تحقيقات وتقارير

“الأقلية المفضلة”.. ماذا وراء الاهتمام الإسرائيلي بالدروز؟

“الأقلية المفضلة”.. ماذا وراء الاهتمام الإسرائيلي بالدروز؟

جمال عباس وسلمان حبكة ومالك حرب، هل تصدق أن هذه الأسماء العربية لقادة في جيش الاحتلال الإسرائيلي قُتلوا خلال الحرب المتواصلة على قطاع غزة؟ ليس هذا فحسب، فهناك العشرات غيرهم ممن شاركوا في الحروب والجولات العسكرية الإسرائيلية ضد الفلسطينيين على مدار العقود الماضية.

لعل أبرز هؤلاء الضابط في جيش الاحتلال محمود خير الدين، من قرية حرفيش، الذي قُتل إثر فشل محاولة قوة خاصة تابعة لشعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية زرع وحدة تجسس على اتصالات المقاومة في خان يونس، في نوفمبر/ تشرين الثاني 2018، فكيف وصل هؤلاء إلى صفوف جيش الاحتلال؟ ولماذا تستميلهم “إسرائيل” للقتال تحت علمها؟

الطائفة الغامضة

خلال عهد الدولة الفاطمية في مصر، برزت طائفة دينية تُدعى “الدروز”، أو كما يشيرون إلى أنفسهم باسم “الموحدون”، أي المؤمنون بتوحيد الإله، ويُطلق عليهم أيضًا “بنو معروف”، ويُعد حمزة بن علي الزوزني مؤسسها الفعلي، فيما تُنسب تسميتها إلى محمد بن إسماعيل الدرزي.

لم يلقَ الدروز ترحيبًا عند تأسيس طائفتهم، فلجأوا إلى المناطق الجبلية الوعرة في بلاد الشام، ووجدوا في العزلة حمايةً لهم وسط الاضطرابات السياسية والدينية التي كانت تعصف بالمنطقة، وقد انتشر غالبيتهم في دول عربية من بينها سوريا ولبنان والأردن وفلسطين، ويتجاوز عددهم اليوم – بما فيهم المهاجرون – المليون ونصف درزي حول العالم.

ما قصة دروز سوريا؟

يعيش أكبر تجمع درزي في سوريا، حيث يشكلون ما يقدر بنحو 3.2% من السكان، ويقدر عددهم بنحو 700 ألف نسمة، وقد يصل عددهم إلى المليون نسمة وفق بعض التقديرات، ويتركز معظمهم في محافظة السويداء وجبل العرب، إضافة إلى وجودهم في مناطق أخرى مثل جرمانا بريف دمشق ومجدل شمس في الجولان المحتل.

يشكل الدروز نسبة مهمة تصل إلى 5.2% من سكان لبنان، وتشير التقديرات إلى أن لبنان يضم ما بين 30 إلى 40% من مجمل “الموحدين الدروز” حول العالم، ويتركز وجودهم في مناطق الشوف، وعاليه، وراشيا، وحاصبيا، وكان لهم دور سياسي بارز، خاصة من خلال شخصيات مؤثرة مثل كمال جنبلاط، الذي اغتالته مخابرات نظام الأسد.

كما يتواجدون أيضًا في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ويُقدَّر عددهم بنحو 150 ألفًا، يقيمون في 16 قرية، وتفيد معطيات متنوعة بأنهم يشكلون ما نسبته 10% من فلسطينيي الداخل (فلسطينيي 48)، ويتمركزون في مناطق الجليل، ومرتفعات الجولان، وجبل الكرمل.

ينقسم الدروز داخل المجتمع الإسرائيلي إلى قسمين: دروز الجولان، حيث يعيش أكثر من 20 ألف درزي في مرتفعات الجولان المحتلة، ويعرّف معظمهم أنفسهم بأنهم سوريون، وقد رفض أغلبهم عرضًا بالحصول على الجنسية الإسرائيلية بعد احتلال “إسرائيل” للمنطقة، ويتشاركون العيش هناك مع نحو 25 ألف يهودي إسرائيلي، موزعين على أكثر من 30 مستوطنة.

أما دروز الجليل، فمعظمهم يخدمون في جيش الاحتلال الإسرائيلي، رغم تصاعد الأصوات الرافضة للتجنيد الإجباري بسبب الانتهاكات التي يرتكبها الجيش، خصوصًا في سياق قمع الشعب الفلسطيني.

تستمد العقيدة الدرزية عناصرها من ديانات وفلسفات متعددة، وتتضمن الإيمان بإله واحد، وبمفهوم التوحيد المطلق، إضافة إلى تأثرها بالديانات الإبراهيمية والقرآن، وبفكرة تناسخ الأرواح. ومع ذلك، فإن للدروز رايتهم الخاصة، وكتبهم المقدسة، وتقاليدهم المميزة.

ويُعرف المجتمع الدرزي بتماسكه الديني والاجتماعي الشديد، حيث يُمنع الزواج من خارج الطائفة، ويُحرَّم تعدد الزوجات، ويُفرض الالتزام الصارم بالعادات والتقاليد التي تميزهم عن غيرهم.

للدروز كتاب مقدس يُدعى “رسائل الحكمة”، لكنه محجوب عن غير رجال الدين الذين يُعرفون بـ”العقَّال”، وهم الصفوة الدينية في الطائفة، كما تمتلك الطائفة عددًا من الكتب المقدسة الأخرى، من أبرزها “مصحف المنفرد بذاته”، وهو كتاب ذو طابع ديني خاص بالدروز، و”النقد الخفي”، وهو كتاب يُقال إنه ينتقد الأركان الإسلامية والشرائع التقليدية من منظور درزي.

نون بوست

وما يجعل الطائفة الدرزية فريدة في المشهد الديني هو طابعها السري؛ إذ تُحصر تعاليمها في دائرة ضيقة، ولا تُكشف لعامة الناس، بل ولا حتى لأبناء الطائفة أنفسهم، إلا بعد بلوغ سن الأربعين، ويَعتبر البعض هذا التكتم استراتيجية متعمدة للحفاظ على هوية الطائفة من التأثيرات الخارجية، كما هو الحال في معظم الطوائف الباطنية.

الدروز طائفة مغلقة، لا يسمحون لأحد بالانضمام إليها، ويرفضون الاختلاط بمن هم خارج دائرتهم الضيقة، إذ يتعاملون مع العالم الخارجي بحذر مفرط، وكأن كل جديد تهديد يجب التصدي له. رجالهم، المعروفون بشواربهم الكثة، يرفضون التغيير ويعتبرون الثبات فضيلة، بينما تلتزم نساؤهم الصمت خوفًا من كسر القواعد الصارمة.

في عالمهم المغلق، يُنظر إلى الفضول كخطيئة، والانفتاح كضعف، والاستقلالية كتمرد، لكن لم يمنع هذا الانغلاق بروز شخصيات بارزة من الطائفة في الأدب والسياسة، مثل الشاعر الفلسطيني سميح القاسم، الذي كان من أوائل من تحدوا الاحتلال ورفضوا الخدمة الإلزامية في جيشه الغاشم، وسلطان باشا الأطرش، قائد الثورة السورية الكبرى، الذي كان مثالًا حيًا للمقاومة والصمود، إلى جانب عدد من الزعماء اللبنانيين مثل كمال جنبلاط ومجيد أرسلان.

دخل الدروز في صراعات متعددة عبر العقود، سواء مع الدولة العثمانية أو المسيحيين الموارنة في لبنان، كما قاوموا الاستعمار الفرنسي، وشاركوا في الحرب الأهلية اللبنانية، وقد تأثروا بعمق بالظروف السياسية المتقلبة في المنطقة. فرغم كونهم عربًا، فإن “إسرائيل” تتجاهل ذلك وتفرض عليهم التجنيد الإجباري، في محاولة دؤوبة لسلخهم عن عمقهم القومي والجغرافي.

الأقلية المفضلة

قبل نكبة عام 1948، كان الدروز في فلسطين يعيشون كجزء لا يتجزأ من الشعب العربي الفلسطيني، لكن منذ احتلال فلسطين وإقامة دولة الاحتلال، تبنّت “إسرائيل” استراتيجية خاصة للتعامل مع الأقليات.

مع بداية الاحتلال، سعت الحكومة الإسرائيلية إلى فصل الدروز عن هويتهم العربية، فصنّفتهم على أنهم “عرب غير مسلمين”، وعملت على عزلهم، من خلال الترويج لفكرة أن الدرزية قومية بحد ذاتها، بهدف تفتيت الهوية العربية داخل “إسرائيل” وممارسة التمييز والتهميش بحقهم في القضايا الوطنية.

نون بوست

كما شجّعت على ترسيخ هوية منفصلة، هي “الهوية الدرزية الإسرائيلية”، التي اعترفت بها رسميًا، وقامت بفصل الطائفة الدرزية عن المجتمع الإسلامي والديانة الإسلامية، واعتبرتها ديانة مستقلة في القانون الإسرائيلي مطلع عام 1957.

في عام 1959، فصلت حكومة الاحتلال الإسرائيلية المحاكم الدرزية عن المحاكم الشرعية الإسلامية، في خطوة هدفت إلى تعزيز فصل الدروز عن وسطهم العربي الطبيعي، كما خصّصت للطائفة سلطات محلية ومدارس خاصة، وبعد ثلاث سنوات، منحتهم ما سمّته بـ”الجنسية المميزة”، ووصفتهم رسميًا بـ”غير العرب”، رغم أنهم يتحدثون اللغة العربية.

وبعد احتلال الجولان السوري عام 1967، امتنعت “إسرائيل” عن تهجير الدروز، خلافًا لما فعلته مع الطوائف السورية الأخرى التي تعرّضت للتنكيل والطرد من أراضيها، واعتبرتهم “الأقلية المفضلة”. وفي عام 1976، أنشأت لهم قطاعًا تعليميًا خاصًا، بمنهج منفصل، هدفه الظاهري تعزيز تراثهم وهويتهم الثقافية، بينما الهدف الباطني كان فصلهم عن مجتمعهم العربي الفلسطيني، واستمالتهم لصالح المشروع الصهيوني.

ومع ذلك، تبقى الطائفة الدرزية المجموعة الدينية العربية الأقل تعليمًا داخل “إسرائيل”، إذ لا تتعدى نسبة الحاصلين على شهادة البجروت (الثانوية العامة الإسرائيلية) 44.4%، فيما تكمل نسبة أقل تعليمها العالي.

قصة “حلف الدم”

في السنوات التي سبقت قيام دولة الاحتلال المزعومة، شهدت العلاقة بين القوميين العرب والدروز عدة مطبّات، استغلتها سلطات الاحتلال لاحقًا لاستمالة الطائفة إلى جانبها، وبنت معهم علاقات إيجابية ومباشرة.

وبعد قيام دولة الاحتلال، بقي بعض الدروز في فلسطين، وانخرطوا تدريجيًا في الحياة السياسية والعسكرية الإسرائيلية، حيث قاتل العديد منهم إلى جانب جيش الاحتلال، وانضم كثيرون إلى صفوفه في البداية طوعًا، قبل أن يتحول ذلك لاحقًا إلى أمر مفروض بالإكراه.

نون بوست

ولا تُروى قصة الدروز في “إسرائيل” دون أن تُذكر قصة “حلف الدم”، كما يحلو لقادة الاحتلال أن يسمّوه، أو “عهد الدم”، وهو الاسم الذي يُطلق على الرابطة التي تجمع بين الجنود اليهود والدروز في جيش الاحتلال الإسرائيلي.

نشأ هذا الحلف استجابة لدعوة شرعنها أول رئيس وزراء للاحتلال، ديفيد بن غوريون، ووقِّع عام 1956 بين “إسرائيل” و16 قياديًا درزيًا، ليُفرض بموجبه على أبناء الطائفة الدرزية الحاملين للجنسية الإسرائيلية – باستثناء المتدينين والنساء – أداء الخدمة الإلزامية في جيش الاحتلال.

وفي الوقت الذي استُبعد فيه العرب السنّة والمسيحيون من التجنيد، قوبل قرار فرض التجنيد الإجباري على الدروز بمقاومة شديدة من قِبل شريحة واسعة داخل الطائفة، غير أن بعض القيادات الدرزية المتنفذة تمكّنت من تمريره بالقوة، سعيًا لكسب دعم القيادة اليهودية في “إسرائيل”، وتحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للمجتمعات الدرزية.

وعلى مدار عقود، خدم الدروز ضمن وحدات خاصة، لكن منذ ثمانينيات القرن العشرين، بدأ العديد منهم بالانضمام إلى وحدات قتالية منتظمة داخل جيش الاحتلال الإسرائيلي، وتقلّد بعضهم مناصب عليا في الجيش والحكومة، من أبرزهم غسان عليان، قائد لواء جولاني السابق، الذي أُصيب بجراح خطيرة خلال حرب غزة عام 2014، ثم عاد ليحمل سلاحه مرة أخرى، ويقاتل ضد أبناء جلدته دفاعًا عن الاحتلال.

نون بوست

يحصل الدروز أيضًا على مغريات مالية وامتيازات لمن يلتحق منهم بالجيش والأجهزة الأمنية، وقد أتاحت لهم الخدمة العسكرية فرص عمل، خاصة في ظل التمييز في سوق العمل ضد غير اليهود، ما دفع العديد من أبناء الطائفة إلى التوجه للعمل في المؤسسات الأمنية الإسرائيلية.

هذه الخصوصية تعود إلى رؤية قديمة لدى مؤسسي الحركة الصهيونية؛ فمنذ عشرينيات القرن الماضي، افترضت الحركة أن الدروز يمكن أن يكونوا حلفاء سياسيين، وذهب مستشرقون يهود إلى القول إن الدروز مختلفون جوهريًا عن العرب الآخرين، وتستند بعض النظريات الصهيونية إلى فرضية وجود عداء تاريخي بين الدروز والأغلبية المسلمة، بحسب ما ورد في دراسة سياسية للكاتب جابرييل بن دور.

ويواجه الدروز في “إسرائيل” انتقادات لاذعة، نظرًا لما يردده متابعون من أن أبناء الطائفة غالبًا ما ينأون بأنفسهم عن القضايا المركزية للشعب الفلسطيني، والتي تبناها نظراؤهم من المسيحيين والمسلمين.

وعليه، اتبعت “إسرائيل” عدة سياسات في التعامل مع الدروز، بدأت بزجهم داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة كجزء من قواتها العسكرية، ثم إدماجهم لاحقًا ضمن كوادر إدارة السجون الإسرائيلية، حيث لا يكاد يخلو قسم أو مرفق في أي سجن أو معتقل من حارس درزي، كما انخرط عدد منهم في صفوف قوات ما يسمى بـ”حرس الحدود”، المعروفة بسجلها الطويل في التنكيل بالفلسطينيين.

ويقول جيش الاحتلال الإسرائيلي إن نسبة استمرار الخدمة العسكرية بين الدروز بلغت 83% بحلول عام 2018، فيما خدم أكثر من نصفهم في جبهات القتال، وهي نسبة عالية مقارنة بالجنود اليهود الذين تم تجنيد 74% منهم، بينما خدم 42% فقط في الجبهات القتالية.

