مقالات
مدينةُ طولكرم.. حين تُهدي الأمة قامةً بحجم وليد سيف.

مدينةُ طولكرم.. حين تُهدي الأمة قامةً بحجم وليد سيف.
بقلم/ د. فهمي شُراب*
ليست المدن تُقاس بمساحاتها، ولا بعدد سكانها، وإنما بما تُنجبه من رجالٍ يتركون في الوجدان أثراً لا يمحوه الزمن. ومدينةُ طولكرم كانت على موعدٍ مع التاريخ حين أنجبت واحداً من أبرز أعلام الأدب والدراما التاريخية العربية، الشاعر والكاتب والأديب الدكتور وليد سيف (مواليد 19 يناير 1948).
قد يندهش كثيرون عندما يعلمون أن ذلك الإرث الدرامي والأدبي الرفيع، الذي شكّل وجدان أجيالٍ كاملة، وفتح لهم أبواب التاريخ العربي والإسلامي بلغةٍ آسرة وأسلوبٍ رفيع، قد خرج من قلم فلسطيني ينتمي إلى مدينة طولكرم. فقد تلقّى الدكتور وليد سيف تعليمه في جامعات مرموقة، من بينها جامعات لندن، ونال درجة الدكتوراه، وعمل أستاذاً للغة العربية واللسانيات في الجامعات الأردنية سنواتٍ طويلة، جامعاً بين صرامة الباحث، وموهبة الشاعر، ورؤية المؤرخ، وحسّ الفنان.
الفن الهادف: لم يكن وليد سيف يكتب التاريخ بوصفه أحداثاً جامدة تُروى، بل كان يعيد إليه نبضه الإنساني، ويستخرج من بين صفحاته القيم الكبرى؛ قيم العدل، والحرية، والكرامة، والصبر، والنهضة. لذلك تحولت أعماله إلى مدارس فكرية وأدبية، لا إلى مجرد مسلسلات تلفزيونية. لقد استطاع أن يجعل ملايين الشباب يلتفتون إلى تاريخهم، ويبحثون في أمجاد أمتهم، ويستعيدون علاقتهم باللغة العربية التي سالت في نصوصه عذبةً، جزلةً، مشرقةً كأنها خرجت من عصرها الذهبي.
أعماله الأيقونية: ومن أبرز أعماله الخالدة: التغريبة الفلسطينية، وعمر، وصلاح الدين الأيوبي، وثلاثية الأندلس التي تضم صقر قريش وربيع قرطبة وملوك الطوائف، إلى جانب أعمال أخرى تركت بصمةً لا تُنسى في ذاكرة المشاهد العربي. وفي هذه الأعمال لم يكن البطل هو الشخصية التاريخية وحدها، بل كان النص الأدبي نفسه بطلاً موازياً؛ نصوصٌ تُقتبس، وحواراتٌ تُحفظ، ومشاهدُ تبقى حيّةً في الذاكرة بعد مرور السنين.
لقد قدّم وليد سيف قراءةً للتاريخ تقوم على البحث والتأمل والوعي، بعيداً عن السطحية والاختزال، فكان حريصاً على تقديم الشخصيات التاريخية بأبعادها الإنسانية والفكرية، وهو ما أكسب أعماله احترام النقاد والجمهور، ورسّخ مكانته بين أبرز كتّاب الدراما التاريخية في العالم العربي.
ومن حق فلسطين أن تفخر بابنها، ومن حق الضفة الغربية، ومن حق مدينة طولكرم على وجه الخصوص، أن ترفع رأسها اعتزازاً بهذه القامة الفكرية والأدبية التي أصبحت جزءاً من الذاكرة الثقافية العربية. فكثيرون، عندما يقرؤون نصوصه أو يشاهدون أعماله، يظنون أن كاتبها عاش بين خلفاء بني أمية أو العباسيين، أو شهد أحداث سقيفة بني ساعدة، لما فيها من دقةٍ في استحضار روح العصر، وعمقٍ في فهم الإنسان والتاريخ، ثم يفاجَؤون بأن صاحب هذا الإبداع لا يزال بيننا، شاهداً على عصره، ومواصلاً عطائه.
إن تكريم المبدعين وهم أحياء ليس ترفاً ثقافياً، بل هو وفاءٌ لمن منحوا الأمة جزءاً من أعمارهم وأفكارهم. والدكتور وليد سيف واحدٌ من أولئك الذين سيبقى أثرهم ما بقيت الكلمة الصادقة، وسيظل قلمه منارةً تهدي الباحثين عن الجمال والحقيقة، وتؤكد أن الأدب العظيم لا يموت، وأن الكلمة المخلصة أبقى من العمر نفسه.
حفظ الله الدكتور وليد سيف، وأدام عليه الصحة والعافية، وأبقى مداد قلمه منارةً للأجيال القادمة. ورحم الله المخرج الكبير حاتم علي، الذي شكّل مع وليد سيف ثنائياً إبداعياً استثنائياً، قدّم للدراما العربية أعمالاً ستظل شاهدةً على أن الفن، حين يلتقي بالفكر والصدق والإتقان، يصنع الخلود.
د. فهمي شُراب
كاتب مستقل وأستاذ جامعي.
فلسطين/ خانيونس



