مقالات

فكما لا وعي … لا إرادة للذكاء الاصطناعي وبذلك لا مسؤولية جزائية أيضاً

فكما لا وعي … لا إرادة للذكاء الاصطناعي
وبذلك لا مسؤولية جزائية أيضاً
بقلم: أ د كامل السعيد
الإرادة: لا يكفي لقيام المسؤولية الجزائية لمن ارتكب جريمة جزائية توافر الوعي فقط، وإنما يجب أن يقوم إلى جانب الوعي الإرادة تطبيقا للمادة (74/1) من قانون العقوبات. والإرادة هي عبارة عن نشاط نفسي إنساني يصدر عن وعي، ويتجه إلى تحقيق غرض معين عن طريق وسيلة معينة، وهي أيضا عبارة عن قوة يستعين بها الإنسان للتأثير على ما يحيط به من أشياء وأشخاص، وهي أيضا المحرك لأنواع من السلوك الذي يحدث في العالم الخارجي من الآثار المادية ما يشبع الإنسان به حاجاته المتعددة، وهي تفترض لمن تصدر عنه علماً بالغرض المستهدف وبالوسيلة المستخدمة التي تصدر عنه.
وفي ختام هذه الجزئية تعتبر الإرادة قوة نفسية تشكل عنصراً في العمل أو الفعل الإجرامي الذي لا يعتد به إلا إذا كانت الإرادة واعية، ومن ثم كان مستحيلاً أن تتوافر أركان الجريمة والمسؤولية عنها لغير الإنسان.( )
فلا بد إذن من أن تكون الإرادة التي تشكل أساساً لكل من المسؤولية والعقاب والتي تضمنتها المادة (74/أ) من قانون العقوبات واعية، فالنص على الوعي والإرادة في نص واحد يفترض أن تكون إرادة من يرتكب الجرم واعية بالمعنى الذي عرضنا له في نطاق بحثنا لمفهوم عنصر الوعي، فالنص على الوعي والإرادة في نص قانوني واحد، ويعني أيضاً ارتباطهما معاً ارتباطاً لا يقبل التجزئة، بمعنى أنه لا إرادة بدون وعي.
نخلص إلى القول، بأن ما سبق أن قلناه عن الوعي نقوله عن الإرادة الواعية للذكاء الاصطناعي، لأن الذكاء الاصطناعي لا يعدو أكثر من كونه آلة صماء ليس لها عقل ووعي إلا إذا قبلنا فكرة وجود إرادة مختلفة عن الإرادة التي أشرنا إليها قبل لحظات، إرادة لا تخضع لشروط الإرادة لا يعرفها أحد، ولها علامات وإشارات لا يعرفها أحد أيضاً، ولا يمكن افتراض وجودها بالإسقاط، فحينها يجب افتراض الإرادة في كل شيء بما في ذلك الجمادات والحيوانات، ولن يكون الذكاء الاصطناعي حينها استثناءَ عنها.
نخلص إلى القول بأن الإرادة الواعية، ليست موجودة لغير الإنسان، بينما يمكن للحيوانات وبعض الآلات القيام بخيارات معقدة، فإن الوعي والقدرة على الموازنة الواعية بين البدائل المختلفة وتقدير عواقيبها والتي تعرف بالإرادة الحرة، هي سمة أو صفة بشرية حرة. وصحيح أن الحيوانات أو الالات قد تتخذ قرارات معقدة استجابة لبيئتها، لكنها لا تملك الوعي الذاتي الذي يسمح للإنسان بالإنعكاس على خياراته وتقييمها.
ومن ثم كان مستحيلا أن تتوافر أركان الجريمة والمسؤولية عنها لغير الإنسان. بالإضافة لما تقدم، فإن وظيفة قانون العقوبات لا تقتضي تطبيقه إلا على الإنسان لأنه مصدر لمجموعة من الأوامر والنواهي التي يتعين اتباعها، ويقتضي ذلك بداهة أن يكون في وسع من توجه إليه أن يفهمها ويلزم نفسه بها، ولا يصدق ذلك على غير الإنسان.( )
فالعقوبات لا تطبق إلا على الإنسان، لأنها تهدف إلى تبصيره بالعواقب، فالعقوبة تحقق الأغراض التالية:-
1. الردع العام: الذي يستهدف كافة أفراد المجتمع، فعند وقوع جريمة معينة وإلقاء القبض على فاعلها ومحاكمته أمام أنظار العموم وفي جلسة علنية، وتناقل الحكم عبر وسائل التواصل الاجتماعي يكون ردعاً عاماً.
2. الردع الخاص: يعني هذا الردع، إيقاع العقوبة على المجرم جراء ما ارتكبه من فعل حتى يردعه الحكم الصادر بحق من تمت إدانته بالجرم المسند إليه، فالعقوبة تهدف إلى إصلاح من تنفذ فيه.
3. العدالة: كما أن الغاية من العقاب يتمثل في تحقيق العدالة والتي تعني الإنصاف والمساواة والتوازن وعدم التعدي وحماية المصالح العامة والخاصة، وهي مفهوم يقوم على إحقاق الحق، فالمبدأ يتمثل الغرم بالغنم.
4. كما أن من أهم خصائص العقوبات: والتي يتم تنفيذها فيمن تمت إدانتهم، هو إحداث الألم لدى الإنسان، والذكاء الاصطناعي لا يشعر بالألم لأنه لا يعدو أكثر من كونه آلة. كما لا تتحقق أغراض أو أهداف توقيع العقوبات إلا إذا تم توقيعها على الإنسان، ولا فائدة من توقيعها على الجمادات أو الحيوانات أو الذكاء الاصطناعي لأنه لا يعدو أكثر من كونه آلة.
بقى أن أشير أخيرا لا آخراً، إلى موضوع يتم التساؤل عنه بخصوص ما إذا كان بالإمكان مساءلة الشخص المعنوي (الاعتباري) جزائياً إلى جانب الشخص العادي؟؟
“الشخص المعنوي هو كيان قانوني له شخصية قانونية مستقلة عن الأفراد الذين يكونونه، ويمنحه القانون الحقوق والإلتزامات كالشخص الطبيعي، ويشمل الكيان مجموعة من الأشخاص أو الأموال التي تهدف إلى تحقيق غرض معين، مثل الشركات والهيئات العامة والمؤسسات والجمعيات والدولة.
وهو يختلف عن الشخص الطبيعي (الإنسان) في أنه كيان اعتباري (معنوي) لا يمتلك صفات حسية. ومن أهم حقوقه والتزاماته أنه يملك ذمة مالية مستقلة وأهلية قانونية وحق التقاضي وموطن مستقل وممثل قانوني.
وإذا كانت المسؤولية الجزائية عند الإنسان تتطلب الوعي والإرادة، إلا أنها عند الشخص المعنوي مفترضة بحكم القانون، أما بخصوص ما إذا كان بالإمكان مساءلة الشخص المعنوي جزائياً فإنني أشير إلى أن النظام القانوني الجزائي لدينا قد اعترف بالشخص المعنوي في المادة (74/2) من قانون العقوبات في قولها: “يعتبر الشخص المعنوي باستثناء الدوائر الحكومية أو المؤسسة الرسمية أو العامة مسؤولاً جزائياًعن أعمال رئيسه أو أي من أعضاء إدارته أو مديريه أو أي من ممثليه أو عماله عندما يأتون هذه الأعمال باسمه أو بإحدى وسائله بصفته شخصاً معنوياً.
وإن كان لا يحكم على الأشخاص المعنويين إلا بالغرامة والمصادرة وإذا كان القانون قد نص على عقوبة أصلية غير الغرامة استعيض بالغرامة عن المذكورة، وأنزلت بالأشخاص المعنويين في الحدود المعينة في المواد (22 إلى 24) من هذا القانون مادة (74/3).
عوداً على بدء، وإجابة على ما إذا كان الذكاء الاصطناعي يملك الشخصية المعنوية، أشير إلى أن الرأي الراجح( ) في ذلك، يتمثل في أنه ما دام الذكاء الاصطناعي هو شيء جماد ليس له روح ولا إرادة، ولا يمثل مجموعة من الأموال أو الأشخاص، وليس له قدرة على اكتساب الحقوق وتحمل الإلتزامات، فلا يكتسب بمفرده الشخصية المعنوية أو الاعتبارية إلا من خلال النظام القانوني للشخصية المعنوية أو الاعتبارية.
وفي الختام، واستكمالاً لهذا البحث، فإنه لا مجال لتطبيق أسباب امتناع المسؤولية الجزائية وامتناع العقاب تبعاً لذلك على الذكاء الاصطناعي، لأن هذه الأسباب لا تطبق إلا في حالة ارتكاب الشخص جريمة ينعدم فيها وعيه كالمجنون والاضطراب العقلي وصغر السن والسكر غير الاختياري وغيرها، أو تنعدم فيها إرادته، ولكن تفتقد فيها صفة الحرية، فينعدم فيها الركن المعنوي للجريمة، كما في حالتي الضرورة والإكراه المعنوي المشار إليهما صراحةً أو ضمناً في المادة (89) من قانون العقوبات الأردني، أما الإكراه المادي والقوة القاهرة فيعدمان الركن المادي للجريمة، حيث تنعدم الجريمة تماماً، في حين ينعدم الركن المعنوي في الجريمة في حالتي الضرورة والإكراه المعنوي( ).

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب