تحقيقات وتقارير

معركة مُضادّة لـ«حصر السلاح» | المقاومة للسلطة: لإنهاء الوصاية المالية الأميركية

معركة مُضادّة لـ«حصر السلاح» | المقاومة للسلطة: لإنهاء الوصاية المالية الأميركية

بغداد | مع اقتراب الموعد المُحدّد لإنهاء عملية «حصر السلاح في يد الدولة»، وتصاعد الضغوط الأميركية على بغداد، تتزايد، خصوصاً في الأوساط المؤيّدة لفصائل المقاومة الرافضة لنزع السلاح، المُطالبات بتحرير القرار الاقتصادي العراقي من أيّ نفوذ خارجي. ويأتي ذلك في وقت لا تزال فيه عائدات النفط تمرّ عبر منظومة مالية تمنح واشنطن أدوات تأثير واسعة في إدارة الأموال العراقية.
وجاء آخر المواقف المطالبة بتحقيق السيادة الاقتصادية، من جانب الأمين العام لحركة «النجباء»، أكرم الكعبي، الذي انتقد ما وصفه بـ«الوصاية» الأميركية على أموال العراق، داعياً إلى تنويع منافذ بيع النفط وشبكة العلاقات المصرفية، وعدم إبقاء العائدات تحت رحمة طرف واحد. وفي الاتجاه نفسه، تحدّث الأمين العام لـ«كتائب سيد الشهداء»، أبو آلاء الولائي، عن «هيمنة» أميركية على مقدّرات العراق الاقتصادية، مطالباً بامتلاك بغداد قرارها المالي والتجاري بعيداً عن أيّ قوة خارجية.

ومنذ عام 2003، ارتبطت عائدات النفط العراقية بالدولار الموجود في حساب لدى الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك. وبحسب تقرير نشرته وكالة «رويترز» في كانون الثاني 2026، فإن هذا الترتيب منح واشنطن نفوذاً اقتصادياً مستمراً على بغداد، ولا سيما أن النفط يشكّل نحو 90 في المئة من إيرادات الدولة العراقية. ولا يعني ذلك، قانونياً، أن الولايات المتحدة تملك أموال العراق أو تنفقها كما تشاء؛ فالأموال تعود إلى بغداد في نهاية المطاف، لكن آلية حفظها وتسوية عائداتها بالدولار، تمرّ عبر النظام المالي الأميركي. كما أن الحماية القانونية التي أُرسيت بعد الغزو عام 2003 لحماية «صندوق تنمية العراق» وعائدات النفط من المُطالبات القضائية الأميركية، جرى إنهاؤها في عام 2014، وهو ما يعني أن باب هذه المُطالبات يمكن أن يُفتَح مجدّداً في أي وقت. وإذ يبدو شعار «تحرير الأموال» دعوة إلى تلافي أيّ محاولات ابتزاز مستقبلية من هذا النوع، فهو يعكس، أيضاً وأولاً، رغبة متصاعدة لدى أطراف عراقية في تقليص هامش النفوذ الأميركي.
وفي هذا الإطار، يرى القيادي في حركة «النجباء»، ماجد الكعبي، في حديث إلى «الأخبار»، أن «العراق يجب أن يتحرّر من الهيمنة الأميركية، وأن يكون له قرار سيادي بلا تأثيرات الخارج»، مذكّراً بأن «المقاومة سبق أن دفعت في اتجاه إخراج القوات الأميركية عام 2011، وأن المرحلة الحالية تتطلّب تنظيف البدن من المحتل». ويربط الكعبي بين الاستقلالَين السياسي والاقتصادي، مشيراً إلى أن أموال النفط والاتفاقيات المعقودة مع الجانب الأميركي تقيّد القرار العراقي.

المقاومة تدعو إلى تنويع منافذ بيع النفط وشبكة العلاقات المصرفية، وعدم إبقاء العائدات تحت رحمة طرف واحد

أمّا القيادي في كتلة «حقوق» النيابية، مقداد الخفاجي، فيعتقد، في حديث إلى «الأخبار»، أن «المعركة لا تتعلّق بالسلاح وحده، بل بسيادة القرار العراقي على المال والنفط أيضاً». ويلفت إلى أن «واشنطن تحاول استخدام أدوات مالية واقتصادية للضغط على بغداد»، مشدّداً على أن «المطلوب خروج القنوات الأجنبية من دائرة القرار العراقي»، معتبراً أن «سلاح المقاومة يمثّل إحدى أدوات مواجهة الاحتلال والاعتداءات الخارجية».
في المقابل، تبدو الحكومة وكأنها تميل إلى الاستجابة للضغط الأميركي بشأن سلاح المقاومة، وذلك لتجنّب أيّ صدام مع النظام المالي الأميركي. وفي السياق، أعلنت «خلية الإعلام الأمني» استمرار تسليم الأسلحة غير المُسجّلة من عدد من الفصائل، مشيرة إلى تسلّم أكثر من 580 ألف قطعة سلاح، فيما تتواصل إجراءات «اللجنة الوطنية لتنظيم السلاح». وتأتي هذه الإجراءات بينما يقترب موعد الـ30 من أيلول، الذي تحوّل إلى سقف سياسي وأمني لحسم هذا الملف. وفي حين شهدت بغداد تحرّكات سياسية وأمنية متسارعة، بينها اجتماع الرئاسات لمناقشة ملفَّي السلاح والاقتصاد، طُرح داخل «الإطار التنسيقي» مُقترح لفصل موعد الانسحاب الأميركي، عن مسألة تفكيك الفصائل، بما يمنح الأخيرة ضمانات سياسية أكبر. بدورها، أضافت زيارة قائد «فيلق القدس»، إسماعيل قآاني، إلى بغداد، بعداً إقليمياً إلى المشهد، من دون أن يتّضح ما الذي أفرزته إلى الآن.

وعلى أيّ حال، يبدو أكيداً أن الأزمة المالية لا تنفصل عن هذه المواجهة. فقد استخدمت واشنطن بالفعل أدوات مالية للضغط على مصارف عراقية، ومنعت بنوكاً من التعامل بالدولار في إطار مكافحة غسل الأموال وتهريب العملة، فيما فرضت وزارة الخزانة الأميركية في أيار 2026 عقوبات على شخصيات وكيانات عراقية مرتبطة بقطاع النفط والفصائل المسلحة.
ويرى الباحث في الشأن الاستراتيجي ومدير مركز «الغد»، علي محي الدين، في حديث إلى «الأخبار»، أن «تحرّكات الحكومة الأخيرة، ولا سيما زيارة الزيدي إلى واشنطن والاتفاقات التي أُبرمت خلالها، تحتاج إلى مراجعة»، محذّراً من أن «بعض بنودها قد تفتح المجال أمام مزيد من النفوذ الأميركي في الاقتصاد العراقي، ولا سيما في قطاع النفط». ويضيف أن «بغداد مُطالَبة بالضغط على واشنطن من أجل تحرير الأموال العراقية وتعزيز قدرتها على إدارة عائداتها»، معتبراً أن «الأزمات المالية والنقدية التي تضغط على العراقيين لا يمكن فصلها عن طبيعة العلاقة الاقتصادية مع الولايات المتحدة».

الاخبار اللبنانية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب