مقالات

سلسلة من أيامي 22.. عقد من التقاعد – معمر حبار

سلسلة من أيامي 22.. عقد من التقاعد – معمر حبار

مقدّمة المتقاعد:

أكرم الله عبده الذليل بنعمة التقاعد، بتاريخ: 16 ماي 2016. وهو يومها في عقده الخامس. واليوم، وبتاريخ: 16 ماي 2016. وهو في عقده السّادس، وقد مرّ على تقاعده عقد من الزّمن. أي عشر سنوات.

من معاني التقاعد:

لا تسأل متقاعد عن سبب تقاعده:

كما أنّ لكلّ شخص ظروف دفعته لاختيار هذه الوظيفة دون تلك. وربّما لو عاد به الزّمن لاختار تلك على هذه. كذلك لكلّ شخص ظروف دفعته لاختيار التقاعد. وربّما لو عاد به الزّمن، ولو كان في مقدوره لما اختار التقاعد. ولذلك لا يسأل المتقاعد: لماذا اخترت التقاعد على غيره؟ وكذلك لا يسأل من فضّل العمل على التقاعد: لماذا اخترت العمل على التقاعد؟.

التقاعد مرحلة لما قبلها:

التقاعد هو مرحلة تابعة لما قبلها من المراحل. فهو ليس بداية، ولا نهاية. لأنّه امتداد للطفولة، والمراهقة، والشباب. ومن تعامل معه على أنّه نهاية. فقد قضى على نفسه بالإعدام، وحرمها عطاء مرحلة، ومزاياها، وفضائلها. وحرم غيره من الاستفادة من مرحلة من مراحل عمره. والأمّة التي استفادت في صغره، وشبابه. لهي أولى أن تستفيد من تقاعده.

أخطاء حول التقاعد:

يسألني الكثير: تقرأ، وتكتب لأنّك متقاعد. ونحن لا نستطيع فعل ذلك، لأنّنا ما زلنا نعمل.

أجبت في حينها، وأؤكّد، وأضيف: مخطئ من اعتبر التقاعد مرحلة نهائية من العمر. ولذلك يعتبر أنّ الكتابة، والقراءة، وأيّ نشاط مرتبط بالتقاعد. لأنّه يعتبر -خطأ- أنّ التقاعد هو فراغ يمرّ به المرء.

الحقيقة التي يجب أن تقال في هذا المقام: من تدرّب على القراءة، والكتابة مذ صغره. أمست لديه مهمّة عادية، وسهلة في تقاعده. فهو يقرأ ويكتب لأنّه كان يقرأ ويكتب، وليس لأنّه متقاعد. وقد رأيت رأي العين من بلغ ” ثَمانينَ حَولاً لا أَبا لَكَ يَسأَمِ”. ولم يقرأ، ولم يكتب. لأنّه لم يقرأ ولم يكتب في صباه، وشبابه.

القراءة، والكتابة لا علاقة لها إطلاقا بالتقاعد. إنّما هي امتداد لما قبلها. مع التّأكيد، أنّ التقاعد يضفي على القراءة والكتابة رداءه، ويصبغه بصبغته.

لا تغترّ بتقوى المتقاعد:

يخطئ من يعتقد أنّ المتقاعد “تقيّ” لأنّه متقاعد. لأنّ التقوى كالقراءة، والكتابة مرحلة تمتد عبر الزّمن، وتصنعها الأيّام. مع توفيق من الله تعالى. وهذا ليس بيد أحد.

رأيت رأي العين أنّ شرّ النّاس هم المتقاعدين. وبرز شرّهم بعد التقاعد. كأن تجد رجلا في عقده السّابع يطارد قاصر، ويشعل النيران، ويفرّق بين المرء وزوجه. ولا يهدأ له بال إلاّ إذا أتى على المحراب فهدّمه، وعلى المنبر فحطّمه، وعلى البياض فلطّخه. وحين عاد المرء بالزّمن إلى الوراء، وسأل العارفين بماضيه، والمتضرّرين بأقواله وأفعاله. قيل له: كان في صغره شرّ خلق الله، وأبعدهم عن صراطه. ولم يستطع السّنوات أن تقوّم عوجه، وتصلح ما أفسدته الأيّام.

التقاعد لا يضيف لك إلاّ ما بنيته في صغرك. ولا ينزع عنك إلاّ ما حرمته عن نفسك في شبابك. والتقوى بناء وليست بنت الشيب.

صحة المتقاعد:

قلت صباح اليوم لصديقي الأستاذ ونحن نشتري بعض الملابس: حين يكون المرء في العمل يأكل، ويشرب، ويلبس ما يراه غيره. فيحرم نفسه ما لا يراه غيره، وقدّمت أمثلة. وحين يتقاعد يهتم بنفسه. فيأكل، ويشرب، ويلبس ما يراه هو ولا يعنيه -كثيرا- ما يراه غيره، أو يهتم به.

وقد رأيت رأي العين أنّ المتقاعد يهتم بصحته. رغم أنّها ليست صحّة شاب، ودخله أقلّ ممّا كان. فهو في صحة جيّدة رغم ما يعتريها. لأنّه تفرّغ لصحتّه، واهتمّ بها. والعامل لا يهتمّ بصحته، ولم يتفرّغ لها. رغم أنّه يتقاضى الأحسن، ويأكل الأفضل. فالصّحة كغيرها من العوامل تحتاج للاهتمام، والتّفرّغ.

عقل المتقاعد:

القاعدة المكتوبة، والمنقولة منذ قرون ومذ كان المرء يلهو ويعبث. أنّ كمال العقل، وتمامه في الأربعين من عمره. وقدّموا في سبيل فرضها، وتبيان فضائلها الكثير لتثبيتها. لكن بعد التقاعد، رأى المرء أن تضاف لهذه القاعدة ميزة أخرى. مع الإبقاء على قاعدة الأربعين التي أقامها الآباء والأجداد، وهي: الأربعين من العمر غير كافية وتحتاج لعمر يسندها، وأيّام تدفعها، ومواقف ترفعها. ومن اكتفى بالأربعين لتقييم الرّجال، خسر الرّجال. ولا يفهم من هذا الحديث نبذ الشباب، وتهميشهم، وتركهم ظهريا. فإنّ هذا ممّا لم يقل بها عاقل. ويقوم البنيان على جمرة شاب، وحكمة متقاعد. ومن استغنى بأحدهما عن الآخر: “فَأَتَي اَ۬للَّهُ بُنْيَٰنَهُم مِّنَ اَ۬لْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ اُ۬لسَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ”، سورة النحل 26.

السّبت 29 ذو القعدة 1447هـ، الموافق لـ 16 ماي 2026

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب