مقالات

العنصرية ضد المواطنين العرب في إسرائيل؛ من القيادة إلى الجمهور والعكس

العنصرية ضد المواطنين العرب في إسرائيل؛ من القيادة إلى الجمهور والعكس

محمود ميعاري

تستخدم إسرائيل عملية الأمننة (securitization) كأداة مركزية لإدارة شؤون مواطنيها العرب؛ عبرها يتم تحويل قضية اجتماعية مدنية إلى مسألة أمنية، بحيث لا تُدار بمنطق الحقوق والعدالة والمساواة، وإنما بمنطق “الخطر الأمني”…

العنصرية في إسرائيل ضد المواطنين العرب ليست حالة استثنائية ولا مجرد ممارسات فردية، بل هي عنصرية بنيوية (Structural Racism)، أي أنها تتجسد في بنية الدولة (القوانين، السياسات العامة، مؤسسات الدولة، وأنماط توزيع الموارد). فإسرائيل تُعرِّف نفسها قانونيًا كـ”دولة يهودية”، لا كدولة لجميع مواطنيها. هذا التعريف يخلق تراتبية في المواطَنة؛ فاليهود، مهاجرون أو أبناء مهاجرين، مواطنون من الدرجة الأولى، وهم أصحاب السيادة الجماعية في البلاد. والعرب، وهم سكان البلاد الأصليون، مواطنون من الدرجة الثانية، وبلا حقوق جماعية معترف بها. وجاء قانون القومية (2018) ليكرّس العنصرية ضد المواطنين العرب، فقد أقرّ أن حق تقرير المصير في البلاد حصري للشعب اليهودي، وأضعف مكانة اللغة العربية من لغة رسمية إلى لغة “ذات مكانة خاصة”، وشجّع الاستيطان اليهودي في كل فلسطين بوصفه “قيمة قومية”.

تخترق العنصرية في إسرائيل مؤسسات الدولة وسياساتها، التي صُمِّمت لخدمة جماعة سيادية واحدة، هي الأغلبية اليهودية. وتطبّق المؤسسات الإسرائيلية هذه السياسات على المواطنين العرب، دون أن يشارك هؤلاء في صنعها ودون أن تُؤخَذ احتياجاتهم بالحسبان، ما ينتج عن ذلك تمييز واضح وعنصرية فاضحة. ومن بين مؤسسات الدولة التي تمارس التمييز والعنصرية ضد المواطنين العرب المؤسسات الفاعلة في مجال الأرض والتخطيط، وبخاصة الصندوق القومي اليهودي ولجان التخطيط والبناء القطرية، ما يجعل التخطيط أداة لمصادرة الأراضي العربية وبناء مستوطنات يهودية عليها. ويتجسد التمييز والعنصرية في السياسات والمناهج التعليمية التي يضعها جهاز التربية والتعليم، المشبعة بالقيم والمضامين والسرديات اليهودية والصهيونية، والتي تُطبَّق على المدارس اليهودية والعربية على حد سواء، هذا بالإضافة إلى وجود رقابة سياسية كبيرة على التعليم العربي وفجوات كبيرة في التمويل بين التعليم اليهودي والتعليم العربي.

تستخدم إسرائيل عملية الأمننة (securitization) كأداة مركزية لإدارة شؤون مواطنيها العرب؛ عبرها يتم تحويل قضية اجتماعية مدنية إلى مسألة أمنية، بحيث لا تُدار بمنطق الحقوق والعدالة والمساواة، وإنما بمنطق “الخطر الأمني”. فالمواطن العربي لا يُعامَل كمواطن كامل الحقوق، وإنما كـ”خطر كامن” أو كتهديد أمني محتمل، ما يبرر الضبط والقمع والتمييز والعنصرية ضده. وهكذا يتم التعامل مع قضايا مدنية للمواطنين العرب، مثل حرية التعبير والتوظيف والترخيص والبناء والتعليم والعمل السياسي، من منظور أمني، ولا تُعامَل كقضايا مدنية خالصة. وتتعامل الشرطة الإسرائيلية مع المواطنين العرب كجهاز ضبط، لا كجهاز حماية؛ فتنتشر بشكل مكثف عندما يقوم العرب بنشاطات احتجاجية (مظاهرات ومسيرات)، وأحيانًا تطلق عليهم النار، وتغيب الشرطة (أو تتقاعس) عندما تحدث جريمة منظمة (قتل أو إطلاق نار) في المجتمع العربي، مبررة ذلك بأن “طبيعة العرب أن يقتل بعضُهم بعضًا، هذه عقليتهم، ولا يوجد ما يمكن فعله حيال ذلك”، كما ادّعى في أوائل شهر نيسان/أبريل 2023 مفتش الشرطة يعقوب شبتاي في تسجيل مُسرَّب مع وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير (“إسرائيل.. تصريحات عنصرية لقائد الشرطة تثير الغضب في أوساط العرب”).

بالإضافة إلى العنصرية البنيوية، المتجذرة في قوانين الدولة ومؤسساتها وسياساتها، تنتشر العنصرية المعادية للمواطنين العرب في المجتمع اليهودي الإسرائيلي، قيادة ومواطنين عاديين. ففي الفترة الأخيرة كثرت التصريحات العنصرية لمسؤولين إسرائيليين، وبخاصة لرؤساء الأحزاب الصهيونية من الائتلاف الحكومي والمعارضة معًا. فقد أعلن مسؤولون كبار من كل هذه الأحزاب، باستثناء حزب “الديمقراطيين” الذي يتزعمه يئير غولان، عن قرارهم عدم المشاركة في حكومة ائتلافية قادمة تستند إلى أحزاب عربية، متهمين أعضاء الكنيست العرب بأنهم “يؤيدون الإرهاب”. وبشكل عام، ينسجم الإعلام العبري مع مثل هذه التصريحات العنصرية، ونادرًا ما يتم انتقادها أو التحفظ منها. وتصاعدت العنصرية المعادية للعرب أيضًا لدى الجمهور اليهودي في إسرائيل. ففي استطلاع رأي أجرته University Penn State لصالح صحيفة “هآرتس” في شهر آذار/مارس 2025، ونُشر في الصحيفة ذاتها، تبيّن أن 56% من اليهود في إسرائيل يؤيدون طرد المواطنين العرب، و82% يدعمون ترحيل سكان قطاع غزة (“هآرتس”، 22/05/2025). وفي استطلاع رأي سابق أجراه مركز Pew Research Center (واشنطن العاصمة)، قبل نحو عقد من الزمن، تبيّن أن 48% من اليهود الإسرائيليين البالغين يؤيدون طرد المواطنين العرب، و79% يعتقدون أن اليهود في إسرائيل يجب أن يحظوا بمعاملة أفضل من العرب (“تايمز أوف إسرائيل”، 8 آذار/مارس 2016).

من الواضح أن هنالك علاقة جدلية (أو متبادلة) بين عنصرية القيادة الإسرائيلية وعنصرية الجمهور (أو الشعب) الإسرائيلي، فكل منهما تؤثر في الأخرى وتتأثر بها. لكن يبدو أن عنصرية القيادة تؤثر في عنصرية الجمهور أكثر مما تؤثر عنصرية الجمهور في عنصرية القيادة. فالقيادة لا تكتفي بالتعبير عن عنصرية الجمهور، بل هي تُقنن هذه العنصرية، وتجسدها في قوانين وسياسات عامة، وتبررها أخلاقيًا بضرورات الأمن والطوارئ، ثم تمررها، عبر أجهزتها البيروقراطية (غالبًا مع إضافة شروط مثل فحص أمني أو خدمة في الجيش)، إلى الروتين اليومي، فتتحول العنصرية من قرارات أو قوانين أو سياسات إلى ممارسات عادية، متكررة ومقبولة في الحياة اليومية للأفراد والمؤسسات. ثم تصبح العنصرية خطابًا مشروعًا وسياسة قابلة للتنافس في انتخابات الكنيست. مع ذلك، يجب التذكير بأن عنصرية الجمهور اليهودي الإسرائيلي تؤثر أيضًا في عنصرية القيادة السياسية الإسرائيلية. فالجمهور يكافئ الخطاب المتطرف بالتصويت له في الانتخابات، ما يدفع القيادة إلى مزيد من التطرّف. وأخيرًا، يمكن تلخيص هذه العلاقة بالقول إن القيادة تؤسس للعنصرية، من خلال تجسيدها في قوانين ومؤسسات وسياسات، والجمهور يطبّعها ويُسرّعها، من خلال صمته على التصريحات والسياسات والممارسات العنصرية، ومن خلال تصويته لها في الانتخابات.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب