زيارة كوشنر (لا) تكسر الجمود: إسرائيل متمسّكة بـ«سقوفها» في غزة

زيارة كوشنر (لا) تكسر الجمود: إسرائيل متمسّكة بـ«سقوفها» في غزة
لم تفلح زيارة المبعوث الأميركي جاريد كوشنر في تحقيق اختراق حقيقي في جدار الموقف الإسرائيلي، وسط تمسّك تل أبيب بشروطها «الأمنية» ورفضها التراجع عن «الخط الأصفر». وفيما تحدّثت واشنطن عن تقدّم، بقيت الخلافات حول نزع السلاح والانسحاب والاغتيالات من دون حسم.
غزة | يبدو أن مبعوث الرئيس الأميركي، جاريد كوشنر، سيعود من تل أبيب خالي الوفاض؛ إذ لم تفلح زيارته إليها، حتى اللحظة، في تحقيق اختراق حقيقي في جدار الموقف الإسرائيلي المعقّد، والذي يأتي في توقيت أكثر تعقيداً مع اقتراب الاستحقاق الانتخابي الإسرائيلي. وكان أبرز ما صدر عقب اجتماع استمرّ أربع ساعات بين كوشنر وبين رئيس وزراء الاحتلال، بنيامين نتنياهو، بيان مقتضب من مكتب الأخير، أعلن تشكيل مجموعتَي عمل؛ الأولى تُعنى بنزع سلاح المقاومة قبل الحديث عن التقدّم بأيّ خطوة في مسار إعادة الإعمار، فيما ستركّز الثانية على قضايا «الصرف الصحي والمياه النظيفة وغيرها من شؤون الصحة العامة لسكان غزة، والتي تؤثّر سلباً على مواطني إسرائيل»، وفق ما جاء في البيان.
غير أن هذا الإعلان المقتضب رافقه سيل من التصريحات المتناقضة بشأن ما تمّ التوصّل إليه. ففيما أكد مسؤولون في «مجلس السلام» أن كوشنر ونتنياهو اتفقا على المضيّ قدماً في خطّة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، أعاد وزير المالية الإسرائيلي، بتسلئيل سموتريتش، طرح موقفه الداعي إلى احتلال قطاع غزة، قائلاً إن «القضاء الكامل على (حركة) حماس لن يتحقّق من دون احتلال قطاع غزة بالكامل والسيطرة عليه وإقامة المستوطنات فيه»، وإن هدف القضاء على الحركة «لا ينسجم مع إجراء مفاوضات مع قادتها الذين يُفترض ألّا يكونوا على قيد الحياة».
هذا التباين تجلّى أيضاً، إنما بصورة أكثر وضوحاً، لدى الخوض في تفاصيل البنود الـ15 في «خريطة الطريق»، التي كانت توافقت عليها فصائل المقاومة مع الوسطاء والضامنين وممثّل «مجلس السلام» نيكولاي ملادينوف. إذ نقلت «القناة الـ12» العبرية، عن مصدر سياسي إسرائيلي، قوله إنه تمّ الاتفاق مع كوشنر على تسليم «حماس» سلاحها إلى القوات الأميركية، التي يقودها الجنرال جاسبر جيفريز (قائد قوة الاستقرار الدولية)، من أجل تدميره. وأضاف المصدر: «قلنا لكوشنر إنه عندما يتعلّق الأمر بأمننا، فلن نتراجع عن «الخطّ الأصفر» ولا عن حرية العمل، بما في ذلك استهداف عناصر النخبة، أي التهديدات الفورية، وتصفية مسلّحي عملية طوفان الأقصى». وفي السياق نفسه، أفادت «القناة الـ15» العبرية بأنه «لم يتمّ التوصّل إلى اتفاق بين نتنياهو وكوشنر بشأن استمرار عمليات الاغتيال»، مضيفةً أن «نتنياهو أوضح أنه سيواصلها»، فيما «عارض» كوشنر الأمر.
من المرجّح أن تتبع الزيارة مفاوضات تحت عنوان وجود تحفظات إسرائيلية على البنود التفصيلية
وفي مقابل قائمة الخروقات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار التي سلّمتها «حماس» إلى كوشنر خلال اجتماعه بقيادتها في القاهرة، قال المصدر السياسي الإسرائيلي، لـ«القناة الـ12»، إن تل أبيب قدّمت إلى المبعوث الأميركي معطيات تزعم أن الحركة لم تتّخذ خطوات فعلية لنزع سلاحها، ومعطيات أخرى حول تمويل تركي للحركة. غير أن البيان الرسمي لـ«مجلس السلام» أشار إلى أن الأخير أبلغ رئيس الوزراء الإسرائيلي بأن «حماس» التزمت بالتخلّي عن سلاحها بشكل كامل، والوقف الفوري لجميع الأنشطة العسكرية في قطاع غزة، بما فيها إعادة التسلّح وحفر الأنفاق. ووفقاً للبيان، أكد نتنياهو أن إسرائيل ستلتزم بتعهّداتها السابقة التي لا تزال مطروحة على جدول الأعمال، والتي ساعدت الولايات المتحدة في التوصّل إلى اتفاق للإفراج عن جميع الأسرى. وأضاف البيان: «اتّفق الطرفان على أنه لن تتمّ إعادة انتشار قوات الجيش الإسرائيلي خارج قطاع غزة إلى أن يتمّ نزع سلاح حماس بشكل كامل، ويتمّ نزع السلاح من كامل أراضي القطاع، بما يشمل جميع الأسلحة، الخفيفة والثقيلة، وجميع الأنفاق. وكلّ سلاح سيتمّ جمعه سيُعطَّل بشكل كامل بحيث لا يمكن استخدامه مجدداً». وختم بالقول إن الطرفَين يشتركان في أن يكون قطاع غزة «منزوع السلاح بالكامل وخالياً من التطرّف، ولا يشكل تهديداً لإسرائيل»، وأن يتمكّن سكان غزة من «العمل من أجل الازدهار والكرامة عبر طريق السلام»، على حدّ تعبير المجلس.
أما الموقف الأكثر إثارة للانتباه، فجاء على لسان ترامب نفسه، الذي وجّه رسالة علنية إلى نتنياهو قال فيها إنه «من الأفضل لإسرائيل ألّا تقصف غزة مجدداً»، متحدّثاً عن وجود «تقدّم إيجابي» في ملفّ نزع السلاح، مضيفاً أن «لدينا علاقتنا الخاصة بحركة حماس». ومن جهتها، رحّبت «حماس»، على لسان المتحدث باسمها في غزة حازم قاسم، بتصريحات ترامب، ورأت فيها التزاماً أميركياً بمسار وقف إطلاق النار، داعيةً الرئيس الأميركي إلى إلزام إسرائيل بما تمّ الاتفاق عليه لتطبيق «المرحلة الثانية» من خطته.
وكان كوشنر التقى وفداً من «حماس» وفصائل المقاومة في القاهرة، وهو ما أثار جدلاً واسعاً في إسرائيل. إذ ذكرت صحيفة «يسرائيل هيوم» أن نتنياهو وبّخ كوشنر بسبب اجتماعه مع رئيس المكتب السياسي للحركة، خليل الحية، فيما عُدّ اللقاء، في الأوساط السياسية الإسرائيلية والفلسطينية على حدّ سواء، تحولاً استراتيجياً في الموقف الأميركي من «حماس»، وتتويجاً لمسار تفاوضي طويل أفضى إلى ما تسمّيه واشنطن موافقة الحركة على التحوّل إلى حزب سياسي، مع الاحتفاظ لها بحق المشاركة في الانتخابات العامّة والعمل في الدوائر الحكومية. والتطوّر المفترض هذا، يجعل «حماس»، من وجهة نظر الإدارة الأميركية، جزءاً من الحلّ بدلاً من أن تكون جزءاً من المشكلة، وهو ما يضع الحكومة الإسرائيلية أمام فجوة متّسعة مع حليفتها الكبرى، الولايات المتحدة.
وبحسب مصدر في «حماس»، فإن لقاء الحية – كوشنر استمرّ نحو ساعتَين، وأكد خلاله المبعوث الأميركي أنه يحمل رسالة من ترامب إلى نتنياهو يؤكد فيها حرصه على المضيّ قُدماً في الاتفاق، مع تطمينات إلى رفض الولايات المتحدة أيّاً من مخطّطات تهجير سكّان القطاع. كما أبلغ كوشنر قيادة «حماس» بأن ترامب يعتبر نزع السلاح خطوة أساسية تسبق أيّ خطوات أخرى في غزة، ونصح الحركة بعدم التعويل على نتائج الانتخابات الإسرائيلية، مؤكداً أن إسرائيل موحّدة في مواقفها تجاه غزة. وفي المقابل، أكد وفد «حماس» أن الحركة «سترفض أيّ خطوات لا تضمن موافقة إسرائيلية مسبقة»، وفقاً للمصدر.
في المحصلة، انتهت زيارة المبعوث الأميركي وسط ضبابية هائلة؛ إذ قرأ كلّ طرف مواقفه بما يخدم رؤيته، مع تقدير أميركي للحرج الذي يحيط برئيس وزراء الاحتلال في الموسم الانتخابي، وحاجته إلى تمرير جملة من التصريحات العنترية والمستفزة. ومهما يكن من أمر، فإن ما بعد هذه الزيارة لن يختلف كثيراً عمّا قبلها؛ فهي بمثابة محاولة أميركية لإنقاذ «خطة السلام» في غزة، بعدما بدت مهدَّدة بالانهيار، خصوصاً مع التململ المتزايد الذي تُظهره قطر وتركيا ومصر والإمارات. ومن المرجّح أن تتبع الزيارةَ مفاوضات جديدة تحت عنوان وجود تحفظات إسرائيلية على كثير من البنود التفصيلية، فيما سيحافظ الموقف الأميركي على المستوى نفسه من محاولات الإقناع، من دون تجاوز ذلك إلى ممارسة ضغوط فعلية، ولا سيما أن مواصلة التصعيد بذريعة الأمن ومعاندة الولايات المتحدة أصبحتا مادة شعبوية مناسبة للتحشيد الانتخابي.
وينبئ ما تقدّم بأن الأشهر الثلاثة المقبلة، التي تسعى خلالها الولايات المتحدة إلى إنقاذ خطتها في غزة، لن تحمل سوى الجمود، مع تصعيد مضبوط المستوى وانفراجات إنسانية شكلية لا تتجاوز زيادة البضائع التجارية والمساعدات الاستهلاكية. وفي المقابل، ستحافظ إسرائيل على سياسة الاغتيالات والبقاء في مناطق «الخطّ الأصفر»، مواصِلةً، في الوقت نفسه، منع دخول «اللجنة الإدارية» إلى القطاع، والتنقيط في السماح بعمل «القوات الدولية»، توازياً مع وضع خطّ أحمر كبير أمام إعادة الإعمار.
الاخبار اللبنانية




