الشطب والإجماع الصهيوني والمحكمة العليا

الشطب والإجماع الصهيوني والمحكمة العليا
إذا لم نؤمن بعدالة قضيتنا ومشروعية مطالبنا وحقنا في التعبير عنها، فلا حياة لنا في هذه البلاد، بلادنا.
دأبت أحزاب اليمين الإسرائيليّة، في كلّ دورة انتخابيّة خلال العقود الثلاثة أو الأربعة الأخيرة، على تقديم طلبات لشطب أحزاب عربيّة أو نواب عرب ومنعهم من الترشّح في الانتخابات البرلمانيّة. فمن عجائب الديمقراطيّة الإسرائيليّة وغرائبها أن يُوكَل إلى أحزاب قرار السماح لأحزاب أخرى منافسة لها بالمشاركة في الانتخابات، أو عدم السماح لها بذلك. ولكنّه طقس شعبوي متكرّر اعتاد عليه الناس، مثلما اعتادوا على أمور كثيرة شاذّة تحوّلت إلى قاعدة في المجتمع الإسرائيلي، ولا يجوز الاعتياد عليها.
وفي كلّ مرّة، يتوجّه ضحايا زملائهم البرلمانيين إلى المحكمة العليا لتنصفهم، ضمن التوتر الإسرائيلي المعروف بين الشعبويّة الحزبيّة اليمينيّة والمحكمة العليا، التي تظهر بوصفها حصن الليبراليّة الإسرائيليّة بالمقارنة مع هؤلاء.
ولكنّها، في الحقيقة، حصن الليبراليّة الإسرائيليّة تحت السقف الصهيوني الذي ينخفض باستمرار، وقد تجاوز مؤخرًا كلّ ما تحقّق في تسعينيّات القرن الماضي من إنجازات على مستوى حقوق المواطن وحرّيّة التعبير وغيرها من مزايا الليبراليّة، وذلك ضمن الانحراف المتواصل نحو اليمين في إسرائيل، والتدرّج نحو التطابق بين الصهيونيّة والصهيونيّة الدينيّة، والتنكر لحقوق الشعب الفلسطيني، والتعامل مع عنف الاحتلال بوصفه روتينًا يمكن التعايش معه. وظهر ذلك أيضًا في تغيّر تركيبة المحكمة العليا، التي تنحو باستمرار نحو اليمين، حتى أصبح هناك أغلبيّة يمينيّة في المحكمة.
ومثلما تغيّر الكثير بعد عمليّة السابع من أكتوبر وحرب الإبادة الإسرائيليّة على قطاع غزّة، ازدادت أيضًا الاشتراطات الصهيونيّة على حرّيّة التعبير والحقوق المدنيّة، هذا إذا قصرنا النقاش على ما يجري داخل حدود عام 1948. وتغيّرت أيضًا طبيعة النقاش، إذا تجنّبنا كلمة التهريج، في لجنة الانتخابات؛ فقد حصل إجماع صهيوني كامل على شطب النائب سامي أبو شحادة، بما يتجاوز الأغلبيّة الصهيونيّة العاديّة المؤيّدة لشطب الأحزاب العربيّة. وعلى خلاف العادة، صوّت رئيس اللجنة، قاضي المحكمة العليا نوعام سولبرغ، إلى جانب قرار الشطب.
والحجّة هي مقال مبكّر جدًا نشره أبو شحادة في اليوم التالي لعمليّة السابع من أكتوبر، وكتبه في اليوم ذاته، ونُشر قبل أن تتّضح معالم العمليّة تمامًا، على الرغم من أنّه عبّر عن مواقف مخالفة لما جاء في هذا المقال طوال الأعوام الثلاثة الأخيرة.
أمامنا هنا سابقتان خطيرتان: الأولى، الإجماع في اللجنة وتصويت رئيسها، قاضي المحكمة العليا، إلى جانب قرار الشطب؛ والثانية، شطب الترشّح ليس بسبب موقف سياسي منهجي أو مثابر، بل بسبب مقال واحد.
من الواضح أنّه في هذه المرّة، أي في الانتخابات الأولى التي تجري في مرحلة ما بعد السابع من أكتوبر، ثمة حاجة إلى التضحية بعربي في مقابل السماح للأحزاب العربيّة بخوض الانتخابات. يجب تقديم ضحيّة ما على مذبح الإجماع الصهيوني العنصري بعد السابع من أكتوبر. ولا يوجد تفسير آخر لشطب أبو شحادة ومنعه من خوض الانتخابات. بل يحبّذون شطب التجمع أيضًا بسبب طرحه دولة المواطنين، لكنّهم لم يجدوا حجّة قانونيّة لذلك، ولا يمكنهم فعل ذلك قانونيًا، لأنّه يخوض الانتخابات ضمن قائمة مشتركة وليس كقائمة منفصلة.
ويضطرّ المرء إلى ضبط أعصابه لكي لا ينفعل من أن مقدّم الطلب هو إيتمار بن غفير، المعروف ليس فقط للفلسطينيين، بل للمحاكم الإسرائيليّة نفسها، بوصفه شخصًا عنصريًا وإرهابيًا وعنيفًا ومدانًا. ولكن وجد رئيس اللجنة، قاضي المحكمة العليا، قواسم مشتركة مع هذا الشخص أكثر مما وجد مع مرشّح التجمع والمشتركة، سامي أبو شحادة، الديمقراطي الذي يؤمن بالقيم الإنسانيّة وبحقوق الشعوب وبالمساواة بين العرب واليهود.
وانطلقت جوقة المهرّجين في الإعلام الإسرائيلي، من الصحافيين المعروفين بكرههم للتجمع الوطني الديمقراطي لأنّه أكثر ديمقراطيّة وليبراليّة منهم، وتلاحقهم عقدة الدكتور عزمي بشارة، من دون أن يقرأوا كلمة واحدة من كتبه ومقالاته، حتى تلك السياسيّة التي تمكّنهم ثقافتهم المحدودة من قراءتها، وتحديدًا مقالاته خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة، التي تؤكّد على شرعيّة مقاومة الاحتلال، ولكنّها تقيّدها بأمرين: أولًا، الحدود الأخلاقيّة التي ليس من حقّ المقاومة تجاوزها؛ فقد رفض دائمًا التعرّض للمدنيين أو المسّ بهم. وثانيًا، النجاعة الإستراتيجيّة؛ فلا يجوز أن تضرّ المقاومة بقضيّة الشعب التي يُفترض أنّها تخدمه.
إنّ ما يجري بشأن تقييد الترشّح للانتخابات من منطلقات الإجماع الصهيوني الحربي هو أقلّ القليل ممّا يُتوقّع من دولة ومجتمع لم تنشأ فيهما حركة احتجاج حقيقيّة من أيّ نوع على حرب الإبادة التي تُشنّ ضد الشعب الفلسطيني، أو احتجاج جدّي ضد قتل أكثر من عشرين ألف طفل، وعلى ممارسات قطعان المستوطنين بحماية الجيش الإسرائيلي ودعمه في الضفة الغربيّة وقطاع غزّة.
ليست الهستيريا الشعبويّة في لجنة الانتخابات وقراراتها وجوقة التحريض مفاجئة للمواطنين العرب، ولا الجوقة التي تغطّيها، وارتعاد المرعوبين عندنا، بالنظر إلى الهستيريا الدمويّة التي شهدناها في الأعوام الثلاثة الأخيرة.
الغريب أنّ بعض المرعوبين على هوامش اليسار الصهيوني يهمسون قائلين إنّ من الأفضل أن يسحب سامي أبو شحادة ترشّحه قبل أن تبحث المحكمة قرار الشطب، وألّا يستأنف على الشطب، رغم أنّ قرار لجنة الانتخابات بشأن شطب مرشّح يُحال تلقائيًا إلى المحكمة لبحثه والمصادقة عليه أو عدمها، حتى من دون أن يقوم المرشّح المعني بالاستئناف على الشطب. كما يهمسون بألّا يتوجّه التجمع وأبو شحادة إلى المحكمة العليا، لكي لا تحصل سابقة قانونيّة؛ فمن المؤكّد، في نظرهم، أنّ المحكمة سوف تؤيّد قرار الشطب، ومن ثمّ تحصل سابقة قانونيّة هي سابقة منع مرشّح من خوض الانتخابات بسبب مقال.
الظلم حاصل على كلّ حال، ولكن المهم بالنسبة للبعض هو ألّا ندمغ به “الليبراليّة الإسرائيليّة”! وكأنّها لم تُدمغ بقتل أطفال غزّة، وبشرعنة نهب الضفة الغربيّة، والتنكيل بأهلها.
تخيّل أن يتوجّه شخصٌ كفء لديه كافّة المؤهّلات للعمل في مؤسّسة، فيُقال له: لا تقدّم الطلب، لأنّك ستُرفض لكونك عربيًا، وستبدو المؤسّسة عند ذلك عنصريّة. وعلى التجمع وسامي أبو شحادة ومؤيّديهما ألّا يدفعوا المحكمة إلى اتّخاذ قرار تبدو بعده صهيونيّة أكثر ممّا هي ليبراليّة، أو تبدو بعده مؤيّدة لبن غفير.
هل على المظلوم أن يصمت ويتنازل عن حججه القانونيّة العادلة لكي لا تتنكّر المحكمة للعدالة، وتقرّ الظلم وتختمه بختمها؟ هل هذه مسؤوليّة من يلتمس ضد الظلم، أم مسؤوليّة من يُقرّ الظلم؟
إنّ سحب الترشّح في هذه الظروف يعني ثلاثة أمور: أولًا، الاعتراف بشرعيّة الشطب أو صحّته؛ وثانيًا، التخلّي عن الحجج القانونيّة، مع أنّها موجودة وكافية، ويُفترض أن تقبلها أيّ محكمة عادلة، وهذا ما يفترضه الرافضون للشطب، ومطلوب منهم أن يفترضوه؛ وثالثًا، المساعدة في إخفاء الوجه العنصري للإجماع الصهيوني الراهن.
وإذا كانت الحجّة أنّ قرار الشطب جاهز، وأنّه قرار سياسي، فالجواب هو أنّ المرافعة القانونيّة لا تغني عن المرافعة السياسيّة المبدئيّة بشأن الموقف من الاحتلال، وحرّيّة التعبير، والمواطنة، وحدود المشاركة السياسيّة، وعن بن غفير وممارساته.
ولكن لا يجوز، من الناحية القانونيّة ومن منظور العدالة، التخلّي عن المرافعة القانونيّة، ولتتّخذ المحكمة قرارًا سياسيًا؛ فهي تتحمّل مسؤوليّة قرارها، وليس العكس. وليطرح التجمع فهمه للديمقراطيّة الليبراليّة في مقابل الفهم الصهيوني القومي الديني الشوفيني لها، وليطرح فهمه لدولة المواطنين، الذي جرّ عليه كلّ هذا العداء الصهيوني، ومعه رعب المرعوبين الخائفين من طرح حقوقهم ذاتها.
وبغضّ النظر عن نتيجة المحكمة، أعلن التجمع وسامي أبو شحادة أنّه سيدعو العرب إلى رفع نسبة التصويت في الانتخابات، ولو كانا مصابين بعمى الألوان السياسي، لما فعلا ذلك.
إذا لم نؤمن بعدالة قضيتنا ومشروعيّة مطالبنا وحقّنا في التعبير عنها، فلا حياة لنا في هذه البلاد، بلادنا.




