكن الحرب على إيران مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل بدت
جزءًا من مشروع أوسع لإعادة تشكيل الشرق الأوسط وفق
المصالح الأمريكية والإسرائيلية، بما يضمن إخضاع المنطقة
لنفوذ واشنطن وتكريس التفوق الإسرائيلي، وإضعاف كل قوة
إقليمية يمكن أن تعرقل هذا التوجه..
وفي قلب هذا المشروع تقف إيران، التي ظلت تمثل عقبة أمام
التصورات الأمريكية والإسرائيلية للمنطقة. لذلك، لم يكن
استهدافها عسكريًا منفصلًا عن الرغبة في تقليص نفوذها،
وإضعاف قدراتها، وربما دفع نظامها إلى الانهيار أو التغيير تحت
ضغط الحرب.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل حققت الحرب الأهداف
التي راهنت عليها واشنطن وتل أبيب، أم أن مسار المواجهة
كشف عن سوء تقدير لقدرات إيران وتداعيات الصراع؟.
حسابات الحرب وواقع الميدان.
إن الرهان على الحسم العسكري السريع قد يصطدم بواقع أكثر
تعقيدًا مما تصوره أصحاب القرار. فإيران ليست مجرد هدف
عسكري يمكن إخضاعه بالقصف، بل دولة تمتلك قدرات عسكرية
وصاروخية، وأوراق ضغط إقليمية، وموقعًا جغرافيًا بالغ
الأهمية، ولا سيما في ما يتعلق بمضيق هرمز وأمن الطاقة
العالمي.
وإذا كانت واشنطن وتل أبيب قد راهنتا على أن تؤدي الضربات
العسكرية إلى إضعاف إيران بالقدر الذي يفرض عليها الاستسلام
لشروطهما، فإن استمرار المواجهة دون تحقيق حسم واضح يثير
تساؤلات جدية حول الأهداف المعلنة والحسابات التي سبقت
اندلاع الحرب.
فإسقاط نظام سياسي أو تغيير توجهاته لا يتحقق بالضرورة عبر
التفوق الجوي وحده، كما أن إضعاف القدرات العسكرية لا يعني
تلقائيًا انهيار الدولة أو تخلّيها عن خياراتها الاستراتيجية..
حلفاء واشنطن بين الالتزام والمخاوف.
لم تعد تداعيات الحرب محصورة في إيران وإسرائيل والولايات
المتحدة، بل امتدت إلى حلفاء واشنطن في المنطقة وأوروبا،
الذين يجدون أنفسهم أمام معادلة صعبة: كيف يوازنون بين
تحالفاتهم مع الولايات المتحدة وبين مخاطر الانجرار إلى
مواجهة تهدد أمنهم واستقرارهم ومصالحهم الاقتصادية؟.
فالدول الحليفة لا تنظر بالضرورة إلى الحرب من الزاوية نفسها
التي تنظر منها الإدارة الأمريكية إليها. وما تعتبره واشنطن
ضرورة استراتيجية قد تراه دول أخرى مغامرة مُكلفة، خصوصًا
عندما يتعلق الأمر بأمن الطاقة، والملاحة البحرية، والاستقرار
الإقليمي..
ومن شأن اتساع الفجوة بين الأهداف الأمريكية وحسابات
الحلفاء أن يضعف الثقة في قدرة واشنطن على إدارة الأزمات،
وأن يدفع بعض الدول إلى البحث عن هوامش أوسع للاستقلال
في قراراتها، بدل الارتهان الكامل لسياسة قد تتغير بتغير الإدارة
الأمريكية ومصالحها..
الحرب وكلفتها السياسية على ترامب.
لا يمكن فصل الحرب الخارجية عن تداعياتها الداخلية في
الولايات المتحدة. فالرئيس دونالد ترامب يواجه بدوره اختبارًا
سياسيًا يرتبط بمدى اقتناع الأمريكيين بجدوى الحرب، وبكلفتها
البشرية والاقتصادية، وبقدرة إدارته على تحقيق أهدافها المعلنة.
وقد أظهر استطلاع لمركز «بيو للأبحاث»، نُشر في 8 أكتوبر
2026، أن 65 في المائة من الأمريكيين لا يوافقون على طريقة
تعامل ترامب مع الحرب على إيران، مقابل 33 في المائة
يوافقون عليها. كما أشار الاستطلاع إلى أن 52 في المائة لا
يثقون كثيرًا أو لا يثقون إطلاقًا في قدرة الإدارة على تحقيق
أهداف الحرب.
وفي السياق نفسه، أفاد استطلاع أجرته «رويترز/إبسوس»،
نُشر في 19 أكتوبر 2026، بتراجع نسبة الموافقة على أداء
ترامب إلى 31 في المائة، مع تقدم الديمقراطيين على
الجمهوريين في تفضيلات الناخبين المتعلقة بانتخابات
الكونغرس.
وتكتسب هذه المؤشرات أهمية خاصة مع اقتراب انتخابات
التجديد النصفي المقررة في 3 نوفمبر 2026. فإذا استمرت
الحرب دون نتائج واضحة، وازدادت كلفتها الاقتصادية
والسياسية، فقد يجد الجمهوريون أنفسهم أمام اختبار انتخابي
صعب، خصوصًا إذا شعر الناخب الأمريكي بأن الإدارة انشغلت
بمواجهة خارجية على حساب أولوياته المعيشية..
ومع ذلك، لا يمكن الجزم مسبقًا بنتائج الانتخابات أو اعتبار
تراجع شعبية الرئيس دليلًا حاسمًا على خسارة حزبه؛ فذلك
يتوقف على عوامل متعددة، من بينها تطورات الحرب، والوضع
الاقتصادي، وسلوك الناخبين في الأسابيع المقبلة..
هل يتعثر مشروع «الشرق الأوسط الجديد»؟.
إن الحديث عن تعثر المشروع الأمريكي الإسرائيلي لا ينبغي أن
يتحول إلى إعلان مبكر عن فشل نهائي، كما لا يصح افتراض أن
واشنطن وتل أبيب قادرتان على فرض كل ما تريدانه دون
مقاومة أو أثمان..
فالمشاريع الاستراتيجية الكبرى لا تُقاس فقط بحجم الدمار الذي
تلحقه بالخصم، وإنما أيضًا بقدرتها على تحقيق الأهداف
السياسية التي شُنت الحرب من أجلها، وبمدى قدرتها على
احتواء التداعيات الإقليمية والدولية..
وقد تؤدي الحرب، بدل إضعاف إيران وإخضاع المنطقة، إلى
تعزيز المخاوف لدى دول أخرى من الاعتماد المفرط على
الحماية الأمريكية، وإلى زيادة المطالب بتنويع الشراكات الدولية،
وبناء علاقات إقليمية تقوم على الحوار وتوازن المصالح..
كما أن استمرار الصراع يُضعف فرص الاستقرار، ويهدد مصالح
شعوب المنطقة التي لا ينبغي أن تظل رهينة للصراعات
الجيوسياسية أو لمشاريع الهيمنة والتوسع..
الخلاصة:
إن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت الولايات المتحدة وإسرائيل
تمتلكان التفوق العسكري، بل ما إذا كان هذا التفوق كافيًا لفرض
نظام إقليمي جديد يتجاهل مصالح شعوب المنطقة وتوازناتها..
فالحرب قد تحقق مكاسب عسكرية مؤقتة، لكنها لا تضمن
بالضرورة انتصارًا سياسيًا دائمًا. وإذا لم تستطع واشنطن وتل
أبيب تحويل القوة العسكرية إلى نتائج سياسية مستقرة، فقد
تتحول الحرب التي رُوّج لها باعتبارها طريقًا لإعادة تشكيل
الشرق الأوسط إلى عامل إضافي في تعقيد أزماته، وإضعاف
الثقة في القيادة الأمريكية، وفتح المجال أمام ترتيبات إقليمية
أكثر استقلالًا عن إرادة القوى الخارجية..
ولعل الدرس الأبرز هو أن أمن الشرق الأوسط لا يمكن أن يقوم
على إخضاع دولة لحساب دولة أخرى، ولا على فرض الإرادة
بالقوة، بل يحتاج إلى تسويات سياسية عادلة، واحترام سيادة
الدول، وإقامة علاقات إقليمية متوازنة تُنهي منطق الهيمنة
والحروب المتكررة…
الأستاذ: علي او عمو
كاتب من المغرب


