ماذا بعد الساتر الأخير؟

ماذا بعد الساتر الأخير؟
محمود الجاف
عندما يلتقي عدوان في حرب وجودية، يكون لكل منهما أتباع ومريدون، وأناس مستعدون للموت من أجلهما، يقدّمون أنفسهم قربانا لبقائهما وصمودهما، إيمانا بالأفكار التي يحملانها، بغضّ النظر عمّا إذا كانت حقّا أم باطلًا.عندها لا تبدأ المواجهة بين القادة، بل تبدأ الشعوب بدفع الثمن. يموت الآلاف قبل أن يلتقي من بيدهم القرار وجها لوجه.
هكذا كانت الحروب القديمة؛ حروب السيوف، حيث كان نصف الجيش قد هلك، وانهارت التحصينات، وسقطت المدن، وربما الدول، قبل أن يصل الخصمان الكبيران إلى لحظة الحسم. إيران، بالنسبة للولايات المتحدة، تمثل أحد أهم السواتر في صراع النفوذ العالمي . فإن تهدّم هذا الساتر، أصبحت الصين في مواجهة مباشرة، وهذا ما لا تريده. ولذلك، في رأيي، تبذل بكين، مع حلفائها، كل ما في وسعها لحماية المشروع القائم في طهران من السقوط والتفكك، بينما تدفع الولايات المتحدة، ومعها من يدور في فلكها، بكل قوتها في الاتجاه المعاكس.
لكنني أرى أن المشروع الحاكم في طهران لن يصمد طويلًا. وفي المقابل، تلعب بكين في الوقت الضائع، وتتصرف بحكمة وروية، بينما استُنزفت روسيا والغرب في أوكرانيا، وسيستمر هذا المشهد إلى أن تنضج لحظة الانعطاف التاريخي. وتبقى كوريا الشمالية ورقةً كامنة في حسابات القوى الكبرى، قد تُدفع إلى واجهة الأحداث متى اقتضت موازين الصراع ذلك.
أما بداية مرحلةٍ ثالثة من الحرب العالمية، ونقطة التحول الكبرى في الأحداث، فأخشى أن تبدأ بعد أن تغرس الولايات المتحدة مخالبها في شريان الطاقة الإيراني. عندها لن تجد القوى الكبرى بدًّا من محاولة إيقاف هذا التمدد، ليس حبًّا بإيران، بل لإعلان أن موازين القوة لم تُحسم بعد، وأنها ما زالت حاضرة على المسرح الدولي.
وقد يأتي هذا الإعلان على هيئة ضربةٍ نووية، أو باستخدام سلاحٍ تدميري جديد أشد قوة، حتى وإن كان تكتيكيًا ومحدودًا، لنشهد، وللأسف، هيروشيما وناكازاكي جديدتين.
العالم، في نظري، يندفع نحو هذا الاتجاه، بغضّ النظر عن رأيك، أو عمّن توالي، أو دينك، أو قوميتك. تلك هي الحقيقة كما أراها، والتي ينبغي أن نفهمها جميعًا، وأن نستعد لها، وأن نعمل على الحفاظ على حياتنا، وحماية أنفسنا ومن هم ضمن دائرة مسؤوليتنا وتأثيرنا .
وبغضّ النظر عمّا عرفناه جميعًا من أن المشروع الإيراني القائم كان أحد أهم الأسباب التي أوصلتنا، نحن المسلمين والعرب، إلى ما نحن عليه اليوم، فإن إسقاط هذا النظام يظل، بالنسبة إلينا، حلمًا نرجو أن يتحقق، مهما كانت النتائج.
وما نراه اليوم قد لا يكون نهاية صراعٍ فحسب، بل مخاضَ عصر جديد لم تتضح ملامحه بعد. فالتاريخ لا يفتح بابًا جديدا إلا بعد أن يُغلق بابا آخر بالدم.




