اليمن والسعودية.. آن أوان وقف الحرب والعودة إلى الحوار

اليمن والسعودية.. آن أوان وقف الحرب والعودة إلى الحوار
بقلم:رئيس التحرير
في ظل التصعيد المتجدد في اليمن، وعودة الهجمات المتبادلة بين جماعة أنصار الله الحوثيين والمملكة العربية السعودية، تبرز من جديد حقيقة لا ينبغي تجاهلها: الحرب لا يمكن أن تكون بديلاً دائماً عن السياسة، واستمرارها لن يؤدي إلا إلى مزيد من الخسائر والمعاناة وتهديد أمن المنطقة واستقرارها.
لقد أثبتت سنوات الحرب اليمنية أن الخيار العسكري، مهما بلغت قدرته على تحقيق مكاسب ميدانية مؤقتة، لا يستطيع وحده إنتاج تسوية سياسية مستدامة. وفي المقابل، فإن استمرار الهجمات التي تستهدف الأراضي السعودية والمنشآت والمصالح الحيوية يفاقم المخاطر ويهدد بتوسيع دائرة المواجهة.
ومن هنا فإن الدعوة إلى وقف التصعيد ليست انحيازاً لطرف على حساب طرف، وإنما تعبير عن ضرورة عربية وإنسانية تفرضها حماية المدنيين وحق الشعوب في الأمن والاستقرار.
التقارير الأخيرة تتحدث عن تصعيد عسكري جديد، وهجمات باتجاه الأراضي السعودية، وردود عسكرية مقابلة داخل اليمن. كما تشير التقارير إلى موجة نزوح جديدة في مناطق يمنية، في وقت يعيش فيه الشعب اليمني أصلاً ظروفاً إنسانية واقتصادية بالغة الصعوبة.
ولا ينبغي أن يغيب عن الحسابات السياسية أن أمن المملكة العربية السعودية جزء أساسي من أمن الخليج والمنطقة العربية، كما أن أمن اليمن ووحدته وسيادته واستقراره مصلحة عربية لا تقل أهمية. ولذلك فإن معالجة الأزمة لا يمكن أن تقوم على منطق الغلبة العسكرية، وإنما على معادلة تجمع بين أمن السعودية، ووحدة اليمن، وسيادته، ووقف الاعتداءات، وحماية المدنيين، وحرية الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب.
الحوار هو الطريق
إن العودة إلى المسار السياسي أصبحت أكثر إلحاحاً. والمطلوب ليس مجرد هدنة مؤقتة تسمح للأطراف بإعادة ترتيب أوراقها العسكرية، ثم العودة إلى القتال، وإنما وقف شامل لإطلاق النار يتبعه مسار سياسي واضح بضمانات إقليمية ودولية.
وتستطيع الأمم المتحدة، بدعم عربي وإقليمي، أن تضطلع بدور أساسي في إعادة الأطراف إلى طاولة الحوار، بما يفتح الطريق أمام تسوية يمنية تحافظ على وحدة البلاد وتضع حداً للتدخلات الخارجية وتمنح اليمنيين فرصة إعادة بناء مؤسسات دولتهم واقتصادهم.
كما أن الدول العربية المعنية مطالبة بتغليب لغة الحوار والوساطة، لأن استمرار الصراع اليمني في ظل التوترات الإقليمية المتصاعدة قد يحول اليمن والبحر الأحمر إلى بؤرة جديدة للصراع الإقليمي، بما ينعكس على أمن المنطقة والتجارة الدولية وأسواق الطاقة.
المنطقة لا تحتمل حرباً جديدة
إن اليمن لا يحتمل جولة جديدة من الحرب، والمنطقة العربية ليست بحاجة إلى جبهة إضافية تستنزف مواردها وتعمق انقساماتها.
والسؤال الذي ينبغي أن يطرح اليوم ليس: من يستطيع توجيه الضربة الأقوى؟ وإنما: كيف يمكن وقف دائرة العنف وتهيئة الظروف لسلام دائم؟
فالسلام الحقيقي لا يعني تجاهل المخاوف الأمنية لأي طرف، وإنما معالجتها من خلال ترتيبات سياسية وأمنية قابلة للتنفيذ، تضمن عدم استخدام الأراضي اليمنية للإضرار بدول الجوار، وفي الوقت نفسه تضع حداً للعمليات العسكرية التي يدفع المدنيون ثمنها.
إن وقف الحرب وحقن الدماء يجب أن يكونا أولوية عربية، لأن كلفة الحرب لا يدفعها المتحاربون وحدهم، بل يدفعها المواطن اليمني والسعودي، وتدفعها المنطقة بأسرها.
اليمن بحاجة إلى السلام، والسعودية بحاجة إلى أمن مستدام، والمنطقة بحاجة إلى الاستقرار. وهذه المصالح لا تتحقق بتوسيع الحرب، وإنما بإعطاء الدبلوماسية فرصة حقيقية، والعودة إلى الحوار، وبناء تسوية سياسية تحفظ كرامة اليمنيين وأمن جيرانهم، وتغلق باب الحرب أمام جولات جديدة من الدم والدمار.


