مأساة المنفى بين شيركو بيكس وبي داو

مأساة المنفى بين شيركو بيكس وبي داو
الكاتب: إبراهيم أبو عواد – كاتب من الأردن
يُعَد المنفى من أكثر التجارب الإنسانية قسوةً وتعقيدًا، فهو ليس انتقالًا جغرافيًّا من مكان إلى آخر فَحَسْب، وإنما اقتلاع للروح من تربتها، وانفصال مؤلم بين الإنسان وذاكرته وهُويته. فالمنفيُّ يَحمل وطنه في قلبه كما يَحمل الجرحُ ألَمَه، ويعيش بين مكان لا ينتمي إليه، ووطنٍ لا يستطيع العودة إليه. ومِن هُنا أصبح المنفى أحد أبرز الموضوعات التي شغلت الأدبَ العالمي، إذْ وجد فيه الشعراءُ مساحةً للتعبير عن الحنين والاغتراب والمقاومة والأمل.
ويبرز من بين هؤلاء الشاعر الكردي شيركو بيكس ( 1940 السليمانية/ كردستان العراق_ 2013 السويد )، والشاعر الصيني بي داو، اسمه الحقيقي زاو زينكاي ( وُلد 1949 بكين )، اللذان جسَّدا في قصائدهما مأساة الإنسان الذي حُرم من وطنه، وإن اختلفت الظروفُ السياسية والثقافية التي أفضتْ إلى هذه التجربة.
عاش شيركو بيكس تجربة المنفى بوصفها امتدادًا لمعاناة الشعب الكردي الذي طالما كافحَ من أجل حُريته وهُويته، فكانتْ قصائده مرآةً لجبال كردستان ووديانها ومدنها، كما كانت سِجلًّا للألم الإنساني الذي خلَّفته الحروب والصراعات والاضطهاد. ولم يكن الوطن عنده مُجرَّد حدود سياسية، بل كان الأم والطفولة والأصدقاء والأشجار والأنهار واللغة والذاكرة. لذلك تحوَّل المنفى في شعره إلى حالة من الاشتياق الدائم، حتى بدا وكأن كُلَّ قصيدة يكتبها هي محاولة للعودة إلى الوطن بالكلمات بعدما استعصت العودة بالخطوات.
استطاعَ شيركو بيكس أن يُحوِّل الحزنَ إلى طاقة شعرية خلاقة، فلم يكن يستسلم لليأس، بل كان يجعل من القصيدة وطنًا بديلًا يحتمي به من الغربة. في نصوصه تتداخل الطبيعة معَ الإنسان، وتتحول الجبال إلى رموز للصمود، والغيوم إلى شواهد على الغياب الطويل، وتصبح الطيورُ رسائل تحمل الحنين. وهكذا أصبحت اللغة عنده وسيلة لمقاومة النسيان، لأن المنفى الحقيقي في نظره ليس الابتعاد عن الأرض، وإنما فقدان القدرة على تذكرها.
أمَّا الشاعر الصيني بي داو، فقد جاءت تجربة منفاه في سياق سياسي مختلف، إذ ارتبطت بالقيود التي فرضتها السُّلطة على حرية الفكر والتعبير.وقد وجد نفسه بعيدًا عن وطنه بعد الأحداث السياسية التي غيَّرت مسارَ حياته، فأصبح يعيش في بلدان متعددة، يَحمل الصين في ذاكرته بينما يحاول أن يبني حياةً جديدة خارج حدودها. ومِن هُنا اكتسب شعره طابعًا فلسفيًّا تأمُّليًّا، إذْ لم يكن المنفى عنده مُجرَّد فقدان للمكان، وإنما كان سؤالًا عميقًا عن الحرية والهُوية والوجود.



