هرمز بين قبضة إيران ومقامرة ترامب
هرمز بين قبضة إيران ومقامرة ترامب
الضغط الاقتصادي ينهك طهران.. وإسرائيل تراقب.. والخليج يدفع الثمن
المحامي علي أبوحبلة
لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر استراتيجي في قلب الخليج، بل تحول إلى عنوان للصراع الأكبر بين الولايات المتحدة وإيران، وإلى اختبار مباشر لقدرة الرئيس دونالد ترامب على الجمع بين القوة العسكرية والضغط الاقتصادي من أجل فرض معادلة جديدة على طهران. وبعد ستة أشهر من الحرب والتصعيد، بدأت موازين القوة تميل بصورة أكثر وضوحاً نحو الضغط على إيران، لكن ذلك لا يعني أن المعركة حُسمت أو أن طهران فقدت جميع أوراقها.
الوقائع الجديدة تشير إلى أن الاقتصاد الإيراني بات تحت ضغط استثنائي. العقوبات والحصار البحري وتراجع صادرات النفط وصعوبة الوصول إلى العملات الأجنبية بدأت تضيق هامش المناورة أمام الحكومة الإيرانية، في وقت ترتفع فيه كلفة الحرب على المجتمع الإيراني. وتشير تقارير حديثة إلى تراجع صادرات النفط الإيرانية بصورة حادة، بالتزامن مع تصاعد التضخم ونقص بعض السلع والوقود.
وهنا تكمن جوهر استراتيجية ترامب: إجبار إيران على الاختيار بين تحمل استنزاف اقتصادي طويل أو الذهاب إلى تسوية تحفظ لها الحد الأدنى من النفوذ.
ترامب لا يريد حرباً مفتوحة بلا نهاية، لكنه يريد أيضاً أن يخرج منها منتصراً. ولذلك يجمع بين الضربات العسكرية والعقوبات والضغط على صادرات النفط، محاولاً تحويل التفوق العسكري الأميركي إلى مكاسب سياسية واقتصادية. وتؤكد التطورات الأخيرة أن واشنطن صعّدت بالفعل استهدافها لشبكات النفط الإيرانية وناقلاتها.
لكن المشكلة أن إيران ليست أمام خيار الاستسلام أو الانهيار فقط.
طهران لا تزال تمتلك ورقة هرمز، حتى وإن تراجعت قدرتها على استخدامها بصورة مطلقة. فالمضيق الذي تمر عبره نسبة كبيرة من تجارة النفط العالمية يمثل نقطة ضعف استراتيجية للاقتصاد العالمي، وأي اضطراب فيه ينعكس فوراً على أسعار الطاقة والتأمين والنقل والتضخم.
وهذا ما يحدث بالفعل. فقد ارتفع سعر خام برنت إلى نحو 97.6 دولاراً للبرميل، بينما وصلت أسعار الديزل في الولايات المتحدة إلى مستويات قياسية، وهو ما يضع إدارة ترامب أمام معادلة داخلية شديدة الحساسية، خصوصاً مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي.
وهنا تظهر المفارقة الكبرى في استراتيجية ترامب: كلما شدد الخناق على إيران، ارتفعت كلفة الحرب على المستهلك الأميركي.
وهذه ليست مشكلة اقتصادية فقط، وإنما مشكلة سياسية أيضاً. فارتفاع أسعار البنزين والديزل يعني ارتفاع تكاليف النقل والغذاء والإنتاج، وبالتالي ارتفاع التضخم، وهو ما قد يتحول إلى عامل ضغط على الإدارة الأميركية نفسها. وتشير استطلاعات حديثة إلى أن الحرب باتت تواجه معارضة شعبية أميركية متزايدة.
أما إسرائيل، فتراقب هذه المعادلة من زاوية مختلفة. فهي ترى في إضعاف إيران اقتصادياً وعسكرياً فرصة تاريخية لتقليص قدراتها الإقليمية، لكنها تدرك في الوقت نفسه أن استمرار الحرب إلى أجل غير محدد قد يؤدي إلى انفجار إقليمي أوسع، يطال دول الخليج والمنشآت النفطية والممرات البحرية.
ولذلك فإن إسرائيل قد تكون المستفيد الأكثر وضوحاً من استمرار الضغط على إيران، لكنها ليست بمنأى عن تداعياته. فأمن الخليج جزء من منظومة أمنها، وأي حرب طويلة تؤدي إلى تعطيل صادرات النفط أو ضرب البنية التحتية للطاقة ستعيد تشكيل البيئة الاستراتيجية في الشرق الأوسط بأكمله.
أما دول الخليج، فهي تجد نفسها أمام معادلة شديدة التعقيد: تريد حماية أمنها واستمرار صادراتها النفطية، لكنها لا تريد أن تتحول أراضيها وموانئها ومنشآتها إلى ساحات مواجهة بين واشنطن وطهران.
ولهذا فإن أمن الخليج لم يعد مرتبطاً فقط بمن يسيطر على مضيق هرمز، بل بمن يستطيع منع تحوله إلى سلاح اقتصادي عالمي.
إيران من جهتها تراهن على أن الولايات المتحدة لن تتحمل إلى ما لا نهاية كلفة حماية الملاحة وارتفاع أسعار الطاقة، فيما تراهن واشنطن على أن الاقتصاد الإيراني لن يستطيع تحمل الحصار إلى ما لا نهاية.
إنها حرب عضّ أصابع، ولكن على حافة برميل نفط.
والخطر الحقيقي أن يخطئ أحد الطرفين في تقدير قدرة الآخر على التحمل. فإذا بالغت طهران في استخدام ورقة هرمز، فقد تمنح ترامب المبرر لتوسيع الحرب. وإذا بالغت واشنطن في الضغط، فقد تدفع إيران إلى تصعيد أكبر يجعل أسعار النفط تقفز إلى مستويات تهدد الاقتصاد العالمي.
لذلك فإن السؤال لم يعد: من يسيطر على هرمز؟
السؤال الأهم هو: من يستطيع تحمل كلفة السيطرة عليه؟
حتى الآن، يبدو أن إيران تتلقى الضربة الاقتصادية الأقسى، بينما تتحمل الولايات المتحدة وحلفاؤها كلفة ارتفاع الطاقة واضطراب الأسواق. وبين الطرفين يقف الخليج أمام أخطر معادلة منذ عقود.
وقد تكون النهاية في تسوية سياسية تحفظ لترامب صورة المنتصر، وتمنح إيران مخرجاً يحفظ ماء الوجه، وتعيد للمضيق قدراً من الاستقرار، قبل أن تتحول حرب هرمز من أزمة بين واشنطن وطهران إلى أزمة طاقة عالمية لا يستطيع أحد التحكم بمساراتها.
المحامي علي أبوحبلة

