مقالات
انثروبولوجيا الهاتف المحمول بقلم الاستاذ الدكتور عزالدين الدياب -استاذ جامعي دمشق-
بقلم الاستاذ الدكتور عزالدين الدياب -استاذ جامعي دمشق-

انثروبولوجيا الهاتف المحمول
بقلم الاستاذ الدكتور عزالدين الدياب -استاذ جامعي دمشق-
هل ان انتباه المواطن العربي مصادر من قبل إعلام الأنظمة العربية ،وهل هناك جهات إعلامية وتربويّة تخطط لمحاصرة انتباه هذا المواطن،حتى لايتعايش مع هموم وتحديات أمته،وهل هناك مؤسسات إعلامية وتربويّة تعمل على جذب انتباه المواطن العربي إلى قضايا جانبية لاتخص شؤونه الفردية والمجتمعية وتجعله حبيس ما تقدم له من برامج تحيّده عن معركة مستقبله؟هذه الأسئلةً مجتمعة ستكون بمثابة دليل عمل تقود الدراسة نحو ما تريد قوله وبلوغ غاياتها.
ان دراسة الهاتف المحمول انثروبولوجياً،يأتي من خلال متابعة المستجدات التقنية،على اختلاف مضامينها وبنيتها ودورها في حياة الشعوب،وخاصة مايخص وعيه وانتباهه،على ضوء التحديات التي تواجهها هذه الشعوب والأمم في مسيرتها التاريخية الحضارية.
ودراسةهذه القضايا،لابد أن تكون مصحوبة ومنقادة بالنقد الثقافي الأنثروبولوجي،إنطلاقاً من سند الولاء والانتماء للباحث الأنثروبولوجي لقضايا الأمة التي ينتمي إليها،ومعايشة همومها وتحدياتها،وهي تعيش معركة مستقبلها الحضاري.والبحث عن المستجدات وتوابعها ومآلاتها إيجاباً وسلباً،وما يتأتى منها من
تحديات وصراعات بنيوية وفكرية.
ماكتبناه،أو قل مقدمتنا أرادت أن تشير،وأن تكون خلفية تشرّع ما أقدمنا عليه في دراستنا لأنثروبولوجيا الهاتف المحمول،وما خلصنا إليه في هذه الدراسة عن الظواهر المستجدة التي يوجدها الهاتف المحمول في حياتنا العربية*
زمن الدراسة،بل قل وقتها ً وأوانها جعلنا لم نسترع،ولم نلتفت الالتفافة المستحقة والمطلوبة لدور هذا الجهاز على الانتباه الفردي والمجتمعي،وما يمكن أن يضيف من ظواهر ،ومن ثم مخاطر هذه الإضافات على وعي الفرد ،والوعي المجتمعي.وذلك لأنَّ الهاتف المحمول آنذاك كان محصوراً في فئة محدودة من الناس.
لن تخوض هذه الدراسة بما يضيفه الهاتف المحمول في إطار وسياق الانتباه الفردي والمجتمعي وإنما سنناقش أو قل ندرس ونحلل دوره وتأثيره على ظاهرة الانتباه كدور ووظيفة في معركة المستقبل العربي،وما يتعايش ويتساكن مع هذه المعركة من معطيات واختراعاتتضيف نفسها إلى حياتنا.
غير أنّ القول السليم والمفيد في دور الانتباه في معركة المستقبل العربي ،يأتي من إشارة تشكل لزوم ما يلزم ،لأهمية ما يلاقيه الانتباه في حياتنا العربية المعاصرة ،من صرفه عن متابعة التحديات التي تتعرض لها الأمة العربية في معركة مستقبلها.بما يقدمه ويضيفه الهاتف المحمول من ظواهر تأخذ انتباهنا من متابعة التحديات،ويؤدي إلى انصرافنا عن قضايا لا قيمة لها في معركة مستقبلنا.
في دراسة ميدانية وحقلية للشباب في المدارس والحدائق،وملاحظة لتصرفات هؤلاء وهم يسيرون في الشوارع ،ًتبين لنا أن مواقع التواصل الاجتماعي،التي ينقلها لنا الهاتف المحمول،تطلق برامج متنوعة تلاقي انتباه الشباب العربي من الرياضة إلى الأفلام إلىً..إلخ.وهده الملاقاة تجعل إنتباه الشباب العربي ينصرف عن قضاياه المصيرية.ويكفينا أن نراقب الناس وهم يسيرون في الشوارع،وانشغالهم بما يقدمه لهم الهاتف المحمول.
عن سؤال لمجموعة صغيرة في حي من أحياء المدينة،عينة مختارة،يجلسون في حديقة الحي وهم ينظرون في هواتفهم،ماذا يلفت انتباهكم في هواتفكم،أحدهم أشار إلى متابعته لنقاش
يجري حول انتقال اللاعب صلاح الى تركيا،والآخر يتابع لقطات لعادل إمام،،وثالثهم يستمع إلى أغنية مصوّرة،ورابعهم يبحث،حسب قوله :كذا مذا .وسألت وغزة هل تدرون مابها؟
وتلتقي إجاباتهم حول موضوع مشترك ؛ما حدا فاضي لهيك حكي **
وكانت دالتي في هذه المقابلة وملاحظتي للانشغال بالهاتف في الشارع ووسائل النقل الحدائق و…إلخ،أنّ إنتباه الشباب العربي مأخوذ منهم ومسيطر عليه من قبل وسائل التواصل الاجتماعي،الموجهة والمسيسة من قبل مراكز أبحاث وبنوك معلومات وأجهزة مراقبة تديرها خبرات أكاديمية ورجالات
فكر وتربية،وفي هذا الكم المتنوع في مهامه وأدواره وغاياته والمعارك التربويّة الإعلامية المهتمة بالانتباه يخضع ويدار. انتباه الشباب العربي ويسيس،وما يخلص من هذا الخضوع والتسييس يصادر إنتباه شبابنا العربي ،ويصرف بعيداً عن قضاياه المصيرية في معركة المستقبل العربي.
فهل لهذه الأمة إطارات متخصصة تضع في خلدها مسألة انتباه الشباب العربي ،وإدارته وتعبئته وتسييسه
وتربيته في إطار وسياق معركة المستقبل العربي ،والارتقاء بالانتباه إلى مستوى اليقظة التي تحتاجها معركة المستقبل العربي، وهل للأجهزة الإعلامية ومكاتبها وإطاراتها أن تضع في اهتمامها حال انتباه الشباب العربي المأخوذ عفوياً وتلقائيا وتخطيطاً وسياسة وتربويا من قبل الأجهزة الإعلامية ومراكز التواصل الاجتماعي التي تدار في معركة الاستيلاء على انتباه الشباب العربي ليكون في خدمة إهدافها ومخططاتها.
هذه الدراسة،وهي تأخذ انتباه الشباب العربي موضوعاً لها،وتضعه في دائرة انتباهها ،تنحي حانباً منطق
المؤامرة من منهجها واهتمامها،وتنوه إلى أهمية الدراسات المعمقة له ليكون في صلب اهتمام ووعي الاتجاه القومي العربي ،وحصره في دئرة اهتمامها بوصفة قضية مركزية في وعي الأمة لمعركة مصيرها ،وضرورة أغنائه بالبحوث والدراسات المستقبلية ليكون حاضراً في وعينا المجتمعي.؟
*أنثروبولوجيا الهاتف المحمول الجوال -دراسات أنثروبولوجية
تطبيقية-ص19-ط1-2006-الدار الوطنية الجديدة-سورية-دمشق-وهي أول دراسة انثروبولًجية للهاتف المحمول في
الوطن العربي
ا**الظروف الميدانية/الحقلية التي أحاطت باختيار العينة،وشكوك المبحوث بالباحث أملت اختصار النقاش
ومحدودية الأسئلة ومحدودية التفسير لمعاني المفاهيم والمصطلحات.
د-عزالدين حسن الدياب.



