ثقافة وفنون

تمثيل هاملت: محمد صبحي وترويض الجنون على خشبة المسرح

تمثيل هاملت: محمد صبحي وترويض الجنون على خشبة المسرح

مروة صلاح متولي

مثل محمد صبحي شخصية هاملت على المسرح في عمل من إعداده وإخراجه، كان ذلك في منتصف السبعينيات، في السنوات التي أعقبت تخرجه من معهد الفنون المسرحية، عندما أسس فرقة «ستوديو الممثل». جاء عرض هاملت ضمن عروض أخرى للفرقة عالجت النصوص المسرحية الكلاسيكية، ومن حسن الحظ أن تم تصوير هاملت، فصارت متاحة ليشاهدها الجمهور الواسع من مختلف الأجيال.

وكم هي متعة كبيرة أن نتمكن من مشاهدة أداء محمد صبحي لهاملت، وأن نتلقى ذلك النص الشكسبيري الخالد من الفنان الذي ارتبطنا به وجدانياً منذ عقود ولا نزال، وصار جزءاً جميلاً من أيامنا منذ أن تفتحت أعيننا على الفن، وتكاد أعماله أن تكون محفوظة عن ظهر قلب في أذهان الكثيرين منا، سواء أعماله المسرحية أو السينمائية أو التلفزيونية، لكن عند الحديث عن محمد صبحي يغلب المسرح ويتصدر بلا شك ويشغل المساحة الأكبر، فهو رجل من كبار رجال المسرح المصري، ونأمل ألا يكون المسرحي الأخير في مصر، أقام أعمدة هذا الفن لسنوات وعقود، وكان سبباً من أسباب بقائه على قيد الحياة لمدة أطول في فتراته الحرجة. وكان من الفنانين القلائل الذين حققوا التوازن الصعب بين الجماهيرية والقيمة الفنية، فالمرء يذهب إلى مسرح محمد صبحي ليحظى بمتعة فنية خالصة لا تخاطب جمهوراً بعينه ولا تتملق النخبة، لكنه في خضم تلك الرحلة الممتعة يجد ذهنه يتلقى كل ما هو رائع من معان وأفكار وإشارات، ويجد نفسه تتذوق جماليات المسرح وتكتشف بعضاً من أسراره وتستشعر عظمة هذا الفن.
عند محمد صبحي يجد طلبة التمثيل والإخراج والنقد، مرجعاً مهماً للكثير من فنون المسرح وتقنياته وأساليبه، كما لو كان معهداً مصغراً لكل راغب في التعلم والمعرفة وإجادة الفن، فالأستاذية لم تفارق محمد صبحي، وإن غادر معهد الفنون المسرحية الذي عين فيه معيداً فور تخرجه بتفوق، وترك التدريس ليكرس كل وقته وجهده للعمل على إبداعه في مسرحه الخاص، وتدوينه على صفحات تاريخ الفن في مصر، ليصير أستاذاً للجميع داخل أكاديمية الفنون وخارجها في مجالات التمثيل والإخراج والإنتاج، ويكون مثالاً للفنان الذي يمتلك الرؤية الشاملة، والقدرة الحقيقية على إنفاذ أثر الفن في نفوس وعقول الجماهير.

تمثيل في تمثيل

لطالما شاهدنا تمثيل محمد صبحي من خلال مسرحه الكوميدي الذي يخاطب العقل والوجدان بعمق، بينما يقدم المتعة الكبرى والضحك الذي لا يقاوم، وشاهدنا تمثيله التراجيدي في بعض المشاهد التي تتخلل الكوميديا في أفلامه ومسلسلاته ومسرحياته أيضاً. لكن مسرحية هاملت تمنحنا فرصة مشاهدته وهو يمثل مأساة كاملة من أعظم المآسي الشكسبيرية، وأن نتأمل أسلوبه في تجسيد تلك الشخصية الدرامية التي يتوق كل ممثل في العالم إلى أن يؤديها، ويظل ذلك مصدر فخر له إن تحقق، ويكون نجاحه في أداء تلك الشخصية دليلاً على عظمة اقتداره الفني.
مسرحية «هاملت» هي الدراما الشكسبيرية التي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بفن التمثيل، فهي تمثيل في تمثيل إلى جانب كونها نصاً شعرياً درامياً بديعاً، تجعلنا هذه الدراما نقترب من شكسبير كمسرحي وممثل لا كشاعر وكاتب فحسب، من خلالها نسمع صوت شكسبير يعبر عن شيء من آرائه في فن التمثيل، ويلقي بعضاً من الدروس القصيرة والمفيدة في هذا الشأن، كما وظّف فن التمثيل كأحد عناصر حل العقدة الدرامية الدافعة لأحداث قصة الأمير الدنماركي الشاب، هاملت محب لفن التمثيل يختلط بالممثلين ويمارس التمثيل أحياناً وفق شروطه الفنية، ويستطيع أن يؤدي بعض المشاهد بإلقاء سليم وأداء تعبيري ممتاز، ويمارسه في أحيان أخرى عمداً ويضع القناع الذي يواجه به كل شخص يتعامل معه، ويمثل الجنون أحياناً. يرى لهذا الفن دوراً يتجاوز المتعة والترويح عن النفس، «كان هدف الفن وما زال أن نظهر الطبيعة البشرية في المرآة، فنبين للفضيلة ملامحها ونطلع الرذيلة على صورتها، ونرسم خطوط عصرنا ومنحنيات جسم الزمان الذي نعيش فيه»، لذا لجا إليه عندما كان حائراً بين الشك واليقين فاستخدمه كمرآة وأداة كاشفة، عندما أحضر القصر خيرة الممثلين ليقدموا عروضهم، عسى أن ينتشلوه من آلامه وحزنه وغرابة أطواره، وما بدأ يظهر عليه من علامات الجنون أو ما يدعيه من جنون، فوظف هاملت مجيئهم لصالحه وجعلهم يمثلون المصيدة التي يصيد بها العم القاتل والأم الخائنة.
على لسان هاملت وضع شكسبير إرشادات مهمة مختصرة في فن التمثيل وانتقادات لبعض الأساليب، فأخذ يدعوهم إلى بعض الأمور التي تقوي التجسيد، ويحثهم على التخلص من الأساليب الفجة الركيكة، والحرص على الإلقاء الجيد وإطلاق الكلمات بسهولة ووضوح من دون مط مبالغ فيه، وأن يكون الأداء سلساً حتى في اللحظات المعقدة والذروات الدرامية العاصفة، كما ينصحهم بالابتعاد عن الصراخ والزعيق الذي يؤذي الأسماع، والانتباه للفرق الدقيق بين ارتفاع الصوت انفعالاً، والصراخ والزعيق الذي يستطيع أن يقوم به من لا علاقة له بفن التمثيل، وينهاهم عن التطرف في القول والحركة، وأن تتناقض الكلمة الملقاة مع التعبير الحركي الملازم لها، فالجسد يجب أن يتبع الصوت والإلقاء والشعور المسيطر على الشخصية في تلك اللحظة، ويشير إلى ضرورة التوسط بين الحدة واللين في الأداء، واجتناب التصنع الذي قد يكون مضحكاً في غير موضع الضحك.
أعد محمد صبحي النص الشكسبيري معتمداً على أكثر من ترجمة، وأخرجه وفق رؤيته الفنية الدقيقة الرائعة، وقد التزم بالنص إلى حد بعيد، ولم يفرض عليه رؤى دخيلة أو مقاربات تجريبية تفسد متعة المشاهدة أحياناً، واحتفظ بكل المشاهد المهمة الأساسية في فهم النص ولا يمكن الاستغناء عنها، ورغم ذلك يستغني عنها البعض. لعبت دور أوفيليا زوجته الراحلة نيفين رامز، رفيقة الدرب ومشوار الحياة والفن منذ 1970 وحتى رحيلها عام 2016، وأدت هناء الشوربجي بطلة العديد من مسرحياته دور الملكة الأم بأداء رائع، رغم صغر سنها في ذلك الوقت، ونرى في الأدوار الأخرى بقية الممثلين من داخل الفرقة وخارجها، كأحمد ماهر الذي لعب دور العم القاتل، وعماد رشاد الذي لعب دور لايرتس، ويستغرق العرض ساعتين وربع الساعة تقريباً.

الأداء الحركي المدهش

يجيد محمد صبحي لغة الحركة، بل هو من أساتذتها، ولطالما وظفها كما ينبغي وهو المسرحي القدير العارف بأسرار المسرح وفن التمثيل، وحافظ عليها كأداة من أهم أدواته كممثل. ومعروف عنه تمكنه من أداء الحركات الجسدية بالغة الصعوبة، التي تكاد تكون مستحيلة لأي ممثل آخر، كما في مسرحية «الجوكر» ومسرحية «البغبغان» ومسرحية «الهمجي»، على سبيل المثال لا الحصر. وفي مسرحية «هاملت» نجد أداء حركياً مدهشاً، وقد جعله محمد صبحي لا يسير على وتيرة واحدة، وهذا ما يجب أن يكون، لأن هاملت مجموعة من الحالات النفسية المتغيرة والمتقلبة دوماً. كان تكوينه الجسماني بجسده النحيل مع صغر سنه في تلك الفترة ملائماً لتجسيد شخصية هاملت الأمير الدنماركي الشاب المحزون بآلامه المهموم بأفكاره، ويلاحظ المشاهد الدقة الشديدة والتطابق بين الشعور الداخلي والحركة الخارجية، وسرعة تلقي الجسد للإشارات الداخلية وطواعية البدن لسيطرته كممثل، بالإضافة للمرونة الجسدية الفائقة المعهودة لدى محمد صبحي والحركات الحية المفعمة بالشعور. جسّد محمد صبحي رقة وحساسية جسد هاملت، وضعفه وانهزامه وانهياره، والقوة المخيفة التي تتلبسه أحياناً، رغم ذلك الضعف والانهيار.

أحضر محمد صبحي هاملت إلى الحياة على المسرح، ليتجسد أمامنا بكل ما في داخله من حيرة وقلق واضطراب وأفكار تعصف بذهنه، وقدم لنا جنونه الذي هو «جنون، لكنه جنون بأسلوب» كما يقول بولونيوس.

ويستطيع المشاهد أن يلاحظ أيضاً انضباط إيقاع الحركة وتطورها، حيث يتراوح الأداء الحركي ما بين السكون والجمود التام، بل الموت، إلى الحركة القوية المنطلقة بأقصى طاقتها. في أول ظهوره يكون الجسد منغلقاً على ذاته ضارباً أسواره الوهمية التي تفصله عن كل من حوله، عندما يكون هاملت في حداد بينما الجميع يحتفل، يقف ساكناً حاملاً آلامه في داخله بصمت فيبرز انفصال الشخصية عن الجميع ووحدتها الشديدة. يتغير الأمر بعد ظهور شبح الملك الأب، فيتحول الجسد من السكون والجمود ثم القلق إلى أقصى درجات الاشتعال الحركي، حيث يتحول الجسد إلى ما يشبه اللهيب المتطاير، يدور محمد صبحي دورة سريعة مفاجئة من هول ما سمع، وما أضيف إلى ألمه من آلام، وعبء الانتقام الذي بات يحمله.

كذلك عبّر محمد صبحي بدقة شديدة عن التردد الذي كان يعصف بهاملت ويفعل فيه الأفاعيل، وانعكاس ذلك التردد على الجسد، تردد بين الحب والكراهية، بين الحياة والموت، بين الصفح والغفران. من مشهد لآخر ومع شخصية وأخرى نلاحظ تغير جسد محمد صبحي في الأداء، فمع أوفيليا في مشهد الدير على سبيل المثال، يكون التردد عنيفاً وسريعاً والحركات غير مكتملة، فمن الاقتراب الجسدي إلى النفور المفاجئ والابتعاد، من قبلة كاد أن يطبعها على شفتيها، إلى مساءلة لعفتها ومطالبتها بالذهاب إلى الدير لتصير راهبة. مع الأم يكون الجسد في حال آخر، ويتغير أسلوب التعبير عن القلق النفسي الرهيب والتردد أيضاً، في مشهد غرفة النوم المحوري حيث يواجه أمه وهو يقارن بين عمه وأبيه، تكون الحركات حادة قوية، يكاد الجسد يتمدد ليحاصر الأم ويقترب منها بشدة ليجبرها على أن ترى نفسها في مرآة الحقيقة. مع العم القاتل الذي يجسد الشر المطلق والغدر والطمع والخيانة، يكون الجسد حذراً، يتجنب المواجهة المباشرة معه، ويحرص على خلق مسافة تجعله خارج حدود سيطرة كلوديوس. مع بولونيوس تكون لغة الجسد عبثية إلى حد ما لا تكترث لوجوده وتزيد من جرعة الجنون، يسخر منه هاملت ويستخف به في كل حركة وإشارة حتى بعد أن يقتله. ومع لايرتس يكون الجسد نداً، خصوصاً في مشهد المبارزة الشهير، ومع حفار القبور حيث المشهد الفلسفي الأشهر في المسرحية، عندما يواجه هاملت الفناء ويتأمل الموت وهو يمسك بجمجمة يوريك، يكون الجسد هادئاً يميل نحو الأرض معظم الوقت، ومع روزنكرانتس وجيلدنسترن يكون الجسد مغلقاً كما في مشهد المزمار الشهير، حيث كان هاملت يعلم بتجسسهما عليه، تكون الحركة مفاجئة غير متوقعة ليربكهما ويشتت تفكيرهما طوال الوقت.

يلقي محمد صبحي النص الشكسبيري بعربية رصينة، لكن من دون مبالغة وافتعال، وكان في إلقائه يميل إلى النطق الفصيح الواضح، بدلاً من المبالغة في التنغيم والغنائية، وكان يميل إلى التكثيف وإبراز ما يجب التركيز عليه في المشاهد التي تضم الذروات الدرامية وتحقيق التأثير المطلوب. كذلك وظف الوجه الكاذب كثيراً عند ادعاء الجنون، ومظهر الغافل بينما هو على وعي شديد بكل ما يدور من حوله. وكم كانت مؤثرة تعبيرات الحزن العميق التي كانت تظهر على وجهه في اللحظات الصامتة. ولا يخفى أن محمد صبحي يمتلك ميزة أنه يستطيع أن يقدم للجمهور أعقد النصوص والأعمال المسرحية، وأن يتذوقها ذلك الجمهور ويفهمها ويستسيغها، وإن هاملت لخير دليل على ذلك، فالمسرح عموماً كاشف للممثل بدرجة هائلة، وقد يقف أكبر نجوم السينما والتلفزيون على خشبة المسرح، فيتضاءل حجمهم وينطفئ بريقهم ويخفت حضورهم فلا يكاد يرى، ودراما شكسبير تزيد من هذا الكشف بلا شك.
جنون هاملت مفتاح من المفاتيح التي يجب أن يمسك بها الممثل عند أداء تلك الشخصية، والممثل القدير يعلم أنه يجب أن يسيطر على جنون هاملت ويروضه، كما فعل محمد صبحي تماماً، وألا يدع ذلك الجنون ينفلت، فيظن من يدعي التمثيل أنه إذا مثل الجنون فإنه قد صار هاملت. طوال المسرحية كان محمد صبحي يضع قناع الجنون ثم ينزعه، إلى أن يخلعه تماماً قبل مشهد النهاية، وكان يلون درجات الجنون بدقة متناهية، وجعل المشاهد حائراً بين جنون هاملت الحقيقي وتظاهره بالجنون، يتساءل هل كان يمثل الجنون ليتمكن من تنفيذ انتقامه؟ أم أصابه الجنون فعلاً بعد اكتشاف الحقيقة المفجعة؟
أحضر محمد صبحي هاملت إلى الحياة على المسرح، ليتجسد أمامنا بكل ما في داخله من حيرة وقلق واضطراب وأفكار تعصف بذهنه، وقدم لنا جنونه الذي هو «جنون، لكنه جنون بأسلوب» كما يقول بولونيوس.

كاتبة مصرية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب