مقالات

برنامج الأصالة والمعاصرة تحت الاختبار: وعود انتخابية في مواجهة واقع الحكومة الائتلافية.

برنامج الأصالة والمعاصرة تحت الاختبار: وعود انتخابية في
مواجهة واقع الحكومة الائتلافية.

الأستاذ: علي او عمو.
كاتب من المغرب

لا تكمن أهمية البرامج الانتخابية في عدد الوعود التي تتضمنها،
ولا في ضخامة الأرقام التي تعلنها الأحزاب لاستمالة الناخبين،
وإنما في مدى قدرتها على التحول إلى قرارات وإجراءات
ملموسة تنعكس إيجاباً على حياة المواطنين. ومن هذا المنطلق،
يطرح البرنامج الانتخابي لحزب الأصالة والمعاصرة سؤالاً

جوهرياً: هل ستتحول الالتزامات التي قدمها الحزب إلى واقع
يعيشه المغاربة، أم ستظل حبيسة الوثائق الانتخابية؟.
لقد قدم حزب الأصالة والمعاصرة برنامجاً يتضمن مجموعة من
الالتزامات الاقتصادية والاجتماعية، وحدد لتنفيذها غلافاً مالياً
إجمالياً يقدر بنحو 350 مليار درهم على مدى خمس سنوات.
ومن بين أبرز أهدافه خلق مليون منصب شغل صافٍ على الأقل،
ورفع الحد الأدنى للمعاشات إلى 3000 درهم ابتداءً من السنة
الثانية للولاية، ورفع الحد الأدنى للدعم الاجتماعي المباشر
تدريجياً إلى 1000 درهم، إلى جانب إحداث أربعة مستشفيات
جامعية جهوية جديدة قبل نهاية سنة 2028، ودعم السكن
وتطوير الخدمات الصحية والتعليمية.
إنها وعود تلامس قضايا تشغل بال المغاربة يومياً، من البطالة
وغلاء المعيشة إلى ضعف المعاشات وصعوبات الولوج إلى
العلاج والسكن. ولذلك، فإن من حق المواطنين أن يتساءلوا عن
مدى واقعية هذه الالتزامات، وعن الشروط التي ينبغي توفيرها
لتنفيذها.
لكن النقطة التي تستحق التوقف عندها لا تتعلق بالأرقام وحدها،
بل بالظروف السياسية التي يفترض أن يتحقق البرنامج في
إطارها.
برنامج حزبي يعرف صاحبه مسبقاً حدود تنفيذه.
إن حزب الأصالة والمعاصرة ليس حديث العهد بالحياة السياسية
المغربية، ولا يجهل طبيعة النظام الدستوري الذي تُشكَّل في

إطاره الحكومات. فالدستور المغربي ينظم تعيين رئيس الحكومة
من الحزب الذي تصدر انتخابات مجلس النواب، كما يقتضي
الفصل 88 عرض البرنامج الحكومي على البرلمان لنيل الثقة.
وبالتالي، فإن تصدر حزب للانتخابات لا يعني أنه سيحكم منفرداً،
ولا يمنحه الحق في فرض برنامجه الحزبي كاملاً على بقية
مكونات الأغلبية. فتشكيل الحكومة يقوم على التفاوض والتوافق،
وقد يتطلب الاتفاق بشأن الأولويات الاقتصادية والاجتماعية،
وتوزيع المسؤوليات، وتحديد الموارد المالية المخصصة لكل
قطاع.
وهذا واقع دستوري وسياسي معروف سلفاً، وليس مفاجأة يمكن
أن يتذرع بها الحزب بعد دخوله الحكومة لتفسير عدم تنفيذ بعض
التزاماته.
ومن هنا يبرز السؤال: إذا كان حزب الأصالة والمعاصرة يعرف
مسبقاً أنه سيحتاج إلى التوافق مع أحزاب أخرى لتشكيل الحكومة
وتدبير شؤونها، فعلى أي أساس صاغ وعوده الانتخابية؟ وهل
أخذ في الحسبان احتمال اختلاف شركائه معه بشأن بعض
التدابير أو كلفتها أو آجال تنفيذها؟
إن تقديم الوعود للناخبين يقتضي قدراً من الوضوح بشأن إمكان
تنفيذها، ولا يكفي أن يتضمن البرنامج أهدافاً طموحة من دون
بيان كيفية تحويلها إلى قرارات حكومية قابلة للتطبيق.
هل ستقبل الأحزاب الأخرى برنامج «البام»؟.

ليس من الضروري أن تتطابق البرامج الانتخابية للأحزاب
المشاركة في الحكومة. فمن الطبيعي أن يدخل كل حزب
الاستحقاقات الانتخابية بتصوراته الخاصة، وأن يسعى إلى الدفاع
عنها عند التفاوض بشأن تشكيل الأغلبية.
لكن التحدي الحقيقي يبدأ عندما تنتقل الأحزاب من مرحلة
التنافس الانتخابي إلى مرحلة تحمل المسؤولية الحكومية. فهل
ستتفق مكونات الائتلاف على رفع الحد الأدنى للمعاشات إلى
3000 درهم في الأجل الذي حدده البرنامج؟ وهل ستتبنى هدف
خلق مليون منصب شغل صافٍ؟ وهل ستوافق على توفير
الاعتمادات اللازمة لتنفيذ الالتزامات المتعلقة بالصحة والسكن
والدعم الاجتماعي؟.
لا يمكن افتراض أن جميع الشركاء سيقبلون هذه الالتزامات
بالتفاصيل نفسها، كما لا يصح الجزم بأنهم سيرفضونها. فذلك
يتوقف على المفاوضات وعلى مضمون البرنامج الحكومي الذي
سيحظى بموافقة الأغلبية البرلمانية.
غير أن هذه الحقيقة تضع حزب الأصالة والمعاصرة أمام
مسؤولية سياسية واضحة: أن يشرح للمواطنين ما الذي سيدافع
عنه داخل الحكومة، وما الذي توصل إليه من توافق مع شركائه،
وما الذي قد يخضع للمراجعة أو التأجيل.
فإذا تبنى الائتلاف الحكومي هذه الالتزامات، أصبحت الحكومة
مسؤولة جماعياً عن تنفيذها وفق البرنامج الحكومي والميزانيات
المعتمدة. أما إذا لم تُدرج بعض الوعود في البرنامج المشترك،

فإن مسؤولية الحزب تظل قائمة بشأن الالتزامات التي قدمها
باسمه، ومدى جديته في الدفاع عنها والتفاوض من أجل
تحقيقها.
المعاشات والتشغيل والقدرة الشرائية: أين النتائج؟.
بالنسبة إلى المتقاعدين، لا يتعلق الأمر بمجرد رقم يرد في
برنامج انتخابي، بل بانتظار تحسن دخلهم وقدرتهم على مواجهة
تكاليف الغذاء والدواء والسكن والفواتير. ورفع الحد الأدنى
للمعاشات إلى 3000 درهم وعد محدد يمكن تتبعه ومساءلة
الحزب بشأنه، شريطة توضيح الفئات المستفيدة وشروط التطبيق
وآجاله.
أما خلق مليون منصب شغل صافٍ، فيتطلب استثمارات منتجة،
ومقاولات قادرة على التوسع، وتكويناً يستجيب لحاجات سوق
العمل، وسياسات اقتصادية تتيح فرصاً مستدامة للشباب. ولا
يكفي الإعلان عن هدف بهذا الحجم من دون وضع مؤشرات
سنوية تكشف مدى التقدم في تحقيقه.
وفي مجال الصحة، لن يكون النجاح بمجرد الإعلان عن بناء
مستشفيات جديدة، بل بتوفير الأطباء والممرضين والتجهيزات
والأدوية، وتقليص فترات الانتظار، وتحسين جودة الخدمات، ولا
سيما في المناطق التي تعاني نقصاً في العرض الصحي.
كما أن تحسين القدرة الشرائية لا يتحقق بالتصريحات، وإنما
بإجراءات يلمس المواطن أثرها في الأسعار والدخل وتكاليف
الحياة اليومية.

وهنا ينبغي ألا تختبئ الحكومة وراء مصطلحات العجز المالي
والتضخم وصعوبة الظرفية الاقتصادية كلما طُلب منها تقديم
حصيلة أعمالها. فهذه عوامل ينبغي أخذها في الحسبان عند
وضع السياسات، لكنها لا تعفي المسؤولين من توضيح ما تحقق
وما تعثر، وما الأسباب الفعلية لذلك.
350 مليار درهم: التزام يحتاج إلى حساب واضح.
إن الكلفة التي يعلنها الحزب لبرنامجه تجعل مسألة التمويل
عنصراً أساسياً في تقييم مدى إمكان التنفيذ. فالمطلوب ليس
الاكتفاء بتحديد مبلغ إجمالي على مدى خمس سنوات، بل بيان
مصادر الموارد، وطريقة توزيعها، والأولويات التي ستُمنح لها،
ومدى توافقها مع الميزانيات السنوية.
كما يتعين التمييز بين الكلفة الإجمالية للبرنامج والكلفة الإضافية
التي تتطلبها الإجراءات الجديدة، حتى لا تختلط الاستثمارات
العمومية القائمة أصلاً بالاعتمادات الإضافية اللازمة لتنفيذ
الوعود الانتخابية.
ومن حق المواطنين أن يعرفوا كيف ستُعبَّأ الموارد، وما أثر
التدابير المقترحة على المالية العمومية، وكيف ستضمن الحكومة
ألا يتحول تمويل الإصلاحات إلى أعباء جديدة على الفئات ذات
الدخل المحدود.
فالشفافية في التمويل ليست تفصيلاً تقنياً يهم المختصين وحدهم،
بل شرط أساسي لبناء الثقة بين الأحزاب والناخبين.
لا يجوز تحويل الائتلاف إلى شماعة للإخفاق.

قد تفرض التوافقات الحكومية تعديل بعض الالتزامات أو ترتيبها
وفق الأولويات والإمكانات المتاحة، لكن ذلك لا ينبغي أن يتحول
إلى وسيلة للتنصل من المسؤولية.
فحزب الأصالة والمعاصرة يعرف طبيعة النظام السياسي المغربي
قبل صياغة برنامجه، ويعرف أن تحقيق أهدافه يتطلب إقناع
شركائه، والحصول على الموافقات الحكومية والبرلمانية
اللازمة، وتوفير التمويل الضروري. ولذلك، فإن المسؤولية تبدأ
منذ مرحلة تقديم الوعود، ولا تبدأ فقط بعد تولي المناصب
الحكومية.
وفي المقابل، لا يجوز تحميل الحزب وحده مسؤولية كل قرار
تتخذه الحكومة الائتلافية، لأن تنفيذ البرنامج الحكومي مسؤولية
مشتركة بين مكوناتها، وفق الاختصاصات والالتزامات التي
اتفقت عليها.
ومن هنا تأتي أهمية نشر حصيلة سنوية واضحة، تحدد ما نُفذ
من الالتزامات، وما لم يُنفذ، وأسباب التعثر، والآجال الجديدة إن
اقتضى الأمر. وبذلك يصبح النقاش حول البرنامج قائماً على
الأرقام والنتائج، لا على تبادل الاتهامات والتبريرات.
المواطن ينتظر الوفاء بالوعود.
إن المغاربة لا يحتاجون إلى برامج انتخابية تتجدد مع كل
استحقاق بقدر حاجتهم إلى سياسات عمومية تترجم الوعود إلى
تحسين ملموس في أوضاعهم. وهم لا ينتظرون من الحكومة

الحالية معالجة المشكلات الجديدة فقط، بل يتطلعون أيضاً إلى
الوفاء بالالتزامات السابقة التي لم تجد طريقها إلى التنفيذ.
ولذلك، فإن الاختبار الحقيقي لبرنامج حزب الأصالة والمعاصرة
لن يكون في مدى جاذبية شعاراته، وإنما في قدرته على تحويلها
إلى قرارات واضحة، وفي مدى استعداد شركائه الحكوميين
لتبنيها، وفي النتائج التي ستظهر على أرض الواقع.
فهل نجح الحزب في إعداد برنامج قابل للتنفيذ داخل حكومة
ائتلافية، أم أن بعض التزاماته ستصطدم باختلاف الأولويات
والتصورات بين مكونات الأغلبية؟.
الجواب لا يمكن أن يُستخلص من الوعود وحدها، بل من
مضمون البرنامج الحكومي، والميزانيات المرصودة، والقرارات
المتخذة، والحصيلة التي ستُعرض على المواطنين.
إن البرنامج الانتخابي ليس مجرد وثيقة لطلب أصوات الناخبين،
بل تعاقد سياسي وأخلاقي معهم. ومن يعرف مسبقاً أن تنفيذ
برنامجه يقتضي التوافق مع شركاء، يتحمل مسؤولية توضيح ما
يعد به، وما يستطيع الدفاع عنه، وكيف سيُحاسَب إذا لم تتحقق
التزاماته. فالمواطن لا ينتخب الوعود كي يسمع الأعذار لاحقاً،
بل كي يرى نتائجها في حياته اليومية…

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب