حين تصبح الكتابة عن فلسطين عبئاً على بعض المنابر..

حين تصبح الكتابة عن فلسطين عبئاً على بعض المنابر..
علي او عمو
كاتب من المغرب
ليس غريبًا أن تختلف الصحف في اختياراتها التحريرية، ولا أن
تختلف هيئات التحرير في تقييم المقالات والكتّاب. لكن الغريب أن
تصبح الكتابة عن القضية الفلسطينية، بما تحمله من مآسٍ
وانتهاكات يومية، موضوعًا لا يحظى دائمًا بالاهتمام الذي
يفترض أن يحظى به.
أنا واحد من الكتّاب الذين اختاروا أن يجعلوا من فلسطين محورًا
ثابتًا في كتاباتهم. أكتب عن غزة وما يتعرض له الفلسطينيون
من قتل ودمار وتهجير، وعن الانتهاكات التي تشهدها الضفة
الغربية على أيدي الجيش الإسرائيلي والمستوطنين، كما أكتب
عن الاستيطان والتهجير وعن الموقف الدولي من القضية
الفلسطينية.
ولا أكتب عن فلسطين بحثًا عن امتياز أو مجاملة من أحد، وإنما
لأنني أرى أن الكاتب العربي، حين يشاهد مأساة بهذا الحجم، لا
يستطيع أن يتعامل معها باعتبارها مجرد ملف سياسي عابر.
لكن المفارقة التي تستحق التوقف عندها هي أن بعض الصحف
الفلسطينية نفسها، التي يفترض أن تكون القضية الفلسطينية في
صميم رسالتها، لا تولي دائمًا ما يكتبه الكتاب المتضامنون مع
القضية الاهتمام الذي يستحقه.
والأمر هنا لا يتعلق بصحيفة بعينها أو بمقال بعينه، وإنما بظاهرة
تستحق النقاش: كيف يمكن لمنبر فلسطيني، يديره فلسطينيون،
أن لا يلتقط كل صوت عربي يكتب عن فلسطين، خصوصًا عندما
يأتي هذا الصوت من كاتب جعل القضية الفلسطينية جزءًا أساسيًا
من مشروعه الكتابي؟.
كان من المفترض، من وجهة نظر مهنية وأخلاقية، أن تكون
الصحف الفلسطينية أكثر انفتاحًا على كل قلم عربي يكتب عن
فلسطين، لا أن تتعامل مع هذه الكتابات وكأنها مجرد مساهمات
عادية يمكن تأجيلها أو تجاهلها.
فالكاتب الذي يكتب عن غزة من خارج فلسطين قد لا يعيش
المأساة كما يعيشها الفلسطيني تحت القصف أو الحصار أو
الاحتلال، لكنه يستطيع أن يحمل صوتها إلى قراء آخرين، وأن
يحول معاناة الفلسطينيين إلى قضية رأي عام تتجاوز حدود
الجغرافيا.
ومن هنا فإن تجاهل هذه الكتابات لا يضر الكاتب وحده، وإنما
يحرم الصحيفة أيضًا من أصوات يمكن أن تضيف إلى حضور
القضية الفلسطينية في الفضاء العربي والدولي.
ولا يتعلق الأمر بالمطالبة بأن تنشر الصحيفة كل ما يصل إليها
دون تدقيق أو تقييم. فمن حق أي هيئة تحرير أن تختار وأن
ترفض، وأن تطبق معاييرها المهنية على الجميع. لكن السؤال
المشروع هو: هل ينبغي أن تكون هناك حساسية خاصة تجاه كل
ما يكتب دفاعًا عن القضية الفلسطينية، أم أن هذه القضية
أصبحت، حتى لدى بعض منابرها، مجرد مادة صحفية تخضع
لمنطق الاختيار المعتاد؟.
إن فلسطين ليست موضوعًا عاديًا بالنسبة إلى ملايين العرب،
وليست مجرد ملف سياسي من بين ملفات أخرى. إنها قضية
شعب ما زال يعيش الاحتلال والاستيطان والتهجير والحرب،
ولذلك فإن كل قلم يكتب عنها بصدق ومسؤولية يمثل إضافة إلى
معركة الوعي، مهما اختلفت جنسية صاحبه أو مكان إقامته.
والأخطر من ذلك أن الاعتياد على المأساة قد يكون أحد أشكال
الخطر. فحين تصبح صور القتل والدمار والتهجير جزءًا من
المشهد اليومي، يصبح دور الصحافة أكثر أهمية، لا أقل. ومهمة
المنابر الفلسطينية والعربية أن تمنع تحول المأساة إلى خبر عابر
يفقد تأثيره مع مرور الوقت.
لهذا لا أفهم أن يجد بعض الكتاب مساحة واسعة للكتابة في
صحف فلسطينية، بينما يجد كاتب آخر، جعل فلسطين موضوعًا
دائمًا في مقالاته، أبوابًا موصدة أمام مساهماته.
ولا أقول ذلك من باب مقارنة نفسي بغيري من الكتاب، فلكل كاتب
أسلوبه ولكل هيئة تحرير تقديرها. وإنما أطرح سؤالًا يتجاوز
تجربتي الشخصية: هل أصبحت بعض المنابر الفلسطينية أقل
اهتمامًا بالأقلام التي تكتب عن فلسطين مما ينبغي أن تكون
عليه؟.
إن القضية الفلسطينية تحتاج إلى جميع الأقلام التي تستطيع
الدفاع عنها، وإلى جميع المنابر التي تؤمن بعدالتها، وإلى
صحافة لا تكتفي بالحديث عن فلسطين عندما تكون في صدارة
الأخبار، ثم تتركها عندما تتراجع عناوينها.
أما أنا فسأواصل الكتابة عن فلسطين.
سأكتب عن غزة، وعن الضفة الغربية، وعن القدس، وعن
الاستيطان والتهجير، وعن معاناة الفلسطينيين، وعن الصمت
الدولي، وعن كل ما أراه جديرًا بأن يصل إلى القارئ العربي.
قد تُنشر المقالة وقد لا تُنشر، وقد يختلف معي محرر أو صحيفة
أو قارئ. لكن ذلك لن يغير قناعتي بأن الكاتب لا يختار قضيته
وفقًا لعدد الصفحات التي تمنحه إياها الصحف، وإنما وفقًا لما
يمليه عليه ضميره.
وفلسطين، بالنسبة إليّ، ليست موسمًا للكتابة ولا مادة تبحث عن
نافذة للنشر.
فلسطين قضية تستحق أن تُكتب كل يوم، وأن يُسمع صوتها من
كل منبر، وأن تُفتح لها الأبواب قبل أن تُفتح لأي موضوع آخر
أقل إلحاحًا.
علي او عمو
كاتب من المغرب



