«جزء ناقص من الحكاية» رواية المصرية رشا عدلي: السير المتوازية والمتتابعة من الأزمة إلى التعافي

«جزء ناقص من الحكاية» رواية المصرية رشا عدلي: السير المتوازية والمتتابعة من الأزمة إلى التعافي
عادل ضرغام
في روايتها «جزء ناقص من الحكاية» تشتغل الكاتبة المصرية رشا عدلي على ثيمة النقصان المرتبطة بالحياة والحكايات، فالنقصان له وهجه وسطوته ولمعانه، سواء أكان نقصانا بالغياب أو عدم المعرفة، أو بالتواري والخفاء نظرا لطبيعته. فالنقصان لا يتجلى على هيئة واحدة، فيمكن أن يكون وجوديا للعوالم الميتافيزيقية التي لا ندركها، ويمكن أن يكون بشريا لغياب المعرفة والاطلاع، ويمكن أن يكون مخفيا لطبيعته الداخلية العنيدة، ولا توجد قدرة لاكتشافه والوصول إليه بالرغم من المحاولة، فالحقيقة الغائبة غير المعلنة نقصان، وعدم الوصول لتفسير سلوك ما نقصان.
في كثير من الأحيان يجد بعض البشر أنفسهم في غرف مظلمة يصنعونها لذواتهم، ويعيشون فيها كأنهم مسجونون داخل واقع فردي، وعليهم للخروج من هذا الظلام أن يبدعوا في إيجاد منافذ أو كوى للتحرر والخروج والانعتاق. في هذه الرواية هناك رصد لمجموعة من السير أو النماذج البشرية نساء ورجالا، وإن كانت سير النساء تشكل وجودا مهيمنا، ويحاول أصحاب هذه السير الانعتاق من ظلمة عوالمهم، وضغوط الدائرة المطبقة، وفي سبيل ذلك قد يقدمون تفسيرا أو تأويلا لتلك الغرابة أو ذلك الغموض الذي يلازم صاحب أو صاحبة السيرة. في الرواية إعادة كتابة لسيرة فيفيان ماير المصورة الشهيرة في القرن العشرين، وهي السيرة الأساسية التي تقدمها بصوتها التي تنمو متوازية معها أو متتابعة السير الأخرى، فهناك سيرة كوليت وهي امرأة مصرية إيطالية من جهة الأم، يكشف عنها ويركب جزئياتها ابن أختها أستاذ جراحة التجميل الشهير، وهناك سيرة تتوازى مع سيرة ماير وهي سيرة الضابط المصري سيف القرنفلي الذي فقد ساقه في حرب 1967، ويقدمها بصوته.
في مقابل السير السابقة التي تقوم على التحبيك والتبرير، هناك سيرتان تختلفان في اللحظة الزمنية، سيرة ناني القرنفلي ابنة الضابط، وسيرة ابنتها روان. والسير النسائية- باستبعاد سيرة روان المرتبطة بتتبع سيرة ماير- مشدودة للشبيه والنظير، فالنساء الثلاث في الرواية- بالرغم من كونهن من عوالم زمنية متوازية أو متتابعة- تتقاطع حيواتهن وتتداخل معرفيا من خلال التشابه في البؤس والوحدة والهشاشة، والحقيقة الداخلية المتوارية، ففي كل السير هناك غموض نابع من غموض الشخصية، وغموض حياتها الذي ينبع من النقصان، فهي شخصيات ضد الوضوح، منفتحة على التواصل روحيا مع الشبيه والنظير، في ارتباط كل واحدة منهن بالتشظي والهامش.
تحبيك السير وضمائر السرد
تعتبر سيرة فيفيان ماير السيرة الرئيسة، وتقدمها بصوتها من خلال ضمير المتكلم، وتوازيها سيرة (سيف القرنفلي) في اعتمادها على المتكلم، وبينهما سيرة كوليت، لأن الصوت السارد- وإن كان متكلما- صوت ابن أختها. ارتبطت فيفيان ماير بالغموض والغرابة في فنها وسيرتها، ولهذا يشعر القارئ أن في النص الروائي إصغاء وإنصاتا لكل الإشارات التي جاءت في سياق التعريف بها، ففي سياق المعلومة التي تداولها كثيرون عن سفرها لمدة عام إلى بلدان عديدة مثل اليمن ومصر والهند، تتوقف رشا عدلي عند هذه المعلومة، وتؤسس علاقة وحكاية لهذه الفنانة بشحصية أخرى في النص الروائي، هي شخصية سيف القرنفلي الضابط بالجيش المصري.
وتستند إلى هذه الجزئية، لكي تضيف إليها مساحة أكثر إقناعا، وتؤسس لها وجودا مقبولا من الناحية المنطقية من خلال التحبيك السردي اعتمادا على مقولة وردت في أجزاء من سيرتها، في إجابتها عن سؤال يرتبط بغموضها وغرابتها، فأجابت: ربما أعمل جاسوسة. ومن هنا يتوزع النص السردي في تكييف بداية ارتباطهما بين وجهتي نظر: الأولى طبيعية قائمة على الارتباط والمحبة واكتشاف ما شده إليها في خطاب سيف القرنفلي السردي، والأخرى متعمدة وقائمة على القصدية لارتباط ماير بمؤسسة استخباراتية أمريكية وجهتها لتجنيده. ولكن الرواية لا تقدم ذلك في شكل سردي عادي قائم على التراتب، وإنما من خلال شخصيات وسير تحدث نوعا من التقاطع بين الخطابين، وتجمع بينهما من خلال الحفيدة روان التي تعمل في رسالتها عن (فيفيان ماير)، وارتباطها بإشكاليات حياتية بأمها ناني القرنفلي.
في الرواية هناك خطابات عديدة، وهذه الخطابات العديدة تشير إلى بنية مفتتة لا تخلو من قصدية، ينتج عنها اختلاف في وجهات النظر وزاوية الرؤية. ولكن القارئ يستطيع أن يصنّف أشكال البنى والخطابات إلى نوعين: الأول الخطاب السردي القائم على ضمير المتكلم، ويتوزع في الرواية إلى خطاب سيف القرنفلي، وخطاب فيفيان ماير، وخطاب أمين مخلوف ابن أخت كوليت، والآخر الغياب أو الراوي العليم غير المشارك في النص، ويرتبط بخطابي ناني القرنفلي، وابنتها روان.
وفي خطاب سيف القرنفلي يأتي التكلّم هنا منوطا بالوظيفة التي اشتغلت عليها الرواية بمساحة لا تقل- إن لم تزد- عن مساحة فيفيان ماير، وربما كشف عن تلك الأهمية الإهداء (إلى كل شهداء الوطن). يتوازى سيف القرنفلي الضابط بالجيش المصري بصوته مع الوطن المهزوم، وعودته إلى الحياة وإلى النصر بعد الهزيمة في حرب 1967. فالاستناد إلى التكلّم له ما يبرره، لأنه ينقل لنا مشاعر وأحاسيس خاصة، لن يستطيع تقديمها إلا صوت عاين ومرّ بهذه التجارب، وبهذه البطولات التي أدت في النهاية إلى فقد ساقه، فالتكلّم آلية ضرورية للكشف عن الباطن الداخلي، وعن المشاعر المتوارية شديدة الخصوصية.
أما استخدام المتكلم من خلال صوت ابن الأخت أمين مخلوف للتعبير عن سيرة كوليت الناقصة، فربما يتمثل ذلك في مساحة إعطاء صوت لنوع من النساء لا يملكن صوتا للتعبير عن أنفسهن. فالنص الروائي يقدمها- سواء في خطاب ابن أختها، أو إشارات ماير في مساحة اللقاء الوحيد بينهما في الحديقة بالقاهرة- في إطار قدرتها على الشعور، ونفي القدرة على التعبير.
كل السير بالرغم من الأزمات الحادة تتحرّك نحو التعافي، بداية من فيفيان ماير، ومرورا بسيف القرنفلي، وانتهاء بناني ابنته وحفيدته روان، وإن كان التعافي يأخذ شكلا مختلفا مع كل شخصية، فمع الشخصية الأولى أو الرئيسة فيفيان ماير يتحقق التعافي بالتصالح مع الماضي أو التخلص من أثره، خاصة في طبيعة النظرة إلى بعض الشخصيات التي تركت ندوبا وعقدا في طفولتها، مثل الأب والأم والجدة، فرحلة الحياة خلصتها في النهاية من النظرة السلبية تجاه هذا الماضي بشخوصه، بل أصبحت ذاكرتها تستحضر الذكريات المناوئة. ومع شخصية سيف القرنفلي يبدو التعافي متوازيا مع تعافي الوطن، فقد تخلص بعد النصر من عقدة النقصان الجسدي، ولم يعد فقد الساق دافعا للتواري، ومن ثم عقد اتصاله مع الزي العسكري من خلال ارتدائه، يقول بعد نصر أكتوبر: (حملني الناس، وأخذوا يهتفون باسمي… انمحى الماضي… وانمحى الخذلان).
مساحات التشابه
الرواية بها قدر كبير من إسدال التشابهات بين النساء اللواتي تتقاطع حكاياتهن وسيرهن، بل يمكن القول إن هناك تحبيكا سرديا يكشف عن التشابهات الخفية المتعلقة بالأرواح الهامشية المأزومة داخليا، هذه الأرواح التي تشكلت وفق سطوة، قد تكون فردا، أو قد تكون السياق العام الذي لا يمنحها وجودا حرّا، بل يمنحها وجودا مجروحا بالنقصان، مثل فقد دفء البيت، فتذهب المرأة في مقاربتها للحياة مسلكا غامضا.
إن ذلك التوجه يمثل خروجا عن النسق، وهذا الخروج لا يختلف عن الصورة المغايرة التي حاولت فيفيان ماير أن تلصقها بذاتها في بحثها عن مغايرة عن المعهود والمقرر، ففي خطابها الروائي هناك إلحاح على توزّع مساحة النظر إليها في سعيها نحو تجذير الاختلاف، فهي لدى البعض (أنثى بمظهر خشن أقرب إلى الذكر)، ولدى آخرين يمكن أن تكون (ذكرا ناعم الملامح يتشبّه بالنساء).
وفي الإشارة إلى هذه التشابهات، تختلف- لتعدد الخطابات- مصادر الإشارة إليها، ففي بعض الأحيان تأتي الإشارة إلى التشابه من خطاب سيري للحظة آنية، فبعد دخول ناني القرنفلي مجال التواصل الاجتماعي، وتحوّلها إلى مؤثرة بنشر صورها وفيديوهاتها تشير إلى تشابهها مع فيفيان ماير قائلة: (كيف يمكن أن تتلاقى امرأتان في زمنين مختلفين في نقطة ما، حتى إن كان الدافع إلى ذلك مختلفا؟). من هذه الإشارة تصبح مراقبة التحبيكات المشيرة للتشابه محل اهتمام، فمساحات التشابه بين ناني القرنفلي وماير تتمثل في اعتبار التقاط الصورة مساحة للاحتماء والاستقواء، وكأنه فعل اختيار وتثبيت للتغيير الذي تريد كل واحدة منهما الوصول إليه. فالتصوير- بالنسبة لناني القرنفلي التي تمثل لحظة زمنية مغايرة- كان طريقا للخروج من أزمة الهجران، وكأن التصوير سبيل خروج لكل امرأة وحيدة، فهي بعد التعوّد على التصوير في بحثها عن حياة جديدة، شعرت بمساحة تغيير داخلي، ولم تعد تكتفي بابتسامة مصنوعة تسقطها على وجهها.
الرواية لم تكتف بخلق راو نظير لكتابة سيرة كوليت، ارتباطا بمكتشف كنوز فيفيان ماير، ولكنها أضافت- فوق ذلك- التشابه الصيغي بين معلوف ومخلوف، فإذا كان الأول كشف عن كنوز ماير في التصوير، وفي فن تصوير الشوارع والمهمشين، فإن الأخير أسهم في الكشف عن حياة غائبة، خضعت صاحبته للتشوه النفسي ذاته، وللغرابة والغموض والحدة ذاتها من الحياة والواقع. وتزداد الغرابة حدة حين يقرأ أستاذ التجميل أسفل دولابه في الفندق الفرنسي التاريخي أثناء مشاركته في مؤتمر عن الجديد في جراحة التجميل، عبارة منحوتة (كوليت كانت هنا). إن ما قام به كل واحد منهما هو إعادة اكتشاف القيمة، وإعادة تشكيل السيرة، من خلال السماح للبشر بالتعرف على فن الأولى، وخلق أو إعادة خلق سيرة كانت غائبة.
لم تتوقف الرواية في إسدال وتحبيك التشابه بين الشخصيات النسائية وسيرها عند تشابه العوالم وأثرها النفسي، ولكنها أسست لهذا التشابه في الصفات الشكلية، وطريقة السير والحركة، والغريب أن هذه الأوصاف المتشابهة والمتداخلة بينهن تتجلى في خطابات مختلفة.
في رواية «جزء ناقص من الحكاية» هناك اشتغال لافت على أفكار معرفية، تتصل بالنقصان الذي يولّد الاهتمام والارتباط الخاص بين البشر. وهناك بنية قائمة على التفتيت، مشدودة إلى تحبيك خاص لكل سيرة، وإلى خطوات أو مرتكزات سردية لكل امرأة، تجعل الفعل أو السلوك مبررا، ويمكن التوقف عند الجزئيات الخاصة بسيرة كوليت، لندرك أن التحبيك الخاص بهذه السيرة من خلال الخطابين الخاصين بها، به شيء من القصدية والتشويق، في تغييب جزئيات، كان وجودها يحرّك هذه السيرة من مساحة النقصان إلى مساحة التمام.
فالرواية تشتغل على تغييب الارتباط الحتمي بين كوليت التي نقشت هذه العبارة (كوليت كانت هنا) أسفل دولاب الفندق الفرنسي، وكوليت الخالة الفعلية من خلال حرق أرشيف الفندق، وعدم التأكد من التطابق، لكي تظل كل السير متأرجحة بين التمام والنقصان.
رشا عدلي: «جزء ناقص من الحكاية»
دار الشروق، القاهرة 2024
441 صفحة.