فوز ممداني: صفعة لترمب وتحد لليمين الأمريكي والنفوذ الصهيوني

فوز ممداني: صفعة لترمب وتحد لليمين الأمريكي والنفوذ الصهيوني
د. كاظم ناصر
كما كان متوقعا وفق استطلاعات الرأي الأمريكية، فقد فاز المرشح عن الحزب الديموقراطي الأمريكي الشاب المسلم زهران ممداني برئاسة بلدية مدينة نيويورك، وسيكون بهذا الفوز من ضمن الأصغر سنا الذين رأسوا هذه المدينة التي يبلغ عدد سكانها نحو 8.5 مليون نسمة، بينهم أكثر من 950 ألف يهودي، وتتمتع بمكانة سياسية واقتصادية وثقافية وإعلامية محلية وعالمية خاصة بين المدن الأمريكية الرئيسية.
جاء هذا الفوز كتحد لليمين الأمريكي الداعم لإسرائيل، وللرئيس دونالد ترمب الذي عارض ترشح ممداني بشدة، ودخل معه في مواجهة سياسية وفكرية مباشرة خلال الحملة، ووصفه بأنه ديموقراطي سيء، وشيوعي تنقصه الخبرة، وهدد بمنع الأموال التي تقدمها الحكومة الفدرالية للمدينة، ودعم منافسه الرئيسي عمدة المدينة السابق أندرو كومو. فما هي دلالات هذا الفوز وتداعياته على سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، والنفوذ الصهيوني، والقضية الفلسطينية؟
فوز ممداني حتمية انتصار الخطاب الأخلاقي الداعم للحق والعدل، وكسر القاعدة الذهبية للوبي الصهيوني ومحرمات وقناعات سياسية أمريكية استمرت عقودا؛ إذ تجرأ هذا الشاب اليساري على انتقاد إسرائيل علنا، وعبر عن معارضته لاحتلالها للأراضي الفلسطينية، وعن رفضه لجرائم الإبادة الجماعية والدمار التي ارتكبتها في حربها على غزة دون أن يخشى خسارة الانتخابات، وهو ما اعتبرته دولة الاحتلال واللوبي الصهيوني الأمريكي المتنفذ المسمى ب ” لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية ( أيباك ) ” سابقة خطيرة كشفت وجه إسرائيل البشع، وأظهرت حقيقتها الاجرامية، وأطاحت بالدور النافذ والرشوات السياسية التي تقدمها أيباك لمرشحي منصب عمدة نيويورك، وكشفت أن النفوذ المالي الصهيوني لم يعد الحاسم الوحيد في الانتخابات، وان القواعد الشعبية قادرة على تحطيم الجدار الحديدي الذي بناه اللوبي الصهيوني خلال العقود الماضية من التحكم إلى حد بعيد بمن يفوز في هذه الانتخابات. فمنذ عقود كانت القاعدة غير المعلنة التي توجه المشهد السياسي الأمريكي تقول لا يمكن لأي مرشح للكونجرس أو لمركز عمدة مدينة رئيسية كنيويورك وواشنطن وشيكاغو ولوس انجلوس .. أن يفوز دون دعم سياسي ومالي وإعلامي من ” إيباك.”
حرب غزة كشفت جرائم إسرائيل بحق الشعب الفلسطيني، وأدت إلى تحول هام في الرأي العام الأمريكي تجاه دولة الاحتلال؛ إذ باتت قطاعات واسعة من الناخبين الأمريكيين تنتقد سياساتها التوسعية والجرائم التي ارتكبتها بحق الفلسطينيين في غزة؛ فقد أظهر استطلاع للرأي أجرته صحيفة ” نيويورك تايمز” وجامعة سيينا في نهاية شهر سبتمبر الماضي أن عدد الناخبين الأمريكيين المتعاطفين مع الفلسطينيين يفوق عدد أولئك المؤيدون لإسرائيل.
فوز ممداني يؤكد هذا التحول؛ فقد صوت %78من الناخبين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18- 29 عاما، و %33 من يهود نيويورك لصالحه، أضف إلى ذلك أنه من المتوقع ان يثير فوزه نقاشا غير مسبوق في الولايات المتحدة بصورة عامة حول العلاقات الأمريكية الإسرائيلية، وقد يحدث تحولا بعلاقات مدينة نيويورك بإسرائيل، إذ قد يستخدم ممداني صلاحياته في الاستثمار والتعينات والإشراف على الشرطة وتعاملها مع المظاهرات المؤيدة للفلسطينيين لدعم مواقفه المناهضة لسياسات تل أبيب.
ولهذا هاجمت حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بشدة ممداني ودعت يهود نيويورك إلى الهجرة إلى إسرائيل؛ وزعم وزير الشتات الإسرائيلي عميحاي شيكلي أن ” المدينة التي كانت رمزا للحرية العالمية سلمت مفاتيحها إلى مؤيد لحماس ” واعتبر أن ” هذه نقطة تحول حاسمة في تاريخ نيويورك.” وبدوره وصف مندوب إسرائيل السابق في الأمم المتحدة جلعاد إردان فوز ممداني بالقول” هذا يوم أسود للولايات المتحدة الأمريكية، وليهود نيويورك، ولكل من يحب إسرائيل.”
وعلى الرغم من مخاوف إسرائيل من هذا الفوز وتداعياته فإنه لن يغير موازين القوى داخل إدارة البيت الأبيض والكونجرس غدا أو خلال الأشهر القادمة، لكنه يؤسس لتحول سياسي وثقافي طويل الأمد، فهو يفتح الباب أمام جيل من الأمريكيين الذين سيتولون مراكز سياسية هامة، ويؤمنون بأن معارضة سياسات إسرائيل واللوبيات الصهيونية الأمريكية وفي مقدمتها” أيباك” لا تعني الهزيمة، وستكون انتصارا للمصالح الأمريكية، وللقيم والأخلاق الإنسانية.




