مقالات
حق الاختلاف في الثقافة السورية بقلم الاستاذ الدكتور عزالدين الدياب -استاذ جامعي -دمشق –
بقلم الاستاذ الدكتور عزالدين الدياب -استاذ جامعي -دمشق -

حق الاختلاف في الثقافة السورية
بقلم الاستاذ الدكتور عزالدين الدياب -استاذ جامعي -دمشق –
ان مفهوم الاختلاف من المفاهيم التي درجت الثقافة على وضع مؤشرات ومحددات لبنيته الثقافية،والاختلاف له ضوابطه وأعرافه،وله معانيه الثقافية،التي تُصاحب بتطوير وتغيير في جُبلّته الثقافية.
والمعروف أن الاختلاف،يتباين في محدداته من ثقافة إلى ثقافة والتباين في معنى الاختلاف،يعود للفلسفةالاجتماعية،التي يقرها المجتمع،ويؤمن بقيمها وأعرافها،ومن الأنثروبولوجيين من يقرن معنى الاختلاف بالمستوى الحضاري للأمم،وما يؤسس له من مؤشرات ومحددات يتفق الناس عليها،ويأخذون بها في حياتهم اليومية،وعرف عن العقائد،ومالها من فكر،في وضع أعراف وقيم للاختلاف.
ومن أجل المضي في تعريف ووضع معنى الاختلاف في الثقافة السورية،نرى من الحكمة المنهجية،أن نعود إلى أصله ومعنا في اللغة العربية:
(خالف)من الأمر:خرج.وفي القرآن الكريم “فليحذر الذين يخالفون من أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم”-و-الشيء:ضادّهُ-المعجم الوجيز-القاهرة-1992-ص208)
ومن معنى الاختلاف في اللغة العربية،نذهب باتجاه الثقافة لتدلنا على المعنى الذي تعطيه للاختلاف،وبما أن الثقافة كما يعرفها العلم الأنثروبولوجي، بذلك الكل الذي يمثل العادات والتقاليد والأعراف والقيم والنتاج المادي والفكري والروحي لكل مجتمع من المجتمعات،وبما أن هذه الثقافة تكوننا على صورتها وتدلنا على شخصيتناالاجتماعية،فهي بالتالي التي تبين لنا فلسفة الاختلاف،بمعنى آدابه وقيمه وأعرافه،وما يترتب عليه عادات مصحوبة بآداب وأعراف .
وللاختلاف حقوقه ومسوغاته،وله التزاماته التي تقرر محدداته ومؤشراته،وما يترتب عليها من حقوق وواجبات .
لكن حق الاختلاف يذهب بتفرده بين الثقافات،ولكل ثقافة أبجديتها في الاختلاف وحقوقه.
سنمضي في البحث والتنقيب،تمهيدا لوضع معنى الاختلاف وحقوقه في الثقافة السورية،وستتعرف على ما يحكمه من آداب اجتماعيّة،وقواعدالتصرف بأدائه ومحدداته داخل المجتمع العربي السوري.من خلال ثقافتنا السورية الشعبيّة حق الاختلاف جاء في الدساتير السورية،وإخذ بمحدداته في حياتنا اليومية،ولكن الاختلاف في الأخذ بمحدداته جاءت تباعاً بفوارقها من نظام سياسي .،إلى نظام آخر ،وفي سيرورة حق الاختلاف تباعاً يتبين أن الأنظمة السياسية،وضعت محددات له تخص فهمها وإيمانها بهذه الحقوق،ففي عقد الخمسينات،
وحتى مطلع الستينات من الألفية الثانية كان يُوخذ بجقوقه السياسية والفكرية والعقائدية،ماعدا ماشابه خلال فترة الانقلابات العسكرية.
وما بعد مرحلة الوحدة المصرية السورية أخذت النظرة لحق الاختلاف تسيس،وفق سياسة النظام بدءاً من الانفصال ومروراً بالثامن من آذار،وصولاً لانقلاب 23شباط 1966،حيث “أُودلج” حق الاختلاف بعقيدة يسراوية طبقية،بحيث لايخرج حق الاختلاف خارج حق الطبقة السياسية الحاكمة،ومفهومها لأمونها الساسية والحزبية والعقائدية والأمنية،وصار حق الاختلاف وامتلاكه نظرياً وعملياً مُكْلًفاً لصاحبه،حتى أن حق الاختلاف في الشأن السياسي،أصبح له محدداته الأمنية،وما يترتب عليه من سجن وتعذيب….إلخ.
وقبل أن تأتي إلى حق الاختلاف،بعد التغيير،نمر عليه في ثقافتنا السورية من الثقافة البدوية،فنرى أن حق الاختلاف يحدد وفق الجاه والسن وآداب الجلوس،فمن حق الوجهاء ،على سبيل المثال، الاختلاف مع شيخ العشيرة والقبيلة في ما يطلق عليه شعبياً المسايرة،ولكن في حدود
التطبيق،فشيخ العشرة والقبيلة لاتنزل كلمته إلى الأرض،فهذا
يخص هيبته ونظرة الناس اليه،وقل ذلك،على حد قول ابن خلدون، في البطن والفخذ والباط.ويظل في الثقافة البدوية،ثقافةًالقربى وعصبياتها،تعطي للعمر قيمته كمحدد في حق الاختلاف،”أكبر منّك بيوم أعرف منّك بسنه”،وهذا القول في حق الاختلاف،يتطلب الخوض في الأمثال الشعبية وتراثها، لنقدم عشرات الأمثلة التي تضفي على معنى حق الاختلاف،في ثقافة القبيلة ،وفي حقائقه الحياتية الاجتماعية اليوميةوفي الأحداث ووقت اتخاذ القرار داخل القبيلة،لكن الظرف الذي أحاط بهذه الدراسة حال دون ذلك.
وعن سؤالـ هل تجد هذه القيم السلوكية الاجتماعية،نفسها في سلوكنا الاجتماعي والسياسي،؟
إنّها والحق يقال،موجودة في ذهنيتنا،وفي سلوكنا داخل البيت والحي والمدرسة والحزب،وكان لها تداعياتها في إنسان الأسر المركبة وامتداداتها للفخذ والبطن والباط،وصولاً لكل البنى الاجتماعي،ونمدحها سي السيد في رواية نجيب محفوظ،وفي كثرة من الحكام العرب،وفي معيتهم،بعض حكام سوريا.
حق الاختلاف،في حياتنا السورية،بعد التغيير،صار له مساحة أكبر وأوسع،ومع ذلك فلازال له في السلطة السياسية الراهنة،بض مخداته الثقافية الخاصة بها وخاصة. حق الأحزاب،وحق الفكر العلماني،وحق المرأة،وحق النقد الذي يخص السياسات الخارجية،ومع ذلك لم نر لهذه الحقوق تداعيات،على النحو الذي عرفناها من شباط المؤامرة،وصولاً للمرحلة الأسدية.
د-عزالدين حسن الدياب.




