مقالات
العراق يحتضر… فهل تنقذ المعارضة الوطنية ما تبقّى؟ د. وَائِلْ اَلْقَيْسِي
د. وَائِلْ اَلْقَيْسِي

العراق يحتضر… فهل تنقذ المعارضة الوطنية ما تبقّى؟
د. وَائِلْ اَلْقَيْسِي
لم يعد لدى المواطن العراقي متسعٌ من الوقت لانتظار معارك دونكيشوتية حول وهم الشرعية النضالية، أو قراءة بيانات إنشائية تُكتب في الغرف المكيفة. فالمواطن اليوم يطحنه رصيفُ اليوميات، وبعضهم لا يجد إلا رغيفاً يابساً يتناوله على رائحة دخان شواء الكباب الذي يلتهمه الفاسدون. والمضحك المبكي أن هؤلاء الفاسدين يحاسبون الفقراء حتى على دخان الكباب، على غرار قصة الحديدة التي طالب السلطان الجائر بمصادرتها من الشعب.
يهيم المواطن على وجهه بحثاً عن لقمة عيش كريمة، ويواجه أزمات مياه حادة، ومستشفيات متهالكة، وتعليماً منهاراً، وسطوة السلاح الميليشياوي، وسجون تغصّ بمئات آلاف المعتقلين من وطنيين ومقاومين وقادة وضباط ومناضلين من رجال العهد الوطني الذي هزم إيران وجرّع الخميني السيخي السم الزعاف، وحكومة عرجاء عوراء، ورويبضة، وتبعيةً مطلقة للتدخلات الخارجية والأجنبية، وعلى رأسها الإحتلال الإيراني والهيمنة الأميركية.
إن وجع الشارع العراقي حقيقي، ولا يمكن لمن يريد إنقاذ الوطن أن يظل غارقاً في صراعات الماضي، متجاهلاً بؤس الحاضر.
إن كبرى خطايا «المعارضة الوطنية»، ولا أستثني أحداً منهم، هي التشرذم، والعداء، وتنـكيل بعضهم ببعض، وادعاء أحقية امتلاك صفة القيادة والشرعية، والأنانية الفجّة، فكلٌّ منهم مزرعةٌ لرؤوس البصل، وأغلبهم أن حضر لا يُعَد وإن غاب لا يُفتَقَد.
اليوم، الخاسر الوحيد هو الوطن والشعب، والمستفيد الأوحد من هذا التشرذم هو منظومة الفساد والعمالة والإجرام والتبعية التي تنهب ثروات العراق لصالح إيران أولا ونفسها ثانيا. فالعدو الحقيقي يزداد قوة كلما غرق المعارضون في تصفية حساباتهم البينية، وهو ما أفقد الشارع ثقته بأي بديل سياسي.
وحقيقة الأمر أن هموم أغلبهم تتمثل في حيازة المال، والإثراء، والنساء، والبحث عن الجاه والوجاهة وكأنهم يعيشون في بروج عاجية.
انه مجرد هذيان عاشقٍ مسكونٍ بحب العراق، فلا تعذلوني بحبه.
إن المسؤولية الوطنية اليوم تفرض معادلة واضحة المعالم والأدوار: الداخل هو الأصل، والخارج هو السند.
إن المواطن والشباب الواعي والمثقف، وحتى البسيط منهم، داخل العراق، هم قادة الميدان وأصحاب الوجع الحقيقي، وهم من يجب أن تتوحّد الجهود من أجل إنصافهم وحمايتهم. أما النخب والقيادات الموجودة في الخارج، فعليهم واجب أخلاقي وتاريخي، إذ يمتلكون نعمة الحرية والأمان والدولار التي حُرم منها أهل الداخل. وواجب الخارج ليس التنافس على المناصب والمكاسب والألقاب الافتراضية، بل التحرّك السياسي والإعلامي المكثف، وطرق أبواب حكومات العالم والمنظمات الدولية لتدويل القضية العراقية، والضغط على المحيط العربي للتوقف عن مجاملة الحكومات التابعة لإيران والدول الأخرى وتأييدها، وتحويل دفة الدعم ليكون إيجابياً ومؤثراً في إنقاذ العراق.
ولتحقيق هذا الاختراق الدولي والعربي، لا بد من كسر حالة التهميش المتعمد للكفاءات والخبرات العراقية الوازنة، والاستعانة فوراً بالشخصيات القيادية والفكرية والأكاديمية، والسفراء السابقين المخلصين منهم، والعلماء العراقيين المعروفين بمواقفهم الوطنية الثابتة، ونظافة اليد، والسمعة الطيبة.
إن تصدير قامات تمتلك شبكة علاقات دبلوماسية واسعة ومقبولية كبيرة في الداخل والخارج، على سبيل المثال لا الحصر: الدكتور ناجي صبري الحديثي، والدكتور محمد مهدي صالح، ومحمود ذياب الأحمد، وسمير الشيخلي، وغيرهم من الكفاءات، هو الخطوة الأساسية لتقديم واجهة وطنية رصينة ومحترمة أمام العالم. فهذه الشخصيات لا تبحث عن مناصب، بل تمثل ثروة استراتيجية وخبرة إدارية ودبلوماسية قادرة على تفكيك العزلة وفتح الأبواب المغلقة لصالح القضية العراقية.
ولترجمة هذا الوجع وهذه الخبرات إلى حراك حقيقي، يجب على الجميع النزول عن بغلة العناد، والالتفاف حول «خيمة وطنية جامعة»، وفق خارطة طريق عملية، من خلال عقد مؤتمرات قُطرية عاجلة وشاملة وسريّة في كل بلد يتواجدون فيه. وعلى كوادر حزب البعث في كل دولة يوجدون فيها أن تتحمل مسؤولية عقد هذه المؤتمرات التنظيمية العاجلة، وأن تؤسّس على قاعدة وطنية تعتمد الشراكة الوطنية العابرة للحزبية. وألا يقتصر المؤتمر على البعثيين، بل يُفتح ليشمل كل تجمع أو تنظيم أو مجلس أو جماعة تنتهج طريق المعارضة، بالإضافة إلى الشخصيات الوطنية المستقلة، مع التوافق على اختيار قيادة وطنية موحّدة وشاملة، بتفويض كامل، وأن تُفوَّض رسمياً وتستعين بالرموز والخبرات الدبلوماسية المذكورة، لتكون الواجهة الرسمية والممثل الشرعي للمعارضة الوطنية أمام المجتمع الدولي والعربي.
وعليها أن تعمل على تجميد الخلافات البينية، والعمل على المشتركات، وترحيل كافة الملفات الخلافية الحزبية والشخصية الضيقة إلى مرحلة ما بعد تحرير العراق وبناء دولة المواطنة.
أما لماذا يتحمل البعثيون مسؤولية هذا السعي والجهد والعمل للقيام بهذا الدور؟!
فلأنهم الأعرف والأكثر دراية وخبرة بكل حيثيات ما يجري داخلياً وخارجياً، ولأن المسؤولية تقع على عاتقهم، إذ كانوا ولا يزالون الرقم الأصعب في المعادلة، ولأن شعارهم: «أول من يضحي وآخر من يستفيد». ولأن النضال والتضحية المفترضة فيهم يقتضيان أن يتقنوا، باحترافية عالية، اللعب على رؤوس الأفاعي. والأهم من ذلك كله أن فكرهم وعقيدتهم يلامسان مشاعر العراقيين ومصالحهم في الأعماق، حتى عند أولئك الذين لا يؤمنون بالحزب، لكنهم يؤمنون بالعراق وشعبه وعروبته وسيادته الحقيقية، لا بسيادة الوهم التي يدّعيها المحتفلون بها اليوم.
إن استمرار هذا التشتت خيانةٌ لوجع العراقيين.
لقد شبع الشعب شعارات، واليوم ينتظر فعلاً حقيقياً يعيد إلى العراق سيادته، وإلى المواطن كرامته. فالوطن يحتضر، والتاريخ لن يرحم المتفرجين أو الأنانيين الذين فضّلوا خلافاتهم الحزبية على أنين شعبٍ كاملٍ ومستقبله، وشعار الأحرار دائما وابدا : ضرب الخناجر ولا حكم النذل فينا.
See less




