بين نار الصهيونية ورمضاء الصراعات الإقليمية: الأمن القومي العربي لا يُبنى بالاستقواء بالخارج

بين نار الصهيونية ورمضاء الصراعات الإقليمية: الأمن القومي العربي لا يُبنى بالاستقواء بالخارج
بقلم: رئيس التحرير
في زمن تتسارع فيه التحولات الجيوسياسية، وتتعاظم فيه التحديات التي تحيط بالوطن العربي من كل اتجاه، لم يعد السؤال المطروح هو: من هو الخصم الأخطر؟ بل كيف يمكن للعرب أن يصوغوا مشروعًا استراتيجيًا مستقلاً يحمي أمنهم القومي ويصون مصالحهم بعيدًا عن الارتهان لمحاور الصراع الإقليمي والدولي.
لقد أعاد الجدل الذي أثاره مقال الكاتب عبد الرحمن الراشد بشأن احتمالات توسع التعاون الخليجي مع إسرائيل في مواجهة السياسات الإيرانية فتح ملف بالغ الحساسية يتعلق بمستقبل الأمن القومي العربي، وبحدود الخيارات المتاحة للدول العربية في بيئة إقليمية تتداخل فيها المصالح وتتقاطع فيها المشاريع المتنافسة على النفوذ.
ولا خلاف على أن السياسات الإيرانية، وما ارتبط بها من تدخلات مباشرة أو غير مباشرة في عدد من الدول العربية، أسهمت في زعزعة الاستقرار الإقليمي، وأثارت هواجس أمنية مشروعة لدى العديد من العواصم العربية. غير أن هذه الحقيقة لا تبرر الانتقال من الارتهان لمصدر تهديد إلى الارتهان لمصدر تهديد آخر، ولا تجعل من التحالف مع إسرائيل خيارًا استراتيجيًا لبناء أمن عربي مستدام، في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية والعربية، وتصاعد سياسات الاستيطان والضم، وتآكل فرص التسوية السياسية العادلة.
إن الأمن القومي العربي ليس معادلة تقوم على استبدال خصومة بأخرى، ولا مشروعًا يُبنى على تحالفات ظرفية تمليها توازنات اللحظة. إنه منظومة متكاملة تستند إلى استقلال القرار العربي، وتعزيز التكامل الاقتصادي، وتطوير القدرات الدفاعية المشتركة، واحترام سيادة الدول، وإحياء مؤسسات العمل العربي المشترك باعتبارها الإطار الطبيعي لحماية المصالح العربية.
لقد أثبت التاريخ السياسي أن التحالفات التي تُبنى على مواجهة عدو مرحلي كثيرًا ما تتحول إلى أعباء استراتيجية طويلة الأمد، لأن العلاقات الدولية تحكمها المصالح المتغيرة لا التحالفات الدائمة. ومن هنا، فإن الرهان الحقيقي لا ينبغي أن يكون على القوى الخارجية، بل على امتلاك عناصر القوة الذاتية، وبناء رؤية عربية مستقلة تستند إلى قراءة دقيقة لموازين القوى، وإلى إدراك أن أمن المنطقة لا يتحقق إلا بإرادة أهلها.
وتظل القضية الفلسطينية، رغم كل محاولات التهميش، محور الاستقرار الإقليمي وجوهر الأمن العربي. فاستمرار الاحتلال، وتوسيع الاستيطان، والحرب المدمرة على غزة، والانتهاكات المستمرة للقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، كلها تؤكد أن تجاهل الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني لا يصنع سلامًا، بل يؤسس لمزيد من عدم الاستقرار ويغذي دوائر العنف والتطرف.
وإذا كانت المنطقة تقف اليوم بين مشروعين إقليميين يسعيان إلى توسيع النفوذ؛ أحدهما تقوده إيران، والآخر تمثله إسرائيل، فإن المصلحة العربية لا تكمن في الانحياز لأي منهما، بل في صياغة مشروع عربي جامع يستعيد زمام المبادرة، ويعيد الاعتبار لمفهوم الأمن القومي العربي بوصفه مشروعًا للتنمية والسيادة والاستقلال، لا مجرد ترتيبات أمنية مؤقتة.
ومن هنا، فإن المسؤولية التاريخية الملقاة على عاتق الدول العربية تفرض الانتقال من سياسة إدارة الأزمات إلى سياسة صناعة المستقبل، عبر الاستثمار في الاقتصاد والمعرفة والتكنولوجيا، وتعزيز الأمن الغذائي والمائي، وتطوير الصناعات الدفاعية، وبناء منظومة ردع عربية، وتفعيل مؤسسات العمل العربي المشترك، باعتبارها ركائز الأمن القومي بمفهومه الشامل.
وفي المقابل، فإن المشروع الوطني الفلسطيني مدعو هو الآخر إلى مراجعة شاملة لأدواته السياسية والتنظيمية، وتعزيز الوحدة الوطنية، وإعادة بناء المؤسسات الوطنية على أسس ديمقراطية وتشاركية، بما يعزز القدرة على حماية الحقوق الوطنية، ويمنح الدبلوماسية الفلسطينية قوة أكبر في مواجهة المتغيرات الإقليمية والدولية.
وفي هذا السياق، فإن ما طرحه الكاتب والمفكر بكر أبو بكر لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره ردًا على رأي سياسي عابر، وإنما باعتباره دعوة لإعادة التفكير في مفهوم الأمن القومي العربي، وفي مخاطر الارتهان لمعادلات خارجية قد تخدم مصالحها قبل أن تخدم مصالح العرب. فالمنطقة لا تحتاج إلى إعادة إنتاج الاستقطاب، بل إلى رؤية استراتيجية عربية تعيد الاعتبار للدولة الوطنية، وللتكامل العربي، وللقضية الفلسطينية باعتبارها المدخل الحقيقي لتحقيق سلام عادل واستقرار دائم.
لقد أثبتت تجارب العقود الماضية أن الأمن لا يُستورد، وأن السيادة لا تُمنح، وأن التحالفات المؤقتة لا يمكن أن تكون بديلًا عن بناء القوة الذاتية. فالأمم التي تصنع مستقبلها هي تلك التي تمتلك رؤيتها المستقلة وإرادتها الحرة، أما الأمم التي تجعل أمنها رهينة لإرادة الآخرين، فإنها تبقى أسيرة صراعاتهم وتقلبات مصالحهم.
ومن هنا، فإن الأمن القومي العربي لن يُبنى بالاستقواء بالخارج، ولن يتحقق بالانخراط في محاور متصارعة، وإنما بإحياء مشروع عربي جامع يقوم على وحدة الإرادة، واستقلال القرار، واحترام القانون الدولي، والتكامل الاقتصادي والدفاعي، والتمسك بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني. ذلك وحده هو الطريق إلى أمن حقيقي، وسلام عادل، ومستقبل أكثر استقرارًا للأمة العربية بأسرها.

