وزير الخارجية السوداني: تداخل المصالح الدولية يفاقم تعقيد الصراع في البلاد ويطيل أمده

وزير الخارجية السوداني: تداخل المصالح الدولية يفاقم تعقيد الصراع في البلاد ويطيل أمده
ميعاد مبارك
موارد القارة الأفريقية، رغم كونها من الأغنى عالمياً، كانت في كثير من الأحيان سبباً مباشراً في اندلاع النزاعات واستقطاب التدخلات الخارجية.
الخرطوم ـ : في وقت تتصاعد فيه التحديات السياسية والإنسانية في السودان، مع دخول الحرب السودانية عامها الرابع، قدم وزير الخارجية والتعاون الدولي السوداني، السفير محيي الدين سالم، عرضاً لرؤية الحكومة بشأن النزاع الدائر وفرص الاستثمار، وذلك خلال مشاركته في أعمال منتدى أنطاليا الدبلوماسي، حيث شدد على أن موارد القارة الأفريقية، رغم كونها من الأغنى عالمياً، كانت في كثير من الأحيان سبباً مباشراً في اندلاع النزاعات واستقطاب التدخلات الخارجية.
وأوضح الوزير، خلال جلسة رفيعة المستوى بعنوان «الاستثمار في مستقبل أفريقيا: الاستراتيجية، الحجم، والقدرة التنافسية»، أن الحرب في السودان تمثل نموذجاً واضحاً لهذه الإشكالية، حيث تتداخل المصالح الدولية والإقليمية حول الموارد، ما يفاقم من تعقيد الصراع ويطيل أمده.
وأشار إلى أن التحدي لا يقتصر على جذب الاستثمارات الأجنبية، بل يتجاوز ذلك إلى ضمان تحقيق استفادة حقيقية للمجتمعات المحلية، لافتاً إلى أن بعض مناطق استخراج الموارد تعاني من تدهور بيئي كبير ينعكس سلباً على حياة السكان، وهو ما يستدعي تبني سياسات أكثر توازناً تراعي البعد البيئي والاجتماعي إلى جانب العائد الاقتصادي.
وفي هذا السياق، أكد الوزير أهمية التكامل الإقليمي بين الدول الأفريقية، من خلال تطوير سلاسل القيمة المشتركة وتنسيق السياسات الاستثمارية، بما يعزز القدرة التفاوضية للقارة في مواجهة الشركاء الدوليين. كما لفت إلى التحديات التمويلية الكبيرة التي تواجه أفريقيا، خاصة في مجالات البنية التحتية والتجارة، والتي تُقدّر بمئات المليارات سنوياً، ما يستدعي تعبئة أكبر لرؤوس الأموال الخاصة، إلى جانب تفعيل دور مؤسسات التمويل الإقليمية والدولية.
واستعرض الوزير الإمكانات الاستثمارية التي يتمتع بها السودان، مشيراً إلى موقعه الاستراتيجي على البحر الأحمر، بساحل يمتد لأكثر من 800 كيلومتر، ما يؤهله ليكون مركزاً محورياً للتجارة والاستثمار في القارة. وأكد أن السودان، رغم الظروف الراهنة، لا يزال منفتحاً على الاستثمارات، مدعوماً بإرادة وطنية لإعادة البناء وتهيئة بيئة جاذبة للشركاء الإقليميين والدوليين.
وشدد على أن تحويل موارد أفريقيا من مصدر للنزاع إلى رافعة للتنمية يتطلب تعزيز السيادة الوطنية، وتكامل الجهود الإقليمية، وبناء شراكات عادلة ومستدامة تحقق مصالح شعوب القارة.
وعلى هامش المنتدى، عقد الوزير سلسلة لقاءات ثنائية مع عدد من المسؤولين الدوليين والإقليميين، ركزت على تطورات الأوضاع في السودان وسبل دعم جهود السلام.
ففي لقائه مع مبعوثة الاتحاد الأوروبي للقرن الأفريقي، أنيتا ويبر، استعرض الوزير رؤية الحكومة السودانية للتوصل إلى حل شامل ومستدام للنزاع، تقوم على مبادرة السلام المقدمة إلى مجلس الأمن الدولي في كانون الأول/ديسمبر الماضي، والتي ترتكز على وقف إطلاق النار، وحماية المدنيين، واستعادة مؤسسات الدولة، مع التأكيد على احترام سيادة السودان ووحدته.
وشدد الوزير على ضرورة معالجة جذور الأزمة، بما في ذلك وقف التدخلات الخارجية والحد من تدفقات المقاتلين الأجانب، باعتبارها من أبرز العوامل التي تؤجج الصراع وتعيق جهود التسوية.
من جانبها، أكدت ويبر اهتمام الاتحاد الأوروبي بدعم جهود التهدئة، والعمل على التوصل إلى هدنة إنسانية تمهد لوقف شامل لإطلاق النار، مشددة على أهمية تنسيق المبادرات الدولية، بما في ذلك مسار «الرباعية»، لتحقيق تقدم ملموس على الأرض.
كما تناول اللقاء الأبعاد الإقليمية للأزمة، حيث أكد الوزير أن استقرار السودان يمثل ركيزة أساسية لاستقرار منطقة القرن الأفريقي، داعياً الدول الإقليمية إلى الاضطلاع بدور إيجابي يدعم مسار السلام بعيداً عن التدخلات السلبية.
وفي لقاء آخر مع نائب السكرتير التنفيذي للهيئة الحكومية للتنمية «إيغاد»، محمد عبدي وري، بحث الجانبان تطورات الأوضاع في السودان وانعكاساتها على الإقليم، وسبل تعزيز التنسيق ضمن الأطر الإقليمية والدولية.
وأكد الوزير أن الأزمة السودانية تتسم بدرجة عالية من التعقيد، مشيراً إلى أن الأولوية القصوى تتمثل في تحسين الأوضاع الإنسانية وضمان وصول المساعدات إلى المتضررين، إلى جانب إخلاء الأعيان المدنية في بعض مناطق دارفور وكردفان، بما يمهد لعودة آمنة للمواطنين ويفتح الطريق أمام حوار وطني شامل.
كما شدد على أهمية الحفاظ على مؤسسات الدولة وصون الشرعية الوطنية، مع استمرار انخراط السودان في المحافل الإقليمية والدولية.
من جهته، أعرب نائب السكرتير التنفيذي لإيغاد عن تضامن المنظمة مع السودان، مؤكداً أنها تمثل الإطار الإقليمي الأنسب لمعالجة الأزمة، مع ضرورة تعزيز التنسيق مع الاتحاد الأفريقي وتوحيد المبادرات الدولية لتفادي تعدد المسارات.
وتناول اللقاء أيضاً المخاطر الأمنية المتزايدة، خاصة ما يتعلق بانتشار المرتزقة والتدخلات الخارجية، حيث اتفق الجانبان على ضرورة تسليط الضوء على هذه التحديات في المحافل الدولية، نظراً لما تمثله من تهديد مباشر لاستقرار السودان ودول الجوار.
وفي السياق ذاته، رحب الوزير بمقترح إيغاد زيارة رفيعة المستوى إلى الخرطوم وفتح مكتب مؤقت للمنظمة، مؤكداً استعداد الحكومة لتقديم التسهيلات اللازمة لتعزيز الحضور الميداني للمنظمة.
وفي إطار تعزيز العلاقات الثنائية، التقى الوزير بنظيرته من النمسا، حيث بحث الجانبان تطورات الأوضاع في السودان وسبل تعزيز التعاون المشترك.
وأشار الوزير إلى تحسن نسبي في الأوضاع داخل البلاد، مع عودة تدريجية للحياة الطبيعية في العاصمة الخرطوم، وتزايد عودة المواطنين من دول الجوار، إلى جانب انفتاح الحكومة على العمل الإنساني وتسهيل وصول المساعدات.
وأكد التزام السودان بتحقيق سلام دائم يقوم على معالجة جذور الأزمة، مشدداً على ضرورة التعامل مع ظاهرة المقاتلين الأجانب باعتبارها أحد أبرز التحديات.
من جانبها، أعربت وزيرة خارجية النمسا عن التزام بلادها بدعم السودان إنسانياً، مشيرة إلى مساهمات مالية سابقة، واستعدادها لتعزيز هذا الدعم، إضافة إلى اهتمامها بالاطلاع الميداني على الأوضاع.
كما أبدت النمسا استعدادها لاستضافة جولات حوار سودانية في فيينا، بما في ذلك المسارات غير الرسمية، في خطوة تهدف إلى دعم جهود السلام، وهو ما لقي ترحيباً من الجانب السوداني.
واتفق الطرفان على أهمية تفعيل آليات التعاون الثنائي وتعزيز التواصل بين المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص، بما يخدم المصالح المشتركة
«القدس العربي»



