الافتتاحيهرئيسي

رد الجميل لطولكرم… من حملة تضامن إلى مشروع وطني ودولي لإنصاف محافظة تواجه الاستيطان والحصار والتلوث البيئي

رد الجميل لطولكرم… من حملة تضامن إلى مشروع وطني ودولي لإنصاف محافظة تواجه الاستيطان والحصار والتلوث البيئي

بقلم: رئيس التحرير

في الوقت الذي تتعرض فيه محافظة طولكرم لواحدة من أصعب المراحل في تاريخها المعاصر، تأتي مبادرة “رد الجميل لطولكرم” لتؤكد أن المدينة ليست وحدها في مواجهة التحديات. ومن هنا، فإننا نرحب بالوفد الإعلامي والصحفي الذي لبّى نداء الواجب الوطني، ونثمن الجهود التي بذلها محافظ طولكرم اللواء الدكتور عبد الله كميل، والشركاء من المؤسسات الرسمية والأهلية، وبلدية طولكرم، والغرفة التجارية، وجمعية رجال الأعمال، والأسرة الإعلامية الفلسطينية، وفي مقدمتها الدكتور ناصر اللحام رئيس تحرير وكالة “معا” الإخبارية، لإطلاق هذه المبادرة التي تعكس روح المسؤولية الوطنية تجاه محافظة قدمت الكثير للوطن وما زالت تدفع ثمنًا باهظًا لصمودها.

إن أهمية هذه المبادرة لا تكمن فقط في الدعوة إلى تنشيط الحركة التجارية، وإنما في إعادة توجيه الأنظار إلى محافظة تتعرض لحصار اقتصادي وجغرافي وسياسي ممنهج، وإلى شعب يواجه يوميًا إجراءات تستهدف وجوده وصموده وحقه في الحياة الكريمة. ولذلك فإن رد الجميل الحقيقي لطولكرم يجب ألا يقتصر على يوم للتسوق أو حملة إعلامية مؤقتة، بل ينبغي أن يتحول إلى مشروع وطني دائم، يجمع بين الدعم الاقتصادي، والتحرك القانوني، والتوثيق الإعلامي، والعمل السياسي والدبلوماسي.

لقد تحولت محافظة طولكرم خلال السنوات الأخيرة إلى نموذج لسياسات الخنق التي تمارسها سلطات الاحتلال، عبر الحواجز العسكرية والبوابات الحديدية التي تعزل المدينة عن محيطها، والتوسع الاستيطاني المتسارع، ومصادرة الأراضي الزراعية، وتجريفها، وتوسيع جدار الفصل، وإقامة مناطق صناعية استيطانية، بما أدى إلى إضعاف الاقتصاد المحلي، وتراجع النشاط التجاري، وارتفاع نسب البطالة، وإلحاق أضرار جسيمة بالقطاع الزراعي، وهو ما يتطلب خطة إنقاذ وطنية شاملة.

ولا تقف معاناة المحافظة عند حدود الاحتلال العسكري، بل تمتد إلى أخطار بيئية وصحية متفاقمة نتيجة المصانع الإسرائيلية الملوثة والكسارات التي تطوق المدينة، والمقامة على أراضٍ فلسطينية صودرت بالقوة، والتي تلحق أضرارًا مباشرة بالهواء والمياه والتربة، وتهدد صحة السكان، وتنعكس سلبًا على الإنتاج الزراعي والموارد الطبيعية. إن هذه الممارسات لا تشكل اعتداءً على البيئة الفلسطينية فحسب، وإنما تمثل انتهاكًا واضحًا لمبادئ القانون البيئي الدولي، ولحق الإنسان في العيش في بيئة سليمة، كما تخالف التزامات القوة القائمة بالاحتلال بموجب القانون الدولي الإنساني.

كما أن ما تعرض له مخيما طولكرم ونور شمس من عمليات عسكرية واسعة، وما رافقها من تهجير قسري وتدمير للمنازل والبنية التحتية والمرافق العامة، يفرض مسؤولية قانونية على المجتمع الدولي للتحرك من أجل حماية المدنيين، وضمان عودة المهجرين، وإعادة إعمار ما دمره الاحتلال، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة التي تمس حقوق السكان المدنيين.

إن الدور الحقيقي للإعلام في هذه المرحلة يتجاوز تغطية المبادرات والفعاليات، ليصبح شريكًا في معركة الحقيقة. فالمطلوب من الوفد الإعلامي توثيق معاناة أهالي طولكرم، ورصد آثار الاستيطان، ومصادرة الأراضي، وتدمير الاقتصاد، والتلوث البيئي، ونقل صورة المخيمات والقرى المحاصرة إلى الرأي العام العربي والدولي، وبناء أرشيف مهني موثق بالصور والخرائط والشهادات والإحصاءات، ليكون جزءًا من ملفات قانونية تقدم إلى الأمم المتحدة، ومجلس حقوق الإنسان، والمحكمة الجنائية الدولية، وغيرها من المؤسسات الدولية المختصة.

كما أن المطلوب فلسطينيًا إطلاق برنامج وطني خاص بمحافظة طولكرم، يتضمن تعويض المتضررين، ودعم المزارعين والتجار، وتحفيز الاستثمار، وإعادة تأهيل البنية التحتية، وتعزيز صمود المواطنين، بما ينسجم مع متطلبات التنمية المستدامة، ويمنح المحافظة القدرة على مواجهة الآثار الاقتصادية والاجتماعية الناجمة عن سياسات الاحتلال.

لقد أثبتت التجارب أن الاحتلال لا يكتفي بالسيطرة العسكرية، بل يسعى إلى إعادة تشكيل الجغرافيا الفلسطينية بما يخدم مشروعه الاستيطاني. ولذلك فإن ما يجري في طولكرم لا يمكن قراءته بمعزل عن السياسات الإسرائيلية الرامية إلى فرض وقائع دائمة على الأرض، وتفريغ المناطق الفلسطينية من مقومات صمودها، وإضعاف اقتصادها، وعزلها عن محيطها الطبيعي.

إن قضية طولكرم أعمق بكثير من أن تُختزل في ذرائع “الأمن الإسرائيلي”. فالوقائع على الأرض تؤكد أننا أمام مشروع استيطاني متكامل يستهدف إعادة رسم الخريطة الديموغرافية والجغرافية للمحافظة، وتقويض قدرة سكانها على البقاء، تمهيدًا لفرض وقائع الضم. وتزداد خطورة هذه السياسات في ضوء المكانة التي تحتلها طولكرم في العقيدة الأمنية الإسرائيلية، حيث تُنظر إليها باعتبارها منطقة ذات أهمية استراتيجية، وهو ما يفسر تصاعد إجراءات السيطرة على الأرض، والتوسع الاستيطاني، وإحاطة المدينة بالبوابات العسكرية، وإقامة المناطق الصناعية الملوثة والكسارات، وخنق الاقتصاد المحلي.

إن هذه السياسات لا تمثل انتهاكًا لحقوق الشعب الفلسطيني فحسب، بل تشكل خرقًا فاضحًا لميثاق الأمم المتحدة، واتفاقيات جنيف الأربع، ونظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، والرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية، التي أكدت جميعها عدم مشروعية الاستيطان، ورفض ضم الأراضي بالقوة، ووجوب حماية السكان المدنيين والأراضي المحتلة.

ومن هنا، فإن رد الجميل الحقيقي لطولكرم يبدأ بتوثيق الحقيقة، ويتواصل ببناء ملف قانوني ودبلوماسي وإعلامي متكامل، يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته، ويكشف المخططات الإسرائيلية التي تتجاوز الذرائع الأمنية إلى مشروع استعماري يستهدف الأرض والإنسان والبيئة والاقتصاد. فالدفاع عن طولكرم هو دفاع عن سيادة القانون الدولي، وعن العدالة، وعن حق الشعب الفلسطيني في الحرية وتقرير المصير، وهو دفاع عن مستقبل فلسطين في مواجهة سياسات فرض الأمر الواقع.

إن طولكرم، بتاريخها ونضالها وتضحياتها، تستحق أكثر من حملات موسمية؛ إنها تستحق استراتيجية وطنية شاملة تجعل من صمودها أولوية، ومن إنصافها واجبًا، ومن حماية أرضها وبيئتها واقتصادها واستقرار أهلها مسؤولية وطنية ودولية لا تقبل التأجيل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب