سوريا خارج قائمة الإرهاب: هل تتدفق الأموال عبر المصارف؟

سوريا خارج قائمة الإرهاب: هل تتدفق الأموال عبر المصارف؟
منهل باريش
يرفع القرار أسئلة حول جاهزية المصارف السورية، وقدرتها على استعادة العلاقات الخارجية، وحجم الأموال التي يمكن أن تنتقل من شبكات الحوالة والوسطاء إلى النظام المصرفي الرسمي.
بعد سلسلة طويلة من القرارات الأمريكية التي أعادت فتح التعامل الاقتصادي مع سوريا، جاء شطبها من قائمة الدول الراعية للإرهاب في 24 آب/أغسطس، ليزيل قيداً ظل قائماً فوق بيئة مالية بدأت تتغير منذ العام الماضي. ويمنح القرار دمشق فرصة أوسع للعودة إلى شبكات التحويل والدفع والتمويل الدولية، إلا أن أثره الاقتصادي سيتوقف على مدى استعداد المصارف الأجنبية للانتقال من الترقب إلى التعامل الفعلي.
ويرفع القرار أسئلة حول جاهزية المصارف السورية، وقدرتها على استعادة العلاقات الخارجية، وحجم الأموال التي يمكن أن تنتقل من شبكات الحوالة والوسطاء إلى النظام المصرفي الرسمي.
ويكتسب القرار دلالة إضافية بالنظر إلى تاريخ التصنيف، إذ يعود إدراج سوريا على القائمة إلى 29 كانون الأول/ديسمبر 1979، عندما اعتبرت واشنطن أن دمشق تقدم دعماً وملاذاً وتسهيلات لجماعات مسلحة فلسطينية صنفتها أمريكا إرهابية. ولم يرتبط الإدراج بحادثة واحدة بعينها، وإنما بسياسة سورية رأت فيها الإدارات الأمريكية دعماً متكرراً لهذه الجماعات. وتعززت الاتهامات لاحقاً، خصوصاً في الثمانينيات، وفرضت واشنطن إجراءات إضافية عام 1986 بعد قضية نزار هنداوي ومحاولة تفجير طائرة تابعة لشركة «العال» في مطار هيثرو، بعدما قالت بريطانيا وأمريكا إن التحقيقات أظهرت صلات له بأجهزة الاستخبارات السورية. وفي العقود التالية أضيف دعم دمشق لحزب الله وحماس والجهاد الإسلامي وجماعات أخرى إلى مبررات استمرار التصنيف.
عودة المصارف
وعملياً، يعتمد العمل المصرفي الدولي على الحسابات المراسلة التي يستخدمها البنك المحلي لتنفيذ تحويلات وتسويات في الخارج. ومن دون هذه الشبكة، تبقى قدرة المصرف السوري محدودة حتى عندما يكون التعامل معه مسموحاً قانونياً.
وكانت وزارة الخزانة الأمريكية قد فتحت، منذ تموز/يوليو 2025، المجال أمام المؤسسات المالية الأمريكية للتعامل مع الحكومة السورية ومصرف سوريا المركزي والمصارف المحلية، مع استمرار القيود على الأشخاص والكيانات المدرجين على قوائم العقوبات. إلا أن عدداً كبيراً من البنوك بقي حذراً بسبب متطلبات التدقيق والمخاطر المرتبطة بالامتثال والسمعة، وقد يدفع رفع التصنيف المصارف الإقليمية والدولية إلى إعادة تقييم هذا الموقف.
وبدأت دمشق بالفعل اتصالات مع مؤسسات مالية خارجية، بينها «بنك أوف أميركا»، في إطار البحث عن قنوات تعيد ربط المصارف السورية بالأسواق الدولية.
وأوضح حاكم مصرف سوريا المركزي صفوت رسلان أن العملية التي نفذتها «فيزا» في دمشق تختلف عن استخدام أجهزة دفع أجنبية كان يجري سابقاً من داخل سوريا عبر حسابات أو تجار مسجلين في الخارج.
وقال رسلان إن العملية الجديدة جرت ضمن إطار معتمد وبالتنسيق مع المصرف المركزي، بحيث أصبح التاجر ونقطة القبول معرفين داخل الشبكة الدولية على أنهما موجودان في سوريا. وأضاف أن «فيزا» اعتبرت العملية أول عملية دولية حية لها داخل البلاد، ونُفذت بالتعاون مع «فرنسبنك لبنان» كجهة مالية مشاركة و«بايميرا» كشريك تقني.
وأشار رسلان إلى أن «فيزا» كانت قد أعلنت منذ كانون الأول/ديسمبر الماضي شراكة وخريطة طريق مع المصرف المركزي لربط منظومة المدفوعات السورية بالشبكات العالمية، موضحاً أن أهمية العملية الأخيرة تكمن في تسجيل التاجر ونقطة القبول داخل سوريا، بحيث أصبحت البلاد سوق قبول ضمن الشبكة الدولية، بدلاً من تمرير العملية عبر حساب مسجل في دولة أخرى.
التحويلات والتجارة
يمكن أن يظهر الأثر الأكثر مباشرة للقرار في تحويلات السوريين في الخارج، التي اعتمد جزء كبير منها خلال سنوات العقوبات على شركات الصرافة وشبكات الحوالة والوسطاء.
وإذا توسعت شبكة البنوك المراسلة، يمكن أن تنتقل نسبة أكبر من التحويلات إلى الحسابات المصرفية، بما يخفض كلفة إرسال الأموال وينقل جزءاً من الدولار واليورو من الاقتصاد الموازي إلى القنوات الرسمية، ويمنح مصرف سوريا المركزي قدرة أكبر على مراقبة حركة العملات وإدارة السيولة.
مع ذلك، ترتبط عودة التحويلات إلى البنوك أيضاً بثقة السوريين بالقطاع المصرفي، وبسهولة السحب والتحويل، وبالفارق بين سعر الصرف الرسمي والسوق الموازية. وإذا بقيت القنوات غير الرسمية أسرع أو أكثر ربحاً للمستفيد، ستظل قادرة على جذب جزء من الأموال.
ولا يقتصر الأثر المحتمل على التحويلات الفردية، إذ يمتد إلى التجارة الخارجية. فقد اضطرت شركات سورية، خلال سنوات العزلة المالية، إلى استخدام وسطاء وشركات وحسابات في دول أخرى لتسديد قيمة الواردات، ما رفع كلفة المعاملات وأدخل طبقات إضافية من الرسوم والمخاطر.
ويمكن لعودة العلاقات المراسلة أن توسع استخدام التحويلات المباشرة والاعتمادات المستندية والضمانات المصرفية، وأن تخفض جزءاً من رسوم الوسطاء والتمويل والتأمين وعلاوة المخاطر التي حملها التعامل التجاري مع سوريا.
وقد ينعكس انخفاض هذه التكاليف على أسعار بعض الواردات، لكن النتيجة ستبقى مرتبطة أيضاً بسعر الصرف وكلفة النقل والضرائب والمنافسة داخل السوق.
الاستثمار والليرة
يمثل رفع التصنيف خطوة مهمة أمام الشركات التي تريد تنفيذ مشاريع في الطاقة أو الكهرباء أو الاتصالات، وتحتاج إلى القدرة على إدخال رأس المال، وتمويل الموردين والحصول على ضمانات وتحويل الأرباح.
ويخفف القرار جانباً من المخاطر القانونية، فيما تبقى عوامل أخرى مرتبطة بوضوح التشريعات وحماية العقود والقضاء التجاري والاستقرار السياسي والأمني.
وفي موازاة ذلك، قد ينعكس توسع التحويلات والاستثمار على سوق الصرف، إذ يؤدي دخول مزيد من الدولار واليورو عبر القنوات الرسمية إلى زيادة حجم النقد الأجنبي المتاح للمصارف والبنك المركزي.
غير أن الأثر على الليرة ليس آلياً. فالانفتاح التجاري يزيد في الوقت نفسه الطلب على العملات الأجنبية لتمويل الواردات، كما يمكن للاستثمارات الجديدة أن تولد مدفوعات وتحويلات أرباح إلى الخارج.
وسيحدد ميزان التدفقات النتيجة، أي حجم الأموال الداخلة من تحويلات واستثمارات ومساعدات مقارنةً بما يخرج لتغطية الواردات والمدفوعات الخارجية.
إصلاح المصارف
تضع إزالة القيود الخارجية مسؤولية أكبر على القطاع المصرفي السوري نفسه.
فالبنوك الأجنبية ستطلب مستوى أعلى من الحوكمة والرقابة والتحقق من هوية العملاء ومصدر الأموال والمستفيد النهائي من المعاملات.
ويعاني القطاع المصرفي السوري من آثار سنوات طويلة من العزلة، مع اعتماد واسع على النقد وضعف في الوساطة المالية وتقادم في أنظمة الدفع والرقابة. ولهذا وافق البنك الدولي، في مطلع آب/أغسطس، على منحة بقيمة 100 مليون دولار لدعم تحديث القطاع، تشمل تطوير أنظمة الدفع وتعزيز قدرات مصرف سوريا المركزي وتكنولوجيا المعلومات والأمن السيبراني، إلى جانب مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وتقييم أوضاع المصارف العامة والخاصة.
وتكتسب عملية الإصلاح أهمية أكبر مع بقاء عقوبات أمريكية تستهدف أفراداً وكيانات محددة، من بينها شبكات مرتبطة ببشار الأسد وتجار الكبتاغون وجهات مرتبطة بإيران وتنظيمات مصنفة إرهابية. وهذا يعني أن أي بنك يتعامل مع سوريا سيظل مطالباً بالتأكد من أن معاملاته لا تصل إلى أطراف محظورة.
كما تبقى بعض آثار الإجراءات السابقة حاضرة في البيئة التنظيمية. فالمصرف التجاري السوري، على سبيل المثال، حصل على استثناء يسمح بإقامة علاقات مراسلة معه، في وقت تستمر فيه آثار التصنيف الأمريكي السابق المرتبط بمخاوف غسل الأموال ضمن حسابات المخاطر التي تجريها المؤسسات المالية الأجنبية.
أحكام أمريكية
ولا تنتهي آثار التصنيف عند حدود القطاع المصرفي، إذ أصدرت محاكم أمريكية خلال السنوات الماضية أحكاماً ضد الجمهورية العربية السورية في قضايا مرتبطة بعمليات قتل وخطف وأعمال إرهابية، استناداً إلى الاستثناء الخاص بالإرهاب في قانون الحصانات السيادية الأجنبية.
وفي هذا السياق، قال الدبلوماسي السوري السابق بسام بربندي إن قيمة مجموعة من الأحكام الصادرة ضد الجمهورية العربية السورية تتجاوز 2.58 مليار دولار، وتشمل قضايا مرتبطة بمقتل الصحافية الأمريكية ماري كولفين، والصحافيين جيمس فولي وستيفن سوتلوف، وعاملة الإغاثة كايلا مولر، إضافة إلى قضايا أخرى.
وأوضح بربندي لـ«القدس العربي» أن شطب سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب لا يؤدي تلقائياً إلى إسقاط هذه الأحكام، لأنها صدرت ضد الجمهورية العربية السورية نفسها، وبالتالي تبقى مسألة تنفيذها ومعالجة آثارها القانونية قائمة بعد رفع التصنيف.
ومن أبرز هذه الأحكام حكم بأكثر من302 مليون دولار في قضية الصحافية الأمريكية ماري كولفين، وحكم بنحو 600 مليون دولار في قضية الصحافيين الأمريكيين جيمس فولي وستيفن سوتلوف، إضافة إلى حكم بنحو 414 مليون دولار في قضية عاملة الإغاثة الأمريكية كايلا مولر، التي اختطفها تنظيم «الدولة الإسلامية» عام 2013.
وسبق لأصحاب بعض هذه الأحكام محاولة ملاحقة أصول سورية داخل أمريكا لتنفيذها، من دون أن يعني ذلك أن جميع أموال الدولة السورية في الخارج قابلة للحجز، إذ تخضع كل حالة لطبيعة الأصل وملكيته ومكان وجوده والحصانات القانونية التي تنطبق عليه.
ويرى بربندي أن معالجة هذا الملف تحتاج إلى مسار قانوني وتفاوضي، مستحضراً تجربة السودان بعد خروجه من قائمة الدول الراعية للإرهاب، حين رافقت عملية الشطب تسويات مالية وتشريعات أمريكية عالجت جانباً من الدعاوى والحصانات.
وفي نهاية المطاف، سيظهر أثر قرار 24 آب/أغسطس في قدرة المصارف السورية على بناء علاقات مراسلة مستقرة، وانتقال التحويلات إلى القنوات الرسمية، واستخدام الشركات للاعتمادات المستندية والتحويلات المباشرة، ثم في حجم الاستثمارات التي تدخل عبر النظام المالي.
ويضع ذلك المؤسسات السورية أمام اختبار داخلي لا يقل أهمية عن رفع القيود الخارجية: إصلاح المصارف وتعزيز الرقابة والشفافية والثقة. ففتح القنوات أصبح أسهل، أما حجم الأموال التي ستعبرها فسيتوقف على قدرة النظام المالي السوري على استيعابها.




