تحقيقات وتقارير

تونس في مهب الأزمات: حين ينعكس واقع الاختناق المعيشي في مآسي الهجرة والاحتجاجات

تونس في مهب الأزمات: حين ينعكس واقع الاختناق المعيشي في مآسي الهجرة والاحتجاجات

روعة قاسم

طالب محتجون في بن قردان بمعالجة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في المنطقة، في وقت شهدت فيه المدينة إغلاقا لبعض الطرقات ومواجهات مع قوات الأمن واستخداما للغاز المسيل للدموع لتفريق المحتجين.

تونس ـ : لم يعد المشهد العام في تونس يقتصر على أزمات ظرفية أو عابرة، بل غدا تعبيرا عن حالة مزمنة من تداخل الأزمات الاقتصادية، والخدمية، والبيئية -مع تحولات مناخية تلقي بثقلها على المشهد العام في ظل درجات الحرارة القياسي طوال صيف ساخن. وفي خضم هذا التوتر، جاءت فاجعة غرق مركب الهجرة قبالة سواحل جرجيس لتفجر غضب الشارع في بن قردان، محولة الفاجعة الإنسانية إلى مرآة حية تكشف عمق الأزمة التونسية. فمن تراجع التجارة الحدودية وتفاقم البطالة، إلى احتدام النقاش حول جدوى المقاربات الأمنية مقابل التنمية، باتت هذه التحركات مؤشرا على واقع اجتماعي وسياسي بالغ التعقيد والتشابك.
لم يكن غرق مركب للهجرة غير النظامية قبالة سواحل مدينة جرجيس التونسية مجرد حادث بحري مأساوي، فقد تجاوزت تداعياتها حدود عائلات الضحايا لتصل إلى الشارع في مدينة بن قردان، حيث خرجت الاحتجاجات في مشهد أعاد إلى الواجهة أسئلة أوسع حول الهجرة، والبطالة، والتنمية الجهوية، ومستقبل الشباب، وطبيعة العلاقة بين المطالب الاجتماعية والمعالجة الأمنية. وبذلك أصبحت الفاجعة جزءا من نقاش تونسي أوسع حول الأسباب التي تدفع بعض الشباب إلى المخاطرة بحياتهم في البحر.
وبحسب المعطيات الرسمية التي أعلنها الناطق باسم الإدارة العامة للحرس الوطني التونسي، فقد غادر المركب الغارق في 19 آب/أغسطس وعلى متنه 15 شخصا، بينهم 14 من مدينة بن قردان وشخص من مدينة جرجيس، قبل أن يغرق على بعد نحو 14 ميلا بحريا من سواحل جرجيس. وتمكنت عمليات البحث والإنقاذ من إنقاذ شخص واحد وانتشال 12 جثة، بينما استمرت عمليات البحث عن مفقودين. وقد شاركت في عمليات البحث وحدات من الحرس البحري والحماية المدنية وجيش البحر والديوانة، إلى جانب بحارة وأهالي المنطقة.
لكن الأرقام، على أهميتها، لا تختصر أبعاد الحادثة. ففي مدينة صغيرة مثل بن قردان حيث يعرف الناس بعضهم البعض، تحولت المأساة إلى حالة من الحزن الجماعي، ثم إلى احتجاجات عبرت عن مطالب تتجاوز حادثة الغرق نفسه. فقد طالب محتجون بتكثيف عمليات البحث عن المفقودين، وبمعالجة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في المنطقة، في وقت شهدت فيه المدينة إغلاقا لبعض الطرقات ومواجهات مع قوات الأمن واستخداما للغاز المسيل للدموع لتفريق المحتجين.

مأساة إنسانية

إن الهجرة غير النظامية ليست ظاهرة جديدة في تونس، كما أن دوافعها لا يمكن اختزالها في عامل واحد. فقرار شاب بالمغامرة عبر البحر قد يرتبط بالبطالة، أو بضعف الدخل، أو بالشعور بانسداد فرص المستقبل، أو بالرغبة في تحسين الظروف المعيشية، أو بفعل تأثير شبكات الهجرة، أو تصورات عن فرص أفضل في أوروبا. لذلك فإن قراءة حادثة بن قردان تتطلب النظر إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، وليس إلى سبب منفرد.
وتزداد أهمية العامل الاقتصادي عندما يتعلق الأمر بمنطقة مثل بن قردان. فالمدينة ارتبط اقتصادها، على مدى سنوات طويلة، بالحركة التجارية مع ليبيا وبالنشاط المرتبط بالمعبر الحدودي رأس جدير. وعندما تتراجع حركة التجارة أو تتعرض الأنشطة المرتبطة بها إلى اضطرابات، تتأثر معها مداخيل عدد من العائلات والأنشطة الصغيرة والخدمات المرتبطة بالحدود.
وتشير معطيات رسمية وتصريحات محلية إلى أن الوضع الاقتصادي للجهة، ومنه توقف أو تراجع التبادل التجاري عبر رأس جدير، يُعد من العوامل التي تُطرح في تفسير توجه بعض الشباب إلى رحلات الهجرة غير النظامية. غير أن ذلك لا يعني أن المنطقة تفتقر إلى كل أشكال النشاط الاقتصادي، ولا أن جميع سكانها يعتمدون على التجارة الحدودية، وإنما يبرز حجم الحساسية التي يمثلها الاقتصاد الحدودي بالنسبة إلى بن قردان ومحيطها.
تملك بن قردان خصوصية أمنية وجغرافية تجعل وضعها مختلفا عن مناطق تونسية أخرى. فهي تقع على الحدود مع ليبيا، وعرفت خلال العقد الماضي تحديات أمنية كبيرة، كان أبرزها الهجوم الذي شنه تنظيم «داعش» على المدينة في 2016 ونجح الجيش التونسي في صده. ومنذ ذلك الحين أصبحت حماية الحدود ومكافحة الإرهاب جزءا أساسيا من سياسات الدولة تجاه المنطقة. وأسهم هذا البعد في جعل المقاربة الأمنية حاضرة بقوة في الحياة العامة للمدينة، إلى جانب الملفات الاقتصادية والاجتماعية.
غير أن العلاقة بين الأمن والتنمية ليست بالضرورة علاقة تعارض، فحماية الحدود تظل وظيفة أساسية للدولة، خصوصا في منطقة جغرافية حساسة، لكن التنمية الاقتصادية وخلق فرص العمل وتحسين الخدمات تبقى في الوقت نفسه عناصر مهمة في استقرار المجتمعات الحدودية. ومن هنا يأتي النقاش الذي أعادته احتجاجات بن قردان، هل تكفي الإجراءات الأمنية لمعالجة المشاكل التي تقف وراء بعض الظواهر الاجتماعية، أم أن الأمن يحتاج إلى أن يرافقه مسار تنموي طويل الأمد؟

الهجرة بين الردع والإنقاذ

تحتل تونس موقعا مهما في ملف الهجرة عبر المتوسط، سواء باعتبارها بلدا للمغادرة أو العبور أو الاستقرار. وخلال السنوات الأخيرة، كثفت السلطات التونسية مراقبة سواحلها واعتراض رحلات الهجرة غير النظامية، في إطار تعاون مع دول أوروبية، خصوصاً إيطاليا.
وساهم تشديد الرقابة البحرية في الحد من بعض عمليات الانطلاق، وفق معطيات حديثة، لكن ذلك لم يُنه الظاهرة. وتكشف حادثة بن قردان أن منع الرحلات لا يضع حدا بالضرورة للدوافع التي تجعل بعض الأشخاص مستعدين للمخاطرة بحياتهم.
وهنا يبرز تحد مزدوج أمام الدولة، فمن جهة، هناك مسؤولية تتعلق بمراقبة الحدود ومكافحة شبكات تهريب البشر ومنع الرحلات الخطرة، ومن جهة أخرى، هناك واجب إنساني يتمثل في الإنقاذ والاستجابة لحوادث البحر وحماية الأرواح. وفي الحالة التونسية، يتقاطع هذا الملف أيضا مع التزامات التعاون مع الشركاء الأوروبيين، ومع النقاش الحقوقي حول سياسات الهجرة في البحر المتوسط.
إن ما يجعل حادثة بن قردان لافتة في المناخ العام هو أنها وقعت في فترة تشهد فيها تونس نقاشا متواصلا حول الظروف المعيشية والخدمات وفرص العمل. ولذلك لم تبقِ تداعياتها محصورة في ملف الهجرة بل تجاوزته لتسليط الضوء على مسائل اجتماعية واقتصادية وسياسية.
فالاحتجاجات التي أعقبت الفاجعة حملت مطالب محلية تتعلق بالتنمية والخدمات، كما جعلت سياسيين ونشطاء يعيدون طرح أسئلة حول الأسباب الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للهجرة. وتبقى قراءة هذه التحركات باعتبارها مؤشرا حاسما على تحول سياسي واسع، مثلما ذهب إلى ذلك البعض، أمرا سابقا لأوانه، فالاحتجاجات المحلية قد تنشأ نتيجة ظروف خاصة بالمنطقة والحادثة، وقد تتقاطع في الوقت نفسه مع حالة عامة من التوتر الاجتماعي.
ولعل ما يلفت الانتباه في حادثة بن قردان أنها سلطت الضوء على ملفات متعددة تؤرق مضاجع التونسيين. ومن أهم هذه الملفات الهجرة، والبطالة، والتنمية الجهوية، والخدمات العامة، والأمن، والعلاقة مع أوروبا، والثقة في قدرة المؤسسات على معالجة الأزمات.

هل تصبح بن قردان نقطة تحول؟

من المبكر تحديد ما إذا كانت أحداث بن قردان ستترك أثرا سياسيا طويل الأمد مثلما ذهب إلى ذلك البعض، أم أنها ستبقى مرتبطة بظرف الفاجعة مثلما ذهب البعض الآخر. فالاحتجاجات قد لا تتحول تلقائيا وبالضرورة إلى حراك وطني، إلا أن الأزمات الاجتماعية أدت في كثير من الأحيان إلى حصول نتائج سياسية مباشرة.
ولعل خصوصية تونس التي تميزها عن محيطها أن فيها أحزابا ومجتمعا مدنيا حيا ورأيا عاما لا يجعل مثل هكذا حوادث تمر مرور الكرام من دون ربطها بأسبابها العميقة والاحتجاج عليها. ويتسع الأمر ليشمل تقييم الاستجابة الرسمية وكيفية معالجة الدولة للحادث مع البحث عن ضمانات تحول دون تكراره مستقبلا كشرط للتراجع عن الاحتجاجات.
وفي بن قردان تحديدا، تضيف خصوصية المنطقة الحدودية والاعتماد التاريخي على الاقتصاد الحدودي بعدا آخر إلى هذه الأسئلة. لذلك فإن معالجة تداعيات الحادث قد تتطلب أكثر من إجراءات ظرفية، إذ يرتبط جزء من الحل بسياسات اقتصادية قادرة على توفير بدائل للشباب، وتنمية المناطق الحدودية، وتحسين الخدمات، بالتوازي مع استمرار الدولة في أداء مسؤولياتها الأمنية.
ولعل السؤال الذي تطرحه بن قردان المنتفضة اليوم لا يتعلق فقط بمن غادروا البحر ولم يعودوا، وإنما أيضا بكيفية بناء الظروف التي تجعل البقاء فيها خيارا ممكنا ومقنعا للشباب. وهو تحد يجب أن تتحمله الدولة بالدرجة الأولى ويتطلب تداخلا بين السياسات الاقتصادية والاجتماعية والتنموية والأمنية.

«القدس العربي»

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب