الصين بين وحدة الروح وتماسك الدولة فلسفة النمل والنحل
نصار إبراهيم
[تنويه-: هذا المقال يناقش فكرة فلسفية -إجتماعية- سياسية – ثقافية عميقة نظريا وعمليا. بعد أن قرأته مرتين، قفزت إلى عقلي مقاربة تلقائية على شكل سؤال أو أكثر: ماذا عن الإنقسام/التناقضات الفلسطينية؟ هل يمكن إحالة ديناميات هذا الانقسام ومحركاته أو مولّداته إلى خلل ثقافي – سياسي- فلسفي اجتماعي بنيوي عند الجماعة الفلسطينية (ذات الأسئلة تذهب للواقع العربي)؟ الكل يؤكد على الوحدة والمصير، لكننا في ذات الوقت عاجزون عن جعل “الأنا” الفردية تنسجم وتتناغم مع “النحن” الموضوعية بأبعادها ومكوناتها التاريخية والحضارية والثقافية، بحيث يصبح التنوع عامل قوة وليس صاعق تفجير عند كل مشكلة أو إشكالية صغيرة أو كبيرة. يترتب على هذا التنويه سؤال من وحي هذه المقالة: هل النحل والنمل يملك بنية ووعيا أكثر تطورا من الجماعة المسكونة بالأنا الضيقة على حساب “النحن” الواسعة، أو تلك التي تضع “الأنا” في مواجهة النحن” بوعي أو بدونه لا فرق، فيخسر الإثنان معا ويفقدان توازنهما الفطري!؟]. * منذ مقولة كونفوشيوس الشهيرة: «على الحاكم أن يكون حاكماً، وعلى الابن أن يكون ابناً»، يتجلّى تصوّر عميق للكون قائم على أدوار متناغمة، لا على نزاعات حقوق. الولاء هنا ليس فعل خضوع بل ترجمة لحكمة النظام الكوني، حيث الأسرة تُعتبَر نموذجاً مصغراً للدولة. هذا التصور لم يضعف عبر القرون، بل تحوّل إلى مرجعية أخلاقية حتى في ظل صعود الحزب الشيوعي. المفكر الصيني منسيوس (Mengzi)، أحد أبرز تلاميذ كونفوشيوس، طوّر الفكرة أكثر حين قال: “الناس ميّالون إلى الخير إذا أُعطوا الظروف الملائمة”. هذا الإيمان بفطرية الخير الجماعي لا الفرداني، جعل الثقافة السياسية الصينية تركز على بناء الانسجام بدل معاقبة الانحراف. واليوم، يعيد الرئيس شي جين بينغ توظيف هذه المنظومة الأخلاقية في خطابه، حيث الدولة «أم رؤوم» لا مجرد آلية قانونية. الذاكرة كرافعة للتماسك في كتاباته، يؤكد المفكر لي زاوهوا (Li Zehou)، أحد أبرز الفلاسفة المعاصرين، أن جوهر الفلسفة الصينية ليس الميتافيزيقا، بل «كيف نحيا بشكل جميل في عالم غير مكتمل». هذا التركيز على الحياة اليومية كفضاء للفكر جعل الأدب والطعام والشاي والتأمل أدوات مقاومة للانقسام، لا مجرد ترف ثقافي. طقوس الشاي مثلاً ليست لحظة استهلاك، بل تمرين على الصبر، الانتباه، والانخراط في الإيقاع البطيء للزمن. الأدب الصيني، من شعر تانغ إلى روايات لو شون ومو يان، يُعيد سرد المأساة لا لتمجيد الحزن، بل لترسيخ فكرة أن الإنسان لا ينجو فردياً، بل عبر الجماعة. في مجتمع يشرب القصص كما يشرب الشاي، تصبح الذاكرة الجماعية خزّاناً للاستقرار، لا فقط أداة للحنين. هذا الانسجام، في لحظة تصاعد الحروب الهوياتية عالمياً، يعطي الصين نقطة قوة إستراتيجية: فهي لا تحتاج إلى إقناع نفسها بكونها «واحدة»، لأنها كذلك فعلياً، على المستوى العميق من اللغة، الطقوس، والرموز الانسجام مقابل التفكك تعيش دول مثل الولايات المتحدة أو البرازيل أو الهند تحدياً مزدوجاً: تنوع هائل في الأعراق والثقافات، يقابله غياب عقد رمزي موحِّد. يُحتفى بهذا التعدد في الخطاب، ولكنه غالباً ما يُترجم إلى صراعات سياسية وهوياتية لا تنتهي. أمّا الصين، ورغم وجود أقليات دينية وعرقية، فقد نجحت – إلى حد بعيد – في خلق سردية جامعة، بفضل وحدة الغالبية (الهان) وتراكم طبقات من الفهم المشترك للحياة، والمعنى، والدولة. المفكر الطاوي تشوانغ تسي (Zhuangzi) كتب: «الحكيم لا يسعى إلى السيطرة، بل إلى الانسجام مع تدفق الأشياء». هذه المقولة تُلخّص ما يمكن أن نسميه «الإستراتيجية الناعمة» للصين: بناء القوة لا عبر الإكراه، بل عبر التناسق الداخلي. هذا الانسجام، في لحظة تصاعد الحروب الهوياتية عالمياً، يعطي الصين نقطة قوة إستراتيجية: فهي لا تحتاج إلى إقناع نفسها بكونها «واحدة»، لأنها كذلك فعلياً، على المستوى العميق من اللغة، الطقوس، والرموز. عن الأنا والنحن في ضوء الدراسات الحديثة حول السلوك الجمعي للنمل، تبرز فكرة مثيرة تفكّك مفاهيمنا التقليدية عن «الفرد». فقد أثبتت أبحاث في علم الإيثولوجيا والسلوك العصبي الجماعي أن النملة لا تُدرك ذاتها ككائن مستقل، بل تتصرّف وكأنها جزء عضوي من «فائقة كائن» (superorganism) هو المستعمرة نفسها. النملة لا تقول «أنا»، بل تفكّر وتتحرّك و«تضحّي» في سياق «نحن» متجذّرة، حيث الهوية لا تُشتق من الانفصال بل من الذوبان. هذه الفرضية العلمية يمكن إسقاطها بتأنٍ على فلسفة الشعب الصيني، الذي غالباً ما يُنظر إليه من الخارج ككتلة بشرية ذات انضباط هائل، قادرة على التضحية الفردية في سبيل رفعة الجماعة، ومهجوسة بالتماسك أكثر من الحرية. فالصيني – في المخيال الثقافي الجماعي الذي شكّله الكونفوشيوسية، والماوية لاحقاً – لا يتعامل مع «الذات» كقيمة مطلقة، بل كدالة اجتماعية، تتحقق فقط عبر أدائها داخل الجماعة. من هنا، يمكن فهم الفعل الصيني لا كمجرد طاعة للسلطة، بل كامتثال غريزي عميق لبنية «نحلية» أو «نملية» في الوعي، تجعل من الـ«نحن» شرطاً لوجود الـ«أنا»، لا العكس. وهو ما يفسر كيف يتقدّم الفرد داخل المنظومة الصينية دون أن يعترض على تلاشي اسمه لصالح المشروع العام، أو كيف يمكن تعبئة ملايين العمال في لحظة، لبناء مستشفى أو سد، أو تغيير نمط إنتاج، دون الحاجة إلى احتجاج أو تحفيز فرداني. ليست هذه مجرد طاعة، بل نمط أنطولوجي مختلف في فهم الذات: الفرد كخلية، لا ككيان. وكما لا وجود للنملة خارج مستعمرتها، فإن الوعي الصيني الكلاسيكي لا يرى معنى لحياة الإنسان خارج الجماعة. تلك ليست عبودية، بل فلسفة.
“النحن” شرط لوجود “الأنا” لا العكس عبد الحليم حمود الأخبار اللبنانية – 21 أيار 2025



