ما بعد إدانة لوبن: اليمين يرفع لواء المظلومية

ما بعد إدانة لوبن: اليمين يرفع لواء المظلومية
لندن | مُنعت زعيمة تيار أقصى اليمين في فرنسا، مارين لوبن، من الترشّح للمناصب العامّة لمدّة خمس سنوات، بعدما حُكم عليها بالسجن على خلفية إدانتها من قِبَل محكمة فرنسية (الإثنين) باختلاس أموال من الاتحاد الأوروبي. ومن شأن نفاذ هذا الحكم، حرمان المرشّحة الأكثر حظّاً لوراثة الرئيس إيمانويل ماكرون، من خوض الانتخابات الرئاسية لعام 2027. وتُعدّ هذه هي المرّة الثانية، خلال الأسابيع القليلة الماضية، التي يصار فيها إلى إقصاء زعيم يميني يمتلك فرصة للفوز بزعامة بلاده في الاتحاد الأوروبي، بعدما كانت السلطات الرومانية، بدعم من بروكسل، لفّقت تهماً لاستبعاد المرشّح الرئاسي، كلين جورجيسكو.
وفي تعليقه على التطوّرات الأخيرة في فرنسا، اعتبر ماتيو سالفيني، نائب رئيس الوزراء الإيطالي، والذي يقود حزباً يتموضع في أقصى اليمين، عبر حسابه في موقع «إكس»، أن «هذا إعلان حرب من جانب بروكسل. لن نخاف، ولن نتوقّف». ومن جهته، كتب رئيس الوزراء المجري، فيكتور أوربان: «كلّنا مارين»، فيما رأى الناطق باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف، أن الحكم على لوبن يشير إلى أن «المزيد من العواصم الأوروبية تسير في طريق الدوس على الأعراف الديمقراطية».
على أن أقوى انتقاد للخطوة، جاء على لسان الوزير الأميركي، إيلون ماسك، الذي كتب عبر «إكس»: «عندما لا يستطيع اليسار الراديكالي (المهيمن على بروكسل) الفوز عن طريق التصويت الديمقراطي، فإنه يلجأ إلى إساءة استخدام النظام القانوني لسجن خصومه». وبينما لم يُدل ماكرون بأيّ تعليق علني، إلى الآن، اعتبرت لوبن، التي خرجت من قاعة المحكمة قبل صدور الحكم بقليل، وهي تتمتم: «لا يُصدَّق»، أن القرار «ينتهك سيادة القانون»، وأن القضاة خضعوا لإيحاءات مرتبطة بالمناخ السياسي السائد في البلاد، معربةً عن صدمتها من أن «يذهب القضاء إلى هذا الحدّ ضد العملية الديمقراطية».
وأضافت، في حديث تلفزيوني: «لنكن واضحين، لقد تمّ إقصائي، ولكن ما جرى في الواقع كان إقصاءً لملايين الفرنسيين الذين تمّ استبعاد أصواتهم»، محذّرة السلطات من أن هؤلاء الفرنسيين «يشعرون بغضب شديد، بينما هم يشهدون على القضاء في فرنسا، أرض حقوق الإنسان، يرتكب ممارسات كنّا نظنّ أنها من تخصُّص الأنظمة الاستبدادية».
وبحسب الحكم القابل نظرياً للاستئناف، فإن الحظر الانتخابي لمدة خمس سنوات أصبح سارياً، إلا أن الحكم بالسجن لمدّة أربع سنوات لن يبدأ إلا بعد استنفاد المسارات القانونية الأخرى. ويمكن التفاهم مع المحكمة على قضاء لوبن عامين من العقوبة بالخضوع للإقامة الجبرية في منزلها، وللمراقبة من خلال ارتداء سوار إلكتروني على الكاحل، فيما يتم تعليق عامين آخرين، وتغريمها مقابلهما بـ100 ألف يورو.
الخيار الواقعي أمام لوبن، يقضي بدعم ترشيح جوردان بارديلا لانتخابات رئاسة الجمهورية
وكانت صحف باريس قالت إن محكمة ابتدائية وجدت، بعد سنوات من التحقيق، أن مجموعة من العقود والوظائف المزيّفة ساعدت «حزب التجمع الوطني» الذي تتزعّمه لوبن، على تحويل حوالى 4.4 ملايين يورو من أموال الاتحاد الأوروبي لأغراض أنشطته المحلية في فرنسا. وعليه، حوكم 24 مسؤولاً منتخباً – بمن فيهم تسعة أعضاء سابقين في البرلمان الأوروبي – إلى جانب لوبن، التي كانت عضواً في البرلمان الأوروبي بين عامَي 2004 و2016. ودانت المحكمة جميع الأعضاء السابقين، في حين اعترفت رئيسة القضاة بأن المُدانين لم يحقّقوا إثراء شخصيّاً، لكنهم استخدموا الأموال لغير الأغراض المخصّصة لها.
في المقابل، دفعت لوبن ببراءتها، قائلةً: «هذه القضيّة التي رفعها ضدّي خصومي السياسيون، تستند إلى حجج واهية. ما حصل هو خلاف إداري مع البرلمان الأوروبي. لا يوجد إثراء شخصي، ولا يوجد فساد. لا يوجد شيء من هذا القبيل». ويبدو أن معركة قانونية قاسية تلوح في الأفق، إذ أعلنت لوبن أنها عازمة على استئناف الحكم الصادر بحقّها، آملةً في أن «تصحح محكمة الاستئناف أخطاء المحكمة الابتدائية». لكنّ عارفين بكواليس القضاء الفرنسي، استبعدوا أن يصار إلى نقض الحكم بما يسمح لزعيمة «التجمُّع الوطني» بالتسجّل لخوض الانتخابات الرئاسية، في ربيع عام 2027.
وسبق أن ترشّحت لوبن للانتخابات الرئاسية ثلاث مرّات من دون أن تنجح في الفوز – منها مرتان في مواجهة الرئيس الحالي -. لكنّ شعبية اليمين الفرنسي والأوروبي المتصاعدة على خلفية غضب الطبقات الشعبية من تراجع مستوى معيشتها، وفشل الحكومات في الحدّ من الهجرة، توازياً مع فقدان ماكرون ثقة الفرنسيين، كانت كلها تشير إلى ترجيح احتمال فوز زعيمة اليمين الفرنسي في دورة الرئاسيات المقبلة. وسعت لوبن، طوال العقد الماضي، لتجميل صورة حزبها ذي الجذور الفاشية، وخفّفت من نزعته المعادية لليهود، وشيّدت في المقابل صورة حزب أقلّ تطرُّفاً، معادٍ للمهاجرين ومنحاز إلى الطبقات العاملة، تمكّن من الفوز بأكبر عدد من أصوات الفرنسيين في الانتخابات البرلمانية الأوروبية ولاحقاً العامة الفرنسية، ويمثّل الآن أكبر كتلة في البرلمان (الجمعية الوطنية).
ويقول خبراء إن الخيار الواقعي أمام لوبن، يقضي بدعم ترشيح جوردان بارديلا (29 عاماً)، الرئيس الرسمي لحزبها، لانتخابات رئاسة الجمهورية بدلاً منها. وكان بارديلا ندّد بالحكم، معتبراً أن ما جرى «تاريخ أسود للديمقراطية الفرنسية»، وأن «لوبن ليست وحدها التي أدينت بهذا الحكم، بل إنها ديمقراطية فرنسا»، داعياً مناصريه إلى النزول إلى الشوارع الأسبوع المقبل «لإظهار أن إرادة الشعب أقوى من ديكتاتورية القضاة». كما أعلن «التجمع الوطني» عن تنظيم تظاهرة رئيسية في باريس، الأحد المقبل، ووزّع أعضاء في الحزب منشورات للعموم، تقول: «فلننقذ الديمقراطية. ادعموا لوبن!».
وبالمجمل، أثار الحكم عاصفة في فضاء السياسة الفرنسية، فيما ليس واضحاً ما ستكون عليه تداعياته على نظام الجمهورية الخامسة. وتحوّلت الجلسة الأسبوعية الخاصة بتوجيه أسئلة إلى الحكومة في البرلمان، إلى نقاش حادّ حول القرار؛ إذ كرّر نواب حزب «التجمّع الوطني» وصفهم إياه بأنه «متحيّز سياسياً»، فيما أعلن رئيس الوزراء الفرنسي، فرنسوا بايرو، المنتمي إلى تيار يمين الوسط دعمه إياه، متسائلاً في الوقت نفسه حول ما إذا كان منع لوبن من خوض الانتخابات سيتم بأثر فوري، مشيراً إلى أنه بصفته مواطناً فرنسياً يرى أنه «من الناحية القانونية، فإن أيّ قرار جنائي له عواقب وخيمة يجب أن يكون قابلاً للاستئناف». وبدت تلك محاولة من رئيس الوزراء لتجنّب انتقام لوبن منه، من خلال سحب الثقة من حكومته المعلّقة بأحبال واهية.
الاخبار