من المهتوش والتبنة إلى الخان الأحمر.. تطويق التجمعات البدوية شرق القدس ينذر بتصعيد التهجير والاستيطان

من المهتوش والتبنة إلى الخان الأحمر.. تطويق التجمعات البدوية شرق القدس ينذر بتصعيد التهجير والاستيطان
إعداد وتقرير: المحامي علي أبو حبلة
طولكرم / القدس – في تطور يعكس تصاعد الضغوط الاستيطانية على التجمعات الفلسطينية شرق القدس المحتلة، أقدم مستوطنون، مساء الأحد 11 تشرين الأول/أكتوبر 2026، على تطويق تجمعي المهتوش والتبنة البدويين بالأسلاك الشائكة، في محيط منطقة الخان الأحمر، بما يقيّد حركة السكان ورعاة الأغنام، ويحدّ من وصولهم إلى المراعي، ويقطع التواصل بين التجمعين، وفق ما أوردته محافظة القدس ونقلته وكالة الأنباء الفلسطينية «وفا».

وأفادت المعطيات بأن هذه الخطوة تأتي في سياق اعتداءات متواصلة تشمل إغلاق الطرق وقطعها، ومنع الرعاة من الوصول إلى المراعي، وتخريب خطوط المياه، وكتابة شعارات عنصرية بالقرب من التجمعات السكانية، الأمر الذي يزيد الأعباء المعيشية على الأهالي ويهدد مصادر رزقهم واستقرارهم في أراضيهم.
ولا يمكن قراءة هذه التطورات بمعزل عن المخاطر التي تواجه تجمع الخان الأحمر البدوي، الذي يواجه منذ سنوات أوامر هدم وتهديدات بالإخلاء، في ظل التوسع الاستيطاني المتسارع شرق القدس، ولا سيما المخطط الاستيطاني المعروف باسم «إي 1»، الذي يستهدف الربط بين مستوطنة معاليه أدوميم والقدس الشرقية المحتلة.
مخطط «إي 1» وتقطيع أوصال الضفة الغربية
تتجاوز خطورة ما يجري حدود التجمعات البدوية الثلاثة، لتطال مستقبل التواصل الجغرافي الفلسطيني وإمكان إقامة دولة فلسطينية مستقلة وقابلة للحياة. فالمخطط الاستيطاني «إي 1» من شأنه أن يعمّق تجزئة الضفة الغربية، ويضعف التواصل بين شمالها وجنوبها، ويزيد القيود المفروضة على حركة الفلسطينيين، فضلاً عن تهديده التجمعات البدوية التي تعتمد على الرعي وتربية الأغنام ومصادر المياه والمراعي المفتوحة.
وكان مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان قد حذّر، في بيان صدر في 22 أيار/مايو 2026، من خطر النقل القسري لسكان الخان الأحمر، مطالباً بوقف الإجراءات الرامية إلى تهجيرهم ووقف التوسع الاستيطاني في المنطقة. وأشار البيان إلى أن المخطط الاستيطاني يهدد تجمعات فلسطينية عدة، ويقوّض التواصل الجغرافي للأرض الفلسطينية المحتلة.
كما أعلنت منظمة «هيومن رايتس ووتش» أن طرح عطاءات جديدة للبناء الاستيطاني في منطقة «إي 1» يهدد بتعميق تجزئة الضفة الغربية ويزيد مخاطر التهجير القسري للتجمعات البدوية المحيطة بالقدس.
القانون الدولي ومسؤولية المجتمع الدولي
من الناحية القانونية، تخضع الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، لأحكام القانون الدولي الإنساني المتعلق بالأراضي المحتلة. وتحظر المادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة النقل القسري للأشخاص المحميين من الأراضي المحتلة، كما تحظر على دولة الاحتلال نقل أجزاء من سكانها المدنيين إلى الأراضي التي تحتلها.
ويثير تطويق التجمعات السكانية بالأسلاك الشائكة، إذا ثبت أنه يقيّد بصورة غير مشروعة حركة السكان ويحرمهم من الوصول إلى المراعي والمياه وسبل العيش، إشكاليات جدية بموجب قواعد حماية المدنيين في ظل الاحتلال. ويستوجب الأمر توثيق الوقائع والتحقق من آثارها، وتحديد المسؤوليات القانونية وفق الأدلة والظروف المحيطة بكل حالة.
وفي رأيها الاستشاري الصادر في 19 تموز/يوليو 2024، أكدت محكمة العدل الدولية عدم قانونية استمرار الوجود الإسرائيلي في الأرض الفلسطينية المحتلة، ودعت إلى إنهائه، بما يشمل وقف النشاط الاستيطاني وإخلاء المستوطنين من الأرض الفلسطينية المحتلة. ويعزز ذلك ضرورة التحرك الدولي لمنع ترسيخ الوقائع التي تغيّر الوضع القانوني والديمغرافي للأرض المحتلة.
المطلوب تحرك يتجاوز بيانات الإدانة
إن ما يجري في المهتوش والتبنة والخان الأحمر يستدعي تحركاً فلسطينياً وعربياً ودولياً عاجلاً، يبدأ بتوثيق الاعتداءات والتضييق على السكان، ويوفر الحماية القانونية والإنسانية للتجمعات المهددة، ويضغط لفتح الطرق وإزالة العوائق التي تمنع الأهالي والرعاة من الوصول إلى أراضيهم ومصادر رزقهم.
كما تقع على عاتق المؤسسات الدولية والدول المؤثرة مسؤولية استخدام الأدوات الدبلوماسية والقانونية المتاحة لمنع التهجير القسري ووقف التوسع الاستيطاني، ومساءلة المسؤولين عن الانتهاكات التي تثبتها التحقيقات والأدلة.
إن حماية هذه التجمعات ليست مسألة إنسانية فحسب، بل قضية تتصل بحق الفلسطينيين في أرضهم، وبمستقبل القدس، وبوحدة الجغرافيا الفلسطينية. فالأسلاك الشائكة التي تطوّق المهتوش والتبنة، والتهديدات التي تلاحق الخان الأحمر، تضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي لمدى التزامه بالقانون الدولي، وقدرته على منع فرض الوقائع بالقوة.
فالصمت على تطويق التجمعات الفلسطينية وتهديدها بالتهجير يفتح الباب أمام مزيد من التوسع الاستيطاني، فيما يتطلب الحفاظ على فرص السلام العادل حماية الإنسان الفلسطيني وأرضه وحقه في البقاء، وصون إمكانية قيام دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة وعاصمتها القدس الشرقية.




