
الكاتب العربي في المهجر… حياة بين غيابين
سعيد خطيبي
تنتشر صورة العربي في وسائل إعلام غربية عندما يتحول إلى ضحية أو جلاد. يُستدعى اسمه إذا سال دمه، لا يظهر وجهه إلا كجثة أو جانٍ. تلتفتُ إليه الكاميرا من غير أن تتلفظ باسمه، بل تكتفي بهويته، وكأن وجوده لا يكتمل إلا في خضم أزمة. ويُستثنى من الحديث عن شؤون علمية، أو نقاشات ثقافية، بل يكاد حضوره ينحصر في مواضيع سياسية، يتحول إلى مادة تُبث في شريط الأخبار العاجلة. وفي الجهة المقابلة، نجد الكاتب العربي في الداخل يقضي وقتا لا بأس به في الحديث عن مؤامرة، في نقد الإعلام الغربي، متهما إياه بتشويه صورة العربي. يتقمص ثوب الناقم، ينتقد الأجانب ويحملهم ما يحصل له من مصائب، يتهمهم بالانحياز وعدم المهنية، ويرى فيهم تحالفا ضد العرب. أما الكاتب العربي في المهجر، فيجد نفسه في موقع مختلف بالكامل، لا يتاح له ترف تكريس وقته للأدب وحده، ولا أن ينصرف إلى الكتابة من دون شواغل أخرى، بل يجد نفسه مضطرا إلى لعب دور تصحيح الصورة، إلى تخليص العربي من الصور النمطية التي تُرسم عنه في إعلام غربي لا يخلو خطابه من الغلو. يخرج الكاتب العربي في المهجر من مشاغله اليومية ليتصدى لخطابات تنطوي على كراهية، ويواجه آلة إعلامية تود إعادة العرب إلى زمن ما قبل الحداثة، كأنهم لم يخرجوا من تبعية الكولونيالية.
بينما ينتقد الكاتب العربي في الداخل الأوضاع من موقع مريح نسبيا، يجد نظيره في المهجر نفسه في الخط الأول، في مواجهة غير متكافئة، يعلم أن أدنى خطأ منه قد يحمله عواقب ثقيلة. يحاول أن يصحح الصور التي تسكن عقول البعض في دول أوروبية أو في أمريكا، ويدافع عن بني جلدته، لأن الناس هناك يثقون في كلام الكاتب أكثر من ثقتهم في كلام الساسة. يصغون إليه ويلتمسون منه رأيا يصوب الأفكار التي ترسبت في أذهانهم عن العرب.
هكذا يخوض الكاتب العربي في المهجر في مواضيع تتراوح بين السياسة وعلم الاجتماع، بين التاريخ وعلم النفس، في محاولة لتخليص هويته وهوية مواطنيه من شوائب الكولونيالية والأحكام المسبقة. ومع ذلك، وعلى الرغم من كل هذه الجهود، يجد الكاتب العربي في المهجر نفسه معزولا في الداخل، بين أهله وزملائه من كتاب الداخل، كأنه غريب عنهم.
يعيش الكاتب العربي في المهجر بين غيابين: غياب الاعتراف به ككاتب في الغرب، إلا بصفته شاهدا سياسيا، وغياب احتضانه في الداخل إلا بصفته موضع ريبة، فهو مدافع عن صورة العرب في مواجهة إعلام لا يتورع عن إطلاق الأحكام، وفي الوقت نفسه يُنظر إليه من بعض زملائه في الداخل نظرة لا تخلو من شك. يظنون أنه يعيش حياة تتماهى مع حياة كتاب أوروبا أو أمريكا، ولا يعلمون أنه يعيش في هشاشة، بعيدا عن أي ترف، منشغلا بتحرير نفسه والآخرين من الصور المشوهة التي أُلصقت بهم، فكلما تخطى كاتب عربي حدود البلاد العربية، ولاسيما إذا وصل إلى أوروبا، تحول رغما عنه إلى مادة سياسية في أعين بعض القراء الغربيين. لا يُسأل عن كتبه، ولا عن حرفة الأدب، ولا عن شخصياته، بل يواجه أسئلة لا تمت بصلة إلى الكتاب الذي بين يديه. يضطر إلى الحديث عن البلاد التي جاء منها، يُسأل عن الدين والحريات، عن ماضي العرب ومستقبلهم، عن حروب وقعت وأخرى تلوح في الأفق. يدخل حلبة لا علاقة لها بالأدب، ويتقمص شخصية لم يتعود عليها، كمن يلبس حذاء أكبر من مقاسه. يصير خبيرا في شؤون استراتيجية، ومطلعا على العلاقات الجيوسياسية. هذه المشقة لا تنطبق على كاتب من اليابان أو كوريا أو أمريكا اللاتينية؛ فالقارئ الغربي يملك عن تلك المناطق ما يكفي من المعلومات، بينما يبدو العالم العربي في نظره فضاء مجهولا، يعرف عنه الخطوط العريضة ويجهل التفاصيل.
من الأدب إلى السجال
يستغل الناس في الغرب ملاقاة كاتب عربي ليشبعوا فضولهم، وليصغوا إلى أجوبة عن أسئلة عالقة. يصل إليهم الكاتب العربي وهو يحمل هوية أدبية، ويغادر الندوة بعد أن يؤدي دورة مكثفة في العلوم السياسية. ينحرف عن موضوع الندوة الأدبية التي جاء من أجلها، ويضطر إلى مسايرة أهواء بعض القراء، مجبرا على تجهيز نفسه بمعارف في الأنثروبولوجيا وعلم الإثنيات وعلوم الدين وسيكولوجيا العرب، لأن ساحة الأدب تتحول أحيانا إلى ساحة سجال. يتمتع الكاتب في أوروبا بمرتبة يحسده عليها رجال السياسة والاقتصاد. يُنظر إليه بوصفه وعي المجتمع وحارس الذاكرة، بغض النظر عن أصوله. يكفي أن يحمل صفة كاتب حتى تمتد إليه الأبصار ويصير محل اهتمام، ويُرجى رأيه في الشأن العام والخاص. غير أن الكاتب العربي في المهجر يعرف حالا مختلفة في بعض الأقطار العربية؛ حيث لا يُسمع له صوت، ويعيش كأنه غير مرغوب فيه.
من شدة التهميش صار بعض الكتاب يخجلون من الإفصاح عن هويتهم، خشية الغمز واللمز. هنا تتبدى المفارقة: في أوروبا يُطلب من الكاتب العربي أكثر مما يحتمل، وفي الداخل يُضيق عليه أو يُشكك في موقعه، بل إن بعض الساسة العرب يريدون منه أن يكون ناطقا باسمهم في المهجر، موظفا يساير خطابهم. فإذا دافع عن حريته أو حقه في الاختلاف، تعاملوا معه كخائن أو عميل. صوته ليس ملكا له، هكذا يظنون، وإذا انطلق بما يوافق قناعته صار عدوا في نظرهم. من هنا تبدأ مشقة الكاتب العربي عندما يغامر خلف الحدود. فهو بين نارين: إما أن يساير الآراء السائدة في بلده، أو يقول ما يؤمن به ليصحح الصورة في أذهان القراء الغربيين. عليه أن يتخذ موقعه في السجال، وأيا كان موقفه فسوف يسمع من يتهمه بالخذلان. هكذا إذن يعيش الكاتب العربي في المهجر بين غيابين: امحاء اسمه كأديب في الخارج، وتحوله إلى مدافع عن صورة العرب في تصحيح النظر إليها، وغياب احتضانه في الداخل. يبذل جهدا مضاعفا ليكتب، وجهدا آخر ليبرر وجوده وفي الدفاع عن صورة بني جلدته، وفي الحالتين يظل معلقا بين صورتين لا تعكسان حقيقته.
كاتب جزائري




