مقالات

فلسطين في مهبّ الاستيطان: هل تستغل إسرائيل انشغال العالم لإجهاض الدولة الفلسطينية؟..

فلسطين في مهبّ الاستيطان: هل تستغل إسرائيل انشغال
العالم لإجهاض الدولة الفلسطينية؟..

الأستاذ: علي او عمو.
كاتب من المغرب.

في الوقت الذي تنشغل فيه المنطقة بتداعيات الحرب
الأمريكية الإيرانية، وفي ظل انشغال القوى الدولية الكبرى
بصراعاتها وحساباتها الاستراتيجية، تتحرك إسرائيل على
الأرض الفلسطينية بخطوات تبدو أكثر وضوحاً من أي وقت
مضى: توسيع الاستيطان، إنشاء بؤر استيطانية جديدة،
مصادرة الأراضي، تهجير الفلسطينيين، وتصعيد اعتداءات
المستوطنين.
وإذا كانت غزة قد تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى مسرح
للدمار الهائل، فإن الضفة الغربية تبدو اليوم أمام مسار
مختلف في الأدوات، لكنه قد يؤدي إلى النتيجة نفسها:
إفراغ الأرض الفلسطينية من سكانها، وتغيير واقعها
الديموغرافي والجغرافي، وفرض أمر واقع يجعل قيام دولة
فلسطينية قابلة للحياة أكثر صعوبة.

السؤال الذي يطرح نفسه بقوة هو: هل تستغل إسرائيل
انشغال العالم بالحرب الإقليمية لكي تسرّع مشروعها في
الضفة الغربية؟
من غزة إلى الضفة… اختلاف الأدوات ووحدة الهدف..
لا يمكن تجاهل الفارق بين طبيعة ما يحدث في غزة وما
يجري في الضفة الغربية. غزة شهدت حرباً واسعة النطاق
ودماراً هائلاً، بينما يجري في الضفة الغربية مسار تدريجي
يعتمد بصورة أكبر على الاستيطان ومصادرة الأراضي
والتهجير والضغط على التجمعات الفلسطينية.
لكن القاسم المشترك بين المسارين، من وجهة نظر
سياسية، هو الصراع على الأرض.
فالأرض هي جوهر القضية الفلسطينية، وأي تغيير دائم في
السيطرة عليها لا يمكن أن يكون مجرد تفصيل أمني أو
إداري.
ولهذا فإن استمرار الاستيطان ليس مجرد توسع عمراني.
إنه تغيير تدريجي لخريطة الأرض التي يفترض أن تقوم
عليها الدولة الفلسطينية.
وقد أكدت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري
الصادر في يوليو 2024 أن المستوطنات الإسرائيلية في
الضفة الغربية والقدس الشرقية، والنظام المرتبط بها،

أُنشئت وتُحافظ عليها في انتهاك للقانون الدولي، كما
خلصت المحكمة إلى أن استمرار الوجود الإسرائيلي في
الأراضي الفلسطينية المحتلة غير قانوني.
ومع ذلك، يستمر المشروع الاستيطاني.
المستوطنون… ذراع على الأرض..
أحد أخطر عناصر المشهد الحالي هو تصاعد اعتداءات
المستوطنين على الفلسطينيين.
فالمستوطن لا يظهر دائماً باعتباره مجرد مدني يعيش في
مستوطنة، بل إن الاعتداءات التي تقع على الفلسطينيين،
من إحراق الممتلكات وتخريب الأراضي الزراعية إلى
الاعتداء الجسدي والتهجير، أصبحت جزءاً من مشهد أوسع
من الضغط على القرى والتجمعات الفلسطينية.
وفي يونيو 2026، حذر الأمين العام للأمم المتحدة من أن
العنف الذي يمارسه المستوطنون بلغ متوسطاً يقارب ستة
هجمات يومياً، بالتزامن مع هدم المنازل وتدمير المزارع
ومصادرة الأراضي والتوسع المتواصل للمستوطنات.
وفي 2 سبتمبر 2026، قُتل شابان فلسطينيان، يبلغان 16
و19 عاماً، خلال هجوم في قرية المغير قرب رام الله شارك
فيه مستوطنون وقوات إسرائيلية، بحسب تقرير رويترز.

هذه الوقائع لا ينبغي النظر إليها باعتبارها حوادث منفصلة
فقط، بل ضمن سياق أوسع من تصاعد العنف والاستيطان
والتهجير.
بل إن بريطانيا نفسها قالت في مايو 2026، خلال اجتماع
أممي، إن أعمال عنف المستوطنين ليست مجرد حوادث
معزولة، وإنما تمثل حملة متسارعة تهدف إلى منع قيام
دولة فلسطينية مستقبلاً، مع الإشارة إلى ضعف المساءلة
عن جرائم المستوطنين.
الاستيطان ليس بريئاً من السياسة..
لو كان الاستيطان مجرد بناء مساكن جديدة، لكان من
الممكن التعامل معه باعتباره قضية عمرانية.
لكن عندما يقترن الاستيطان بمصادرة الأراضي، وشق
الطرق، وإقامة البؤر الاستيطانية، وإحاطة القرى
الفلسطينية بالمستوطنات، والضغط على السكان لمغادرة
مناطقهم، فإن الأمر يتحول إلى مشروع سياسي كامل.
إنها معركة على الجغرافيا.
فكل مستوطنة جديدة تعني مساحة جديدة تُقتطع من الأرض
الفلسطينية، وكل بؤرة استيطانية تتحول إلى واقع دائم تعني
تضييق المجال المتاح أمام التوسع الفلسطيني.

وهكذا يمكن أن تتحول الضفة الغربية، مع مرور الوقت،
إلى مجموعة من الجيوب السكانية الفلسطينية المنفصلة،
تحيط بها المستوطنات والطرق والمناطق الخاضعة
للسيطرة الإسرائيلية.
وهنا تكمن خطورة المشروع.
فالدولة الفلسطينية لا تحتاج فقط إلى اعتراف سياسي؛ بل
تحتاج إلى أرض متصلة جغرافياً وقابلة للحياة اقتصادياً
وسياسياً.
مشروع E1… نموذج لما هو أبعد من الاستيطان..
ولعل الخطة المرتبطة بمنطقة E1 تقدم مثالاً واضحاً على
المخاوف الدولية.
ففي أغسطس 2026، أدانت دول أوروبية وكندا خططاً
إسرائيلية جديدة للاستيطان في الضفة الغربية، محذرة من
أن مشروع E1يمكن أن تكون له تداعيات خطيرة على
إمكانية قيام دولة فلسطينية.
وفي سبتمبر، وصف وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند
مشروع E1 بأنه «خط أحمر»، محذراً من أنه يمكن أن
يقسم الضفة الغربية إلى قسمين ويُقوّض قابلية قيام دولة
فلسطينية.

وهنا يتضح أن المسألة لم تعد مجرد تخوف فلسطيني أو
عربي.
لقد أصبحت المخاوف بشأن أثر الاستيطان على حل
الدولتين حاضرة في مواقف دول غربية أيضاً.
الأمم المتحدة تقول… فمن يسمع؟..
المفارقة الأكثر إيلاماً أن المجتمع الدولي يمتلك وثائق
وقرارات ومواقف قانونية وسياسية واضحة.
مجلس الأمن سبق أن طالب إسرائيل بوقف جميع الأنشطة
الاستيطانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما فيها
القدس الشرقية، إلا أن تقريراً للأمم المتحدة صدر في
مارس 2026 أكد استمرار النشاط الاستيطاني وعدم اتخاذ
إسرائيل الخطوات المطلوبة لوقفه.
كما تحدثت الأمم المتحدة عن تزايد عمليات التهجير في
الضفة الغربية نتيجة عنف المستوطنين، بينما وصفت
تقارير أممية الوضع بأنه يتضمن مصادرة الأراضي وتدمير
الممتلكات والتهجير القسري.
وهنا تظهر الأزمة الحقيقية للنظام الدولي:
ما قيمة القانون الدولي إذا كان لا يتحول إلى إجراءات؟
وما قيمة قرارات مجلس الأمن إذا كان تنفيذها يتوقف على
موازين القوى السياسية؟

وما قيمة بيانات الإدانة إذا كانت الجرافات تستمر في العمل،
والمستوطنات تستمر في التوسُّع، والفلسطيني يفقد أرضه
بيتاً بعد بيت وقرية بعد قرية؟
إن المشكلة ليست في غياب المعلومات.
المشكلة في غياب الإرادة السياسية القادرة على تحويل هذه
المعلومات إلى ضغط فعلي.
الصمت العربي والإسلامي… فرصة لإسرائيل..
وفي المقابل، لا يمكن إعفاء الدول العربية والإسلامية من
المسؤولية السياسية.
ففي الوقت الذي تتحرك فيه إسرائيل على الأرض، تبدو
المواقف العربية والإسلامية عاجزة عن إنتاج استراتيجية
جماعية قادرة على التأثير.
لا يكفي أن تصدر البيانات.
ولا يكفي عقد الاجتماعات الطارئة.
ولا يكفي تكرار الحديث عن الحقوق الفلسطينية.
فالسياسة الدولية لا تتحرك دائماً بالبيانات، وإنما تتحرك
عندما تصبح هناك تكلفة سياسية واقتصادية ودبلوماسية
للسياسات التي يُراد وقفها.

وإذا بقي الموقف العربي والإسلامي في حدود الخطاب،
بينما تستمر إسرائيل في تغيير الوقائع على الأرض، فإن
الزمن نفسه سيصبح أداة لصالح المشروع الاستيطاني.
هل الهدف هو إنهاء القضية الفلسطينية؟..
قد يقول البعض إن الحديث عن وجود استراتيجية إسرائيلية
لطمس القضية الفلسطينية هو استنتاج سياسي وليس
حقيقة معلنة.
وهذا صحيح من حيث المنهج.
لكن قراءة الوقائع المتراكمة تسمح بطرح السؤال بقوة.
فحين تتزامن عملية الاستيطان مع مصادرة الأراضي،
وتهجير التجمعات الفلسطينية، وتصاعد عنف المستوطنين،
وتوسيع السيطرة الإسرائيلية، يصبح من المشروع التساؤل
عن النتيجة السياسية التي يمكن أن يؤدي إليها هذا المسار.
والنتيجة المحتملة واضحة:
كلما تقلصت الأرض المتاحة للفلسطينيين، تقلصت معها
إمكانية قيام دولة فلسطينية مستقلة وقابلة للحياة.
وهذا بالضبط ما تحذر منه جهات دولية.

فالأمم المتحدة تحدثت عن أن التوسع الاستيطاني والعنف
والتهجير في الضفة الغربية يُقوضان بصورة متزايدة آفاق
الحل السياسي القائم على دولتين.
العالم منشغل… وإسرائيل تعمل..
ربما تكون أخطر نقطة في المشهد الحالي هي التوقيت.
فالمنطقة تعيش توتراً غير مسبوق، والحرب الأمريكية
الإيرانية تستنزف الاهتمام السياسي والإعلامي، والقوى
الكبرى منشغلة بإعادة ترتيب مصالحها في الشرق الأوسط.
وفي مثل هذه الظروف، تصبح الملفات الأقل حضوراً في
الإعلام أكثر عرضة لأن تُحسم على الأرض.
وهنا يمكن فهم أهمية ما يجري في الضفة الغربية.
فبينما تتركز أنظار العالم على الصواريخ والحروب
والمفاوضات، يمكن أن تتغير الخريطة الفلسطينية ببطء
شديد، من دون أن تحظى كل خطوة بالاهتمام الذي تستحقه.
إنها سياسة «الوقائع على الأرض».
وهي سياسة تقوم على خلق واقع جديد بحيث يصبح تغييره
في المستقبل أكثر صعوبة وكلفة.
فلسطين أمام سباق مع الزمن..

القضية الفلسطينية اليوم ليست أمام معركة عسكرية فقط،
وإنما أمام سباق مع الزمن.
الفلسطيني يريد الحفاظ على أرضه حتى يأتي الحل
السياسي.
أما الاستيطان، فيعمل على تغيير الأرض قبل أن يأتي ذلك
الحل.
وهنا تكمن المعادلة الخطيرة:
كلما تأخر الحل السياسي، زادت مساحة الاستيطان.
وكلما زادت مساحة الاستيطان، أصبحت الدولة الفلسطينية
أكثر صعوبة.
وكلما أصبحت الدولة الفلسطينية أكثر صعوبة، أصبح
الحديث عن حل الدولتين مجرد شعار دبلوماسي.
وهكذا يمكن أن تتحول عملية السلام نفسها إلى غطاء زمني
يسمح باستمرار تغيير الواقع.
من المسؤول عن حماية ما تبقى من فلسطين؟..
المسؤولية الأولى تقع بلا شك على المجتمع الدولي الذي
وضع قواعد القانون الدولي وأنشأ المؤسسات التي يفترض
أن تحميها.
لكن المسؤولية تقع أيضاً على الدول العربية والإسلامية.

فإذا كانت فلسطين قضية مركزية كما تؤكد البيانات
الرسمية، فإن الدفاع عنها يحتاج إلى أكثر من التضامن
اللفظي.
يحتاج إلى استراتيجية دبلوماسية جماعية، وإلى استخدام
الأدوات الاقتصادية والقانونية والسياسية المتاحة، وإلى
تحرك دولي مستمر، وإلى دعم حقيقي للمؤسسات
الفلسطينية ولصمود السكان في أرضهم.
كما أن الدول التي تؤمن بحل الدولتين مطالبة بأن تترجم
هذا الإيمان إلى سياسة عملية، لأن الاعتراف بالدولة
الفلسطينية من جهة، والسماح بتغيير الأرض التي يفترض
أن تقوم عليها تلك الدولة من جهة أخرى، يمثلان تناقضاً
سياسياً لا يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية.
الخاتمة:
عندما يصبح الصمت شريكاً في صناعة الواقع..
القضية الفلسطينية لا تختفي لأن العالم توقف عن الحديث
عنها.
لكنها يمكن أن تتغير جذرياً إذا استمر تغيير الأرض بينما
يكتفي العالم بالمشاهدة.
غزة كشفت حجم المأساة الإنسانية التي يمكن أن تنتجها
الحرب.

أما الضفة الغربية، فتطرح سؤالاً آخر أكثر هدوءاً في
شكله، لكنه بالغ الخطورة في نتائجه:
ماذا يحدث عندما تتحول المستوطنات والبؤر الاستيطانية
ومصادرة الأراضي وعنف المستوطنين إلى وسيلة لتغيير
الخريطة الفلسطينية قطعة قطعة؟
إن إسرائيل لا تحتاج بالضرورة إلى إعلان رسمي عن نهاية
القضية الفلسطينية كي تحقق نتيجة مشابهة؛ يكفي أن
يستمر تغيير الوقائع على الأرض حتى يصبح قيام الدولة
الفلسطينية أمراً بالغ الصعوبة.
ولهذا فإن المعركة اليوم ليست فقط على ما يحدث في غزة،
ولا على حدود سياسية يجري التفاوض حولها في
المستقبل.
إنها معركة على وجود الأرض الفلسطينية نفسها كإقليم
يمكن أن تقوم عليه دولة.
وإذا بقي العالم منشغلاً بحروبه وأزماته، وبقيت الدول
العربية والإسلامية عاجزة عن الانتقال من البيانات إلى
الفعل، فإن الخطر الأكبر هو أن يستيقظ العالم ذات يوم ليجد
أن السؤال لم يعد:
متى تقوم الدولة الفلسطينية؟
بل أصبح: أين يمكن أن تقوم؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب