انطلاق مراسم «تشييع القرن» | أميركا – إيران: المهلة تتقلّص… والهوّة باقية

انطلاق مراسم «تشييع القرن» | أميركا – إيران: المهلة تتقلّص… والهوّة باقية
في وقتٍ تستقطب فيه مراسم تشييع المرشد الإيراني الراحل اهتماماً دولياً واسعاً، تتقاطع رمزية الحدث مع تعقيدات المشهد السياسي، وسط مفاوضات متعثّرة مع واشنطن، وتصاعد التوتر حول الملف النووي ومستقبل التفاهمات بين الطرفين.
طهران | انطلقت في طهران، أمس، مراسم تشييع جثمان المرشد الإيراني الراحل، آية الله الشهيد علي خامنئي، وعدد من أفراد عائلته الذين قضوا في بداية العدوان الإسرائيلي – الأميركي على إيران مطلع آذار الماضي. وسُجّل في انطلاقة المراسم حضور رسمي رفيع المستوى، تصدَّره كبار مسؤولي الدولة ورؤساء السلطات الثلاث، إلى جانب حشود من الوفود الدولية، في مشهد وداعي اتّخذ أبعاداً استراتيجية تتجاوز الطقوس الجنائزية.
وفي مؤشر جليّ على حجم التضامن الدولي مع إيران، كشفت مصادر رسمية عن مشاركة قرابة 100 دولة أو وفد رسمي في التشييع، إلى جانب شخصيات ومجموعات شعبية. وتضمّ قائمة الحاضرين نخبة من القادة السياسيين، من بينهم 8 رؤساء جمهورية ورؤساء حكومة، وخاصة من باكستان والعراق وأرمينيا وطاجيكستان، بالإضافة إلى حضور برلماني من 12 دولة، ووزراء خارجية، وممثّلين خاصين من بلدان عديدة. وفي المقابل، لفت غياب القوى الأوروبية التي تعمّدت طهران عدم توجيه دعوات إليها بسبب مواقفها الداعمة للعدوان الأميركي – الإسرائيلي، وتواطئها السياسي في استهداف السيادة الإيرانية.
ووُصفت هذه المراسم بـ«تشييع القرن»، في ظلّ توقّعات بمشاركة تتراوح بين 12 و20 مليون شخص فيها. ووفقاً للترتيبات الرسمية، تتوزّع مراسم التشييع والدفن على مدار أسبوع كامل، لتشمل جغرافيا دينية وسياسية واسعة تنقسم بين طهران وقم في إيران، والنجف وكربلاء في العراق، وصولاً إلى مشهد. وبحسب البرنامج المقرر، تتواصل فعاليات الوداع في «مصلّى طهران» اليوم وغداً بمشاركة شعبية، على أن تُقام الفعاليات الرئيسة في العاصمة بعد غد. وتلي ذلك مراسمُ منفصلة في قم والنجف وكربلاء، لتُختتم هذه الرحلة الرمزية، الخميس المقبل، في مشهد، حيث سيُوارى جثمان القائد الراحل في حرم الإمام الرضا.
ومع بدء برنامج التشييع، لم يصدر أيّ تصريح رسمي بشأن مشاركة المرشد الجديد، آية الله مجتبى خامنئي، من عدمها، كما لم تُنشر أيّ صورة أو تصريحات مصوّرة له منذ اختياره قائداً جديداً للجمهورية الإسلامية. ومن بين الجوانب اللافتة أيضاً، ظهور قائد «الحرس الثوري»، أحمد وحيدي، خلال مشاركته في المراسم، في أوّل ظهور علني له منذ بدء الحرب.
وتزامناً مع انطلاق برنامج التشييع وسط إجراءات أمنية مشدّدة، أصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً حذّر فيه «جبهة العدو» من أن أيّ «خطأ في الحسابات سيُواجَه بردّ حاسم وأشدّ قوة من أيّ وقت مضى، وسيُسجَّل إلى الأبد في تاريخهم المليء بالذلّ». ولم يوضح «الحرس» سبب هذا التحذير، إلا أن إصداره البيان جاء بعد تصريح لوزير الحرب الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، قال فيه صراحة إن اسم القائد الأعلی الإيراني، مجتبى خامنئي، مدرج على «قائمة الاغتيالات»، وآخر لرئيس وزراء الاحتلال، بنيامين نتنياهو، قال فيه إن معركة إسرائيل «لا نهاية لها»، وإن أمامها طريقاً طويلاً في مواجهة إيران وحلفائها.
وبينما كانت طهران منشغلة ببدء مراسم التشييع، أُسدل الستار على جولة جديدة من المفاوضات التقنية غير المباشرة بين طهران وواشنطن في الدوحة، رعتها قطر وباكستان، وتركّزت في جوهرها على آليات تنفيذ بنود مذكرة التفاهم الموقَّعة بين الجانبين. ورغم إعلان المتحدث باسم الخارجية القطرية تحقيق «تقدّم إيجابي»، تؤكد مصادر مطلعة، لـ«الأخبار»، أن التباينات لا تزال عميقة حول ملفات شائكة، من تفاصيل إعادة فتح مضيق هرمز، إلى الضمانات التنفيذية للإفراج عن الـ6 مليارات دولار، وصولاً إلى تعقيدات وقف إطلاق النار في لبنان.
عدم التوصّل إلى اتفاق قبل انقضاء المهلة، يعني العودة الحتمية إلى مربع التصعيد السابق
ومع توافق الطرفَين على استئناف المفاوضات بعد انتهاء مراسم التشييع، يتقلّص عملياً هامش الـ60 يوماً المنصوص عليه في التفاهم -والذي بدأ سريانه في 18 حزيران- إلى أقلّ من 45 يوماً. وبات هذا الضيق الزمني عاملاً إضافياً في رفع منسوب التوتّر؛ إذ يدرك الجانبان أن عدم التوصّل إلى اتفاق قبل انقضاء المهلة، يعني العودة الحتمية إلى مربّع التصعيد السابق. وفي السياق، تؤكد طهران أنها لم تدْخل بعد في مرحلة التفاوض حول «الاتفاق النهائي»، وأنها لن تُجري أيّ مفاوضات -على أيّ مستوى كان- مع الجانب الأميركي خلال الأيام المقبلة.
ويأتي ذلك فيما عاد الملف النووي الإيراني ليتصدّر الواجهة، وسط سجال محتدم بين إيران و«الوكالة الدولية للطاقة الذرية»، غذّته تصريحات متناقضة من الولايات المتحدة. ففي حين يطالب مدير الوكالة، رافاييل غروسي، بـ«دخول فوري» إلى المنشآت الإيرانية، تضع طهران «خطاً أحمر» حول المنشآت التي تعرّضت للضربات العسكرية، رافضةً تحويل التفتيش إلى غطاء استخباراتي.
ووجد غروسي، الذي كان يراهن على التفاهم لفتح الأبواب الإيرانية الموصدة، نفسه أمام حائط مسدود؛ إذ أكد في تصريحات إلى وكالة «ريا نوفوستي» الروسية أن «طلب الوصول لم يُستجب له بعد». ويكشف هذا التعثر تعمق الهوة بين التوقّعات الغربية والرؤية الإيرانية؛ إذ لم تعُد طهران تَنظر إلى التفتيش كإجراء تقني بحت، بل كجزء من موازين القوى التي تشكّلت بعد الحرب الأخيرة.
وفي المقابل، بدت تصريحات الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، وكأنها محاولة لخلط الأوراق؛ فتارة يلوّح بـ«اتفاق أبدي» ووصول شامل للمفتشين كشرطٍ للمفاوضات، وتارة يتراجع تكتيكياً بالقول إنه «لا عجلة» في هذا الملف. ويرى مراقبون في ذلك التناقض محاولة لانتزاع تنازلات سياسية من إيران عبر الضغط عليها في ملف التفتيش، وهو ما تقابله طهران برفض قاطع.
وفي هذا السياق، جاء الردّ الإيراني حاسماً على لسان رئيس البرلمان ورئيس فريق التفاوض، محمد باقر قاليباف، الذي قطع الطريق على أيّ محاولة لفتح المنشآت الاستراتيجية (نطنز، فوردو، وأصفهان) أمام المفتّشين الدوليين. إذ أكد، في إطلالة تلفزيونية، أن «التعاون مع الوكالة يقتصر حصراً على المنشآت المدنية (كمحطة بوشهر ومفاعل طهران) التي حظيت بموافقة مسبقة من المجلس الأعلى للأمن القومي»، مشدّداً على أن «المنشآت التي استُهدفت بالقصف الإسرائيلي – الأميركي العام الماضي هي خارج أيّ تفاوض».
وتستند إيران في موقفها هذا إلى أن القوانين الدولية والبروتوكولات، لا تفرض تفتيشاً على منشآت جرى تدميرها أو تضرّرت بفعل أعمال حربية عدوانية، وتعتبر إصرار الغرب على تفتيش هكذا منشآت محاولة لجمع معلومات استخباراتية دقيقة عن حجم الأضرار والقدرات المتبقّية، وهو ما ترفضه بوصفه مساساً مباشراً بـ«أمنها القومي» و«سيادتها». كما تؤكد أن أيّ حديث عن «تفتيش شامل» لن يكون مطروحاً إلا ضمن إطار اتفاق نهائي متكامل، لا يُقايَض فيه الأمن بالوعود.
وفي ظلّ تباطؤ المفاوضات، سُجّل تطوران يتّصلان بالموضوع الإيراني، الأول هو محادثات أجراها وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، مع قائد الجيش الباكستاني، الجنرال عاصم منير، في طهران، الذي كان الوسيط الرئيس بين الأخيرة وواشنطن. أمّا التطور الثاني فهو اتصال هاتفي بين ترامب ورئيس وزراء العدو، بنيامين نتنياهو، أعلن بعده ديوان الأخير أنهما اتفقا على الاجتماع في واشنطن.
الاخبار اللبنانية





