سابقة في تاريخ الحروب… أوكرانيا تراهن على استعمال الدرونات البرية في مواجهة القوات الروسية

سابقة في تاريخ الحروب… أوكرانيا تراهن على استعمال الدرونات البرية في مواجهة القوات الروسية
حسين مجدوبي
لم تعد المركبات البرية بدون طيار مجرد قدرة تجريبية، بل أصبحت أداة معتادة في الحرب الأوكرانية، وها هي تستعيد موقعا أرضيا كان تحت سيطرة القوات الروسية.
لندن ـ «القدس العربي»: على الرغم من أن الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران قامت بتهميش الحرب الروسية-الأوكرانية، إلا أنها تشهد تطورات مثيرة أبرزها محاولة استفادة دول الخليج من تجربة الأوكرانيين في تصدير الطائرات المسيرة، ثم رهان كييف على الدرون الأرضي الذي بواسطته نجحت في استعادة منطقة كانت تحت الاحتلال الروسي، في سابقة في الحروب.
وفي سياق متصل، تراجعت المواجهة الحربية خلال الأسابيع الماضية وخاصة هدنة تزامنت مع أعياد الفصح، استغلّها الرئيس الأوكراني فلوديمير زيلينسكي للقيام بجولة في عدد من دول الخليج، شملت قطر والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، حيث عرض تجربة الجيش الأوكراني في مواجهة الطائرات المسيّرة الإيرانية من طراز الشاهد 136. وأسفرت هذه الزيارة عن توقيع عدد من الاتفاقيات العسكرية مع بعض دول الخليج، شملت برامج لتدريب ضباط خليجيين على يد نظرائهم الأوكرانيين، بهدف تعزيز القدرات الدفاعية في مواجهة تهديدات الطائرات المسيّرة. وبالفعل، نجح الأوكرانيون في تطوير أنظمة دفاع خاصة بمواجهة الطائرات المسيرة، وتعترض بشكل كبير غالبية المسيرات الروسية. ورغم أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سخر في بداية الحرب من المساعدة التي عرضها الأوكرانيون في مواجهة إيران قائلا «لا نحتاج إلى مساعدتكم في مجال الدفاع ضد الطائرات بدون طيار. نحن نعرف عن الطائرات بدون طيار أكثر من أي أحد. لدينا أفضل الطائرات بدون طيار في العالم»، إلا أن الأخبار التي نشرتها عدد من المواقع المتخصصة في ما هو عسكري خاصة في الولايات المتحدة، اعترفت بأن خبراء أمريكيين استفادوا من التجربة التي امتلكتها القوات العسكرية الأوكرانية في مواجهة القوات الروسية.
ومباشرة بعد انتهاء هدنة أعياد الفصح، شن الجيش الروسي ليلة الأربعاء فجر الخميس من الأسبوع الجاري أحد الهجمات الأكثر شراسة ضد أوكرانيا خلال الشهور الأخيرة، وهذه المرة لا يتعلق الأمر فقط بمسيرات بل بصواريخ شديدة الانفجار والسرعة لا تمنح لأنظمة الدفاع الجوي الأوكراني فرصة كبيرة لاعتراضها. وكانت النتيجة قرابة 20 قتيلا الغالبية في مدينة أوديسا. وتعترف القوات الأوكرانية بتراجع مخزون صواريخ باتريوت الأمريكية، فقد ذهب جزء مما كانت تنتظره إلى الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد الخليج. وعاد الرئيس زيلنسكي للتأكيد على ضرورة التزام الشركاء الغربيين بتزويد بلاده بهذه الصواريخ.
وإذا كان قد وقع تصدع في منظمة شمال الحلف الأطلسي حول المشاركة في فتح مضيق هرمز بعد ما أغلقته إيران، حيث رفض الأعضاء الأوروبيين المشاركة العسكرية، يستمر الإجماع حول ملف أوكرانيا. وأعرب الحلف الأطلسي عن التعهد بالتزاماته نحو هذا البلد في قمة برلين الأربعاء من الأسبوع الجاري. علاقة بهذا، دعا الأمين العام للحلف، مارك روته، الدول الأعضاء إلى تكثيف جهودها لتعزيز الدعم العسكري لأوكرانيا، وذلك خلال اجتماع مجموعة الاتصال في برلين. وقدّر الوفد الأوكراني حجم الاحتياجات بنحو 60 مليار دولار لما تبقى من السنة الجارية. وأكد روته أهمية ضمان استمرارية الدعم وتحقيق توزيع أكثر توازنًا للأعباء بين الدول، محذرًا من أن نسبة محدودة من الدول هي التي تتحمل العبء الأكبر من المشاركة.
وأضاف الأمين العام أنه، رغم تعدد الأزمات المتزامنة ومنها الحرب في الخليج، لا يمكن نهائيا للحلفاء إغفال الوضع العسكري في أوكرانيا لأن الأمر يتعلق بالأمن القومي الأوروبي. مؤكدًا ضرورة ضمان الإمداد المستمر بالقدرات الأساسية، مثل أنظمة الدفاع الجوي، والطائرات المسيّرة، والذخائر بعيدة المدى. وشدد على أن «أوكرانيا يجب أن تمتلك الأسلحة الكافية للاستمرار في القتال».
عمليًا، ومنذ اندلاع حرب أوكرانيا ومرورا بحرب السابع من أكتوبر ثم الحرب الحالية، تشهد المواجهات العسكرية تحوّلا نوعيًا غير مسبوق في تاريخ الحروب، تمثّل في توظيف أسلحة غير تقليدية، وعلى رأسها الصواريخ والطائرات المسيّرة الجوية والبرية، إلى جانب استخدام الذكاء الاصطناعي في تحديد الأهداف ووضع الخطط العسكرية. ويبقى الجديد منذ بداية السنة وخاصة خلال الأسبوعين الأخيرين من نيسان/أبريل الجاري هو استعمال الدرونات الأرضية من طرف أوكرانيا في الحرب ضد روسيا. وتبرز الصحافة الأوكرانية والتقارير الدولية أن الدورنات الأرضية، هي مركبات تقوم بإجلاء الجرحى والقتلى، وتوزيع المواد الغذائية والأدوية، وتتولى زرع الألغام، ونقل الذخيرة، وإطلاق الطائرات بدون طيار، وإطلاق القذائف، وإقامة الحواجز، واستعادة المركبات المعطلة، والقيام بمهام استخباراتية. وأعلن الرئيس زيلنسكي الاثنين من الأسبوع الجاري أن «أوكرانيا استعادت، للمرة الأولى، موقعًا كان يحتله الروس باستخدام الطائرات بدون طيار البرية والجوية فقط، ما أجبر الأعداء على الاستسلام». وتعكس البيانات التي نشرتها وزارة الدفاع الأوكرانية منذ أيام هذا القفزة النوعية. فقد نفذ الجيش الأوكراني في الربع الأول من عام 2026، أكثر من 24 ألف عملية عسكرية مرتبطة بالميدان بين الهجوم والدفاع وإيصال الدعم وإجلاء الجرحى وألخ.
وفي تصريح سابق لقائد الفيلق الثالث في الجيش الأوكراني، أندري بيليتسكي لقناة TSN أنه في الأشهر المقبلة، و«في حال استمرار التقدم التكنولوجي الحالي، ستسمح الطائرات بدون طيار البرية بسحب ما يصل إلى ثلث قوات المشاة. وسيصبح أفراد هذه القوات جزءًا من نوع من فيلق النخبة الذي سيضطلع بالمهام التي لا تستطيع تلك الروبوتات القيام بها». وهكذا، تعزز أوكرانيا مكانتها كواحدة من أبرز الدول الرائدة عالميا في استخدام المركبات البرية غير المأهولة «UGV» في القتال. وقد تسارعت وتيرة هذه العملية بشكل ملحوظ منذ عام 2024، حيث انتقلت من الحلول المرتجلة بسبب نقص العتاد إلى التكامل الفعلي في العمليات لاسيما مع الدرونات الجوية. ولم تعد المركبات البرية بدون طيار مجرد قدرة تجريبية، بل أصبحت أداة معتادة في الحرب الأوكرانية، وها هي تستعيد موقعا أرضيا كان تحت سيطرة القوات الروسية. إنه منعطف في تاريخ الحروب.




