المجلس الوطني الفلسطيني.. لا شرعية بلا شراكة ولا تمثيل بلا توافق

المجلس الوطني الفلسطيني.. لا شرعية بلا شراكة ولا تمثيل بلا توافق
رأي وموقف قانوني وسياسي واستراتيجي
بقلم رئيس التحرير
ليس المجلس الوطني الفلسطيني مجرد مؤسسة يجري استكمال مقاعدها أو إعادة توزيع عضويتها، وليس شأنًا فصائليًا يمكن حسمه بمنطق الأكثرية أو النفوذ. إننا أمام واحدة من أهم قضايا الشرعية الوطنية الفلسطينية، لأن المجلس الوطني، في الإطار المؤسسي لمنظمة التحرير الفلسطينية، يفترض أن يعبر عن الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات، وأن يكون مساحة جامعة للتعددية السياسية والوطنية. وينص النظام الأساسي لمنظمة التحرير على أن الفلسطينيين جميعًا أعضاء طبيعيون فيها، وأن الشعب الفلسطيني هو القاعدة الكبرى للمنظمة.
ومن هنا، فإن الجدل الذي أثاره البيان الأخير للفصائل والقوى الفلسطينية حول إعادة تشكيل المجلس الوطني يستوجب قراءة مسؤولة لا تنحاز إلى طرف، ولا تحول الخلاف السياسي إلى خصومة وطنية. فالاعتراض على آليات التشكيل حق سياسي مشروع، كما أن تطوير المؤسسات وتجديدها ضرورة وطنية، لكن الخطر يبدأ عندما تتحول العملية إلى وسيلة لإقصاء مكونات فلسطينية أو تكريس انقسام جديد داخل المؤسسة الوطنية الجامعة.
والقاعدة القانونية والسياسية هنا واضحة: شرعية المؤسسة لا تنفصل عن شرعية إجراءات تشكيلها وعن مدى تمثيلها لمن يفترض أنها تمثلهم.
ولا بد، في هذا السياق، من التمييز بين التعيين والانتخاب غير المباشر. فالمجمع الانتخابي ليس بالضرورة تعيينًا إذا كان قائمًا على قواعد ديمقراطية واضحة ومتوافق عليها، لكن مشروعية هذا الأسلوب تتوقف على طبيعة تشكيل المجمعات، ومعايير العضوية فيها، ودرجة استقلال العملية الانتخابية، ومدى شمولها لمختلف مكونات الشعب الفلسطيني.
ولهذا فإن المطلوب ليس إصدار أحكام مسبقة، وإنما توفير ضمانات تجعل العملية قابلة للتدقيق والقبول الوطني، وفي مقدمتها الشفافية، والحياد، والتمثيل النسبي، وحق الاعتراض، والرقابة المستقلة.
وفي تقديري، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تتحول إعادة تشكيل المجلس الوطني إلى محطة جديدة لإعادة إنتاج الانقسام الفلسطيني. فالمطلوب في هذه المرحلة منظمة تحرير أكثر اتساعًا، ومجلس وطني أكثر تمثيلًا، ومؤسسات قادرة على مواجهة مشاريع الاحتلال والاستيطان والضم والتهجير، لا مؤسسات تعكس الانقسام وتعيد تدويره.
ومن هنا تأتي ضرورة الحوار الوطني الشامل قبل استكمال أي خطوات خلافية، والتوافق على نظام وآليات واضحة لإعادة تشكيل المجلس الوطني، بحيث يشعر الفلسطيني في القدس والضفة وغزة ومخيمات اللجوء والشتات أن له مكانًا وصوتًا في مؤسسته الوطنية.
والأهم أن تتولى العملية لجنة وطنية انتخابية مستقلة ومحايدة، تحظى بتوافق سياسي ومجتمعي واسع، وتضم شخصيات قانونية وأكاديمية ووطنية مستقلة، بحيث لا تكون خاضعة لأي فصيل أو مؤسسة تنفيذية، وتتولى وضع المعايير والإشراف على تشكيل المجمعات الانتخابية، ومراقبة إجراءات الاقتراع، والنظر في الطعون والاعتراضات، وإعلان النتائج وفق قواعد معلنة.
إن المجلس الوطني المطلوب ليس مجلسًا لفصيل أو تحالف سياسي، وإنما برلمان الكل الفلسطيني؛ ولذلك يجب أن يتسع للقوى السياسية المختلفة، والشخصيات المستقلة، والكفاءات الوطنية، ومؤسسات المجتمع الفلسطيني، وأن يحفظ التعددية دون أن يحولها إلى محاصصة، وأن يحقق الشراكة دون أن يجعلها ذريعة لتعطيل المؤسسات.
كما أن إعادة بناء المجلس الوطني يجب ألا تكون منفصلة عن إعادة تفعيل منظمة التحرير ومؤسساتها، وتعزيز مكانتها التمثيلية، وإعادة تنظيم العلاقة بين مؤسسات المنظمة والسلطة الفلسطينية ضمن رؤية وطنية واضحة.
إن قوة منظمة التحرير لا تقاس فقط بتاريخها ومكانتها، وإنما بقدرتها على تجديد شرعيتها واستيعاب مختلف مكونات الشعب الفلسطيني.
لذلك، فإن الرسالة الأهم اليوم هي: لا إقصاء، ولا استفراد، ولا احتكار للقرار، ولا تعطيل للإصلاح؛ بل انتخابات نزيهة، وحوار وطني، وشراكة سياسية، وتعددية، ومؤسسات تستمد قوتها من اتساع قاعدة تمثيلها.
فإذا كان المجلس الوطني هو عنوان التمثيل الفلسطيني، فإن المحافظة على شرعيته تتطلب أن يكون عنوانًا للوحدة لا سببًا للانقسام. وفي هذه المرحلة المفصلية، لا يحتاج الفلسطينيون إلى معركة جديدة على المقاعد، بل إلى اتفاق على قواعد اللعبة الوطنية نفسها.
المطلوب مجلس وطني يجمع الفلسطينيين لا يقسمهم، ومنظمة تحرير تستوعب التعددية لا تلغيها، وقرار وطني يقوم على الشراكة لا الاستفراد. تلك هي الطريق الأكثر أمانًا لحماية الشرعية الوطنية الفلسطينية وتعزيز القدرة على مواجهة التحديات وصون الحقوق الوطنية المشروعة.
المحامي علي أبوحبلة
