العراق: تسعيرة المولدات تُشعل احتجاجات في كركوك… والبصرة تستعد لـ”الفتح الأكبر”

العراق: تسعيرة المولدات تُشعل احتجاجات في كركوك… والبصرة تستعد لـ”الفتح الأكبر”
مشرق ريسان
بغداد ـ : لم تهدأ محافظة كركوك الغنيّة بالنفط، وإحدى أبرز المدن العراقية المتنازع عليها بين بغداد وأربيل، خلال اليومين الماضيين، بسبب قرار محلّي حدّد سعر “أمبير” الكهرباء للمولدات الأهلية، أسهم في إشعال فتيل احتجاجات شعبية طالت عموم مناطق المدينة، وسط غياب الإدارة المركزية للمحافظة، المتمثلة بمنصب المحافظ.
بداية الأزمة
الأحداث بدأت عندما حددت قائمقامية قضاء مركز كركوك، سعر “أمبير” كهرباء المولدات الأهلية بـ18 ألف دينار (نحو 12 دولاراً) للشهر، بعد أن كان 15 ألفاً (نحو 10 دولارات)، وعزت السبب في ذلك إلى قلة ساعات تجهيز الكهرباء الوطنية وارتفاع أسعار الوقود.
وأعلن هاوري زنكنة، مسؤول الشؤون الإدارية في قائمقامية كركوك، الأحد الماضي، خلال مؤتمر صحافي أنه “تم تحديد سعر الأمبير الواحد لكهرباء المولدات في كافة أحياء ومناطق كركوك بـ 18 ألف دينار”.
وأشار إلى وجود عدة أسباب وراء هذا الارتفاع، من أبرزها “تردي واقع الكهرباء الوطنية وارتفاع أسعار زيت الغاز (المازوت) في السوق السوداء”، مضيفاً: “بلغ سعر برميل زيت الغاز في السوق حالياً 280 ألف دينار، وهو ما شكّل عبئاً مالياً كبيراً على عاتق أصحاب المولدات”.
خرج أهالي مدن كركوك في احتجاجات ليلية رفضاً لرفع تسعيرة الطاقة الكهربائية الجديدة، وسرعان ما شملت أيضاً مطالب أخرى تتعلق بتوفير الخدمات وتحسين المستوى المعيشي
وانتقد تقليص الحصة الحكومية المدعومة من الوقود، موضحاً أن “شركة توزيع المنتجات النفطية لا توفر سوى 20 لتراً من الوقود بالسعر المدعوم لكل (كي في أي)، وهذه الكمية لا تكفي إلا لتشغيل المولدات لمدة 109 ساعات فقط خلال الشهر، في حين أنها شُغلت لأضعاف ذلك الوقت”.
وحذر أصحاب المولدات، مشدداً على ضرورة “الالتزام بالتسعيرة والجدول الزمني المحدد”، داعياً المواطنين إلى “تقديم الشكاوى عند رصد أي مخالفة ليتسنى اتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين”.
وعلى خلفية هذا القرار، خرج أهالي مدن كركوك في احتجاجات ليلية رفضاً لرفع تسعيرة الطاقة الكهربائية الجديدة، وسرعان ما شملت أيضاً مطالب أخرى تتعلق بتوفير الخدمات وتحسين المستوى المعيشي للمواطنين.
وسرعان ما اتسعت رقعة الاحتجاج، حتى وصل الأمر لقطع طرق رئيسة وصدامات بين المحتجين وقوات الأمن، والتهديد بخروج الأوضاع عن السيطرة، الأمر الذي استدعى تدخل قوات الجيش في بعض الحالات.
وفي إجراء للحكومة المحلية لامتصاص الأزمة، بادرت قائمقامية كركوك بإعلان تخفيض السعر الشهري “للأمبير” إلى 15 ألف دينار، قبل أن تقرر لاحقاً إجراء تخفيض ثانٍ إلى 13 ألف دينار، واعتماد هذا السعر حتى نهاية تشرين الثاني/ نوفمبر الجاري، مع استمرار الاحتجاجات.
وقال رئيس مجلس محافظة كركوك، محمد إبراهيم الحافظ، في مؤتمر صحافي إن “المجلس اتخذ قرارات لتنظيم عمل المولدات الأهلية ومعالجة المشكلات المرتبطة بتجهيز الوقود وتحديد الأسعار”، موضحاً أن “الحسابات شملت الفترة من 9 أيلول/ سبتمبر إلى 12 تشرين الأول /أكتوبر، أي نحو 33 يوماً”.
وأوضح أن “المجلس قرر مفاتحة وزارة النفط للمطالبة بزيادة حصة المحافظة من النفط والغاز بنسبة 30%”.
وأكد “تحريك شكوى بحق اللجان السابقة بسبب تراكم المشكلات المالية وترحيلها إلى الفترات الحالية”، مشيراً إلى “التنسيق مع قيادة عمليات كركوك وقيادة الشرطة لتنفيذ التسعيرة الجديدة ومحاسبة المخالفين وفق الإجراءات القانونية”.
جبهة جديدة
على الرغم من أن قرار مجلس المحافظة تخفيض سعر الأمبير أسهم في تهدئة الشارع الكركوكي الغاضب، غير إنه فتح جبهة جديدة مع أصحاب المولدات الأهلية، الذين أعلنوا إضراباً مفتوحاً، وخرجوا في احتجاجات ترفض اعتماد السعر الجديد.
الأجواء التي رافقت هذه الاحتجاجات تشبه إلى حدٍّ كبير ما جرى مع الأهالي، قبل أن تتدخل قوات الشرطة لتفريق جموع المحتجين، وتلقي القبض على أربعة مما وصفتهم بـ”المتورطين بأحداث كركوك”.
قائد عمليات كركوك اللواء الركن معد بداي، أفاد في تصريحات صحافية أمس، بأن “قوات الجيش قامت مع الشرطة بفتح الطرق بالمدينة عقب إغلاقها من المتظاهرين الذين تظاهروا احتجاجا على ايقاف اصحاب المولدات تشغيل مولداتهم بسبب سعر الكازولين المشغل لمولداتهم”.
قوات الجيش قامت مع الشرطة بفتح الطرق بالمدينة عقب إغلاقها من المتظاهرين
وكانت قيادة شرطة كركوك قد شددت على ضرورة الالتزام الكامل بتوقيتات تشغيل المولدات الأهلية المعتمدة من قبل الإدارة المحلية، مؤكدة اتخاذ إجراءات بحق المخالفين.
وقالت القيادة في بيان إنها “وجهت أصحاب المولدات الأهلية بضرورة التقيد بتوقيتات التشغيل المقررة، بما يضمن استقرار الخدمات والحفاظ على النظام العام في المحافظة”.
وأكدت أنها “لن تسمح لأي شخص أو جهة باستغلال ملف المولدات لتعكير صفو السلم الأهلي أو إثارة الفوضى في الشارع”، مشددة على “التعامل بحزم مع أي محاولات للإخلال بالأمن أو مخالفة التعليمات النافذة”.
دعم سياسي
في الموازاة، حظيت الاحتجاجات في كركوك بدعم سياسي، إذ وجّه آسو مامند، عضو المكتب السياسي مسؤول تنظيمات كركوك – صلاح الدين “للاتحاد الوطني” الكردستاني، رسالةً إلى أهالي محافظة كركوك، أبدى فيها حرص حزبه على معيشة المواطنين، ورفضه تحميلهم أعباء مالية إضافية.
وأكد آسو مامند في بيان صحافي أورده إعلام حزبه “رفضه القاطع لأي مساس بقوت ومعيشة المواطنين”، مطالباً الجهات المعنية بـ”اتخاذ إجراءات سريعة وفورية لخفض أسعار أمبيرات المولدات الأهلية في عموم محافظة كركوك”، فيما أشار إلى أن “المواطنين لم يعودوا قادرين على تحمل المزيد من الأعباء المعيشية في ظل الظروف والاضطرابات التي تشهدها المنطقة”.
وفي ختام رسالته، دعا السياسي المُنتمي للحزب الذي يتزعمه بافل جلال طالباني، أهالي كركوك إلى “الحفاظ على الاستقرار والأمن”، مجدداً التأكيد على “الوقوف إلى جانبهم ودعمهم بشتى السبل لتجاوز هذه التحديات”.
وبالتزامن، أعلن مكتب تنظيم كركوك وكرميان – خانقين للحزب “الديمقراطي” الكردستاني، “دعمه الكامل والمطلق” للمطالب المشروعة لمواطني مدينة كركوك الاحتجاجية ضد ارتفاع أسعار المولدات الأهلية، داعياً الحكومة الاتحادية والجهات المعنية إلى اتخاذ قرار عادل يضمن خفض الأسعار وتوفير الوقود المدعوم لأصحاب المولدات.
أعلن مكتب تنظيم كركوك وكرميان – خانقين للحزب “الديمقراطي” الكردستاني، “دعمه الكامل والمطلق” للمطالب المشروعة لمواطني مدينة كركوك
وطالب بيان صادر عن المكتب الأجهزة الأمنية والمؤسسات المختصة بـ”التعامل بمسؤولية عالية مع التظاهرات والابتعاد التام عن استخدام العنف ضد المحتجّين”، مؤكداً أن “التظاهر والتعبير عن المطالب الخدمية حق مشروع كفله القانون ويجب احترامه من قِبل السلطات الإجرائية”.
وأوضح الحزب أن “الارتفاع الأخير في أسعار كهرباء المولدات فرض أعباءً مالية وضغوطاً معيشية شاقة على كاهل الكسبة وذوي الدخل المحدود في كركوك وأطرافها”، مشدداً في الوقت ذاته على ضرورة “صون حقوق أصحاب المولدات كشريحة كاسبة من خلال تزويدهم بالحالة الوقودية المدعومة لضمان استمرار تقديم الخدمة دون تكبد خسائر مالية”.
وأشار البيان إلى أن الحزب الديمقراطي الكردستاني “يواصل تحركاته عبر كتلته في مجلس محافظة كركوك للدفاع عن حقوق جميع مكونات وشرائح المدينة”.
فراغ إداري
تسارع الأحداث في كركوك وتطوراتها جاءت وسط فراغ إداري يتمثل بغياب المحافظ، محمد سمعان آغا، الذي تسلم منصبه وزيراً للدولة في الحكومة الاتحادية، من دون تعيين بديل منه في منصب المحافظ، الذي من المقرر أن يبقى من حصّة التركمان حتى نهاية هذا العام، وفق اتفاق سياسي سابق.
ووجه سمعان آغا، بياناً إلى الرأي العام في كركوك أمس الثلاثاء، دعا فيه إلى “إنهاء التظاهرات في المحافظة”، معتبراً أن سبب الأزمة هو “استهداف للمحافظ”.
وقال إن “السبب الحقيقي وراء الأزمة هو بسبب قلة ساعات تزويد الكهرباء الوطني وقلة حصة مادة زيت الغاز (كاز) لمحافظة كركوك والخلل ليس في الإدارة المحلية لكركوك كما تتم إثارته”، مضيفاً أن “الهدف من خلق هذه الأزمة هو استهداف المحافظ التركماني ليس غيره”.
وجه سمعان آغا، بياناً إلى الرأي العام في كركوك دعا فيه إلى “إنهاء التظاهرات في المحافظة”، معتبراً أن سبب الأزمة هو “استهداف للمحافظ”
وأشار إلى أن “سعر برميل زيت الغاز التجاري ارتفع إلى 260 ألف دينار، مقارنة بـ 50 ألف دينار في عهد المحافظ الأسبق راكان الجبوري (العربي)، و117 ألف دينار في عهد المحافظ السابق ريبوار طه (الكردي)، معتبراً أن “ارتفاع سعر الأمبير طبيعي بسبب هذا الفارق”.
وذكر آغا أنه “في عهد المحافظ الأسبق نجم الدين كريم، كان سعر الأمبير 3000 دينار، لأن مادة زيت الغاز كانت توزع مجاناً أو بسعر مدعوم، بالإضافة إلى تزويد المحافظة بـ 150 ميغاواط من الكهرباء من قبل أحد المستثمرين”.
وأكد أن “أصوات المحتجين وصلت إلى رئيس الوزراء، وقد يصدر قرار بإحالة ملف تسعيرة المولدات إلى هيئة النزاهة ومحاسبة المقصرين”، كاشفاً عن “زيارة لجنة إلى كركوك يوم الأربعاء (اليوم) للوقوف على الأزمة وإيجاد حلول جذرية لا ترقيعية”.
وحث آغا على “إنهاء التظاهرات والحفاظ على استقرار المحافظة وعدم فسح المجال للمتصيدين في الماء العكر”، مشدداً على أن “أمن كركوك أمانة في أعناقنا جميعاً وأهم من كل المسميات أو الأزمات”.
وقبل أيام، أكد سمعان آغا، عزمه تقديم استقالته من منصب محافظ كركوك عند عقد مجلس المحافظة جلسة لاختيار مرشح من المكون التركماني لتولي المنصب، مشدداً على ضرورة الالتزام بالاتفاق السياسي الذي تشكلت بموجبه إدارة المحافظة، حسب موقع “رووداو”.
ومن المقرر أن تقدّم الجبهة التركمانية العراقية ثلاثة مرشحين إلى مجلس محافظة كركوك لاختيار أحدهم خلفاً لسمعان أغا، على أن يبقى منصب المحافظ بيد المكون التركماني حتى نهاية العام، بموجب اتفاق لتناوب المنصب بين القوى السياسية التركمانية والكردية والعربية في المحافظة.
دعا النائب عن كتلة “الصادقون” النيابية، عدي عواد التميمي رئيس مجلس الوزراء علي الزيدي إلى زيارة محافظة البصرة
إلى ذلك، دعا النائب عن كتلة “الصادقون” النيابية، عدي عواد التميمي، أمس الثلاثاء، رئيس مجلس الوزراء علي الزيدي إلى زيارة محافظة البصرة أقصى جنوب العراق، وذلك على خلفية دعوات لتنظيم احتجاجات واسعة في مناطق شمالي المحافظة للمطالبة بتحسين الخدمات.
وقال في بيان “أدعو رئيس مجلس الوزراء إلى زيارة محافظة البصرة، واللقاء بقادة هذا الحراك والاستماع مباشرة إلى مطالبهم، ولا سيما أنهم يضمون نخبة من رجال الدين الذين لبّوا نداء الوطن والمرجعية، إلى جانب مجموعة من الشباب الذين يُعدّون من خيرة شباب العراق، ويحملون مطالب تستحق الاستماع إليها والتعامل معها بمسؤولية واهتمام”.
كما أشاد النائب بـ”جهود الأجهزة الأمنية في التعامل مع المتظاهرين”، قائلاً: “أود أن أشيد بالجهود التي تبذلها قيادة شرطة محافظة البصرة، ولا سيما اللواء علي مشاري، وإخوته من منتسبي الأجهزة الأمنية، في التعامل مع المتظاهرين، وما يبذلونه من جهود في سبيل الحفاظ على الأمن والاستقرار، والتعامل بروح المسؤولية مع الحراك الجماهيري”.
واختتم النائب الذي ينتمي للكتلة التي تمثّل حركة “عصائب أهل الحق”، بزعامة قيس الخزعلي، في البرلمان الاتحادي، بيانه بالتأكيد على أن “المرحلة تتطلب الإصغاء إلى صوت المواطنين، والتعامل مع مطالبهم بروح وطنية، بما يعزز الثقة المتبادلة ويحفظ أمن البصرة واستقرارها”.
تلبية مطالب الشعب
في الأثناء، دعا النائب عن كتلة “الأساس”، علاء الحيدري، رئيس الوزراء العراقي أيضاً إلى تلبية مطالب المتظاهرين.
وقال في “تدوينة” له إن “على الأخ (رئيس الوزراء) التوجيه العاجل لتلبية مطالب متظاهري شمال البصرة المشروعة، قبل ان يحصل ما لا يرتضي به أحد، بسبب الإهمال الحقيقي”، على حدّ وصفه.
وشهدت محافظة البصرة، وتحديداً مناطق شمال المحافظة وقضاء الصادق، حراكاً وتظاهرات للمطالبة بالحقوق الخدمية والاقتصادية.
ويستعد قائد “حراك الصادق”، رجل الدين الشيعي، هيثم المنصوري، إلى تنظيم احتجاجات واسعة في المدينة، أطلق عليها اسم “مسيرة الفتح الأكبر”.
شهدت محافظة البصرة، وتحديداً مناطق شمال المحافظة وقضاء الصادق، حراكاً وتظاهرات للمطالبة بالحقوق الخدمية والاقتصادية
وذكر المنصوري في “تدوينة” له: “نداء ونخوة إلى إخوتي وأبنائي الغيارى من أصحاب السيارات، غداً نريدها فزعة تسجلون فيها فخراً باسمكم. هناك الآلاف من الشباب والرجال يناشدون، ويقولون نريد أن نذهب إلى مسيرة الفتح في يوم غد، ولكن ليس لدينا وسيلة نقل، فنخوتي لكم أيها الغيارى بأن تعتبروا يوم غد هو يومكم وتضعوا سياراتكم بخدمة اهلكم وتنقلوا هؤلاء الغيارى إلى الساحات. ونخوتي ودعوتي للميسورين وأصحاب المواكب بزيادة الدعم من ماء ومواد غذائية إلى فرسان المسيرة”.
وأضاف: “غداً مسيرة الفتح الأكبر. مرحباً بعشائر الصادق التي أبكتني فخراً. مرحباً بأصحاب الشيبة الكرام والشباب الأبطال. مرحباً باللجان المنظمة واللجان الأمنية وأصحاب الدعم اللوجستي. مرحباً وشكراً للنساء التي ولدت تلك الضياغم”.
وتابع: “مرحباً بالمساندين من أبناء شمال البصرة ومن المناطق الأخرى. مرحباً بقواتنا الأمنية الذين أبدوا وما زالوا يبدون التعاون الكبير. مرحباً بالقنوات ووسائل الإعلام التي تغطي هذه الملحمة السلمية التي تشبه مسيرة الأربعين”، حسب وصفه.
ونوه المنصوري إلى أن “كثيراً من النساء العظيمات في قضاء الصادق أرسلن لي رسائل يطلبن المشاركة في المسيرة والمساهمة في تقديم الطعام، والدعم اللوجستي، فجزّيتهن خيراً، وقلت لهن بأن أولادكن وإخوانكن وأزواجكن قد كفّوا وأوفوا ونكتفي منكن بالدعاء لهم”.
“القدس العربي”