وخلال حرب الإبادة الأخيرة على قطاع غزة، أُعلن عن مقتل عدد من الجنود الإسرائيليين من الطائفة الدرزية، بينهم قادة كتائب، أشهرهم قائد الكتيبة 53، سلمان حبقة، وقد سبقه إلى المصير ذاته المئات من أبناء الطائفة منذ صدور قرار تجنيدهم الإجباري قبل نحو 70 عامًا، لكن تزايد قتلاهم في المعارك المشتعلة في غزة، أعاد الجدل مرة أخرى حول الدروز ودورهم في الخدمة العسكرية داخل جيش الاحتلال الإسرائيلي.

ومع ذلك، أعلن عدد من قادة المجتمع الدرزي التزامهم بالقتال إلى جانب “إسرائيل”، في حين حاول بعض أعضاء حكومة الاحتلال الإسرائيلية الترويج لقانون أساسي قالوا إنه جاء لصالح الدروز، استجابة لمطالبهم بالمساواة الكاملة مع اليهود في الحقوق المدنية.

وفي محاولة فاشلة لاسترضاء الدروز، سعى مسؤولون إسرائيليون ودروز إلى تعديل قانون قومية الدولة اليهودية الذي يرسخ المكانة المتدنية للأقليات الأخرى، وطرح نتنياهو تشريعًا لتكريس وضعهم الخاص داخل المجتمع والاعتراف بخدماتهم للدولة العبرية، وزيادة التمويل لمجتمعاتهم.

خدمات بدون مقابل

يدين غالبية الدروز، وخاصة الإسرائيليون منهم، بالولاء للاحتلال الإسرائيلي، انطلاقًا من اعتبارهم “إسرائيل” دولة يقاتلون تحت علمها، ويشكّلون جزءًا من نسيجها المجتمعي والسياسي، كما يرى زعماؤهم فيما يسمونه “الاندماج” وسيلة لتحصيل حقوق أبناء الطائفة، وضمان التعايش بأمن وسلام.

ورغم ما يقدّمه الدروز من خدمات وولاءات لحكومة الاحتلال، يشهد مجتمعهم انقسامًا واضحًا بشأن العلاقة مع المؤسسة الرسمية في “إسرائيل”، ويؤكد كثير منهم أنهم يتعرضون للتهميش وللسياسات العنصرية نفسها التي تُمارَس بحق بقية الفلسطينيين داخل حدود عام 1948، معتبرين أن “إسرائيل” تحاول دق الأسافين بينهم وبين شعبهم الفلسطيني.

ويعاني الدروز من ضائقة سكنية خانقة، نتيجة رفض حكومات الاحتلال الإسرائيلية المتعاقبة توسيع مناطق البناء منذ عام 1987، بعدما صادرت 85% من أراضيهم، وقد حوّلت هذه السياسات مناطقهم إلى ما يشبه مخيمات اللاجئين، ولم تسلم الأراضي التي يقطنونها من المصادرة لصالح إقامة التجمعات الاستيطانية اليهودية، وهو ما تؤكده قياداتهم الروحية والسياسية والاجتماعية والثقافية.

تجنيد الدروز في اسرائيل

وفي الجولان المحتل، يعاني الدروز السوريون من سياسات تمييز متعدّدة، خاصة فيما يتعلق بتخصيص الأراضي والمياه، فبحسب تقارير لجنة الأمم المتحدة، أدى توسع المستوطنات الإسرائيلية وأنشطتها إلى الحد من وصول المزارعين السوريين إلى المياه، نتيجة السياسات التمييزية في الأسعار والرسوم.

وبرغم تضحيات عدد منهم، فإن هذه التضحيات لم تمنحهم امتيازًا لدى الاحتلال؛ فقد طالهم القمع ذاته الذي نال الفلسطينيين، وتصاعدت الإجراءات العنصرية ضد المجندين الدروز في صفوف الجيش، فقد أظهرت دراسة لجامعة حيفا أن نحو 65% من الدروز يرفضون أداء الخدمة العسكرية، في حين أشارت دراسة أخرى أجراها مؤتمر “هرتسيليا” قبل عامين إلى أن 54% من الدروز باتوا يرفضون التجنيد بشكل علني.

ويتعرض الدروز داخل الجيش لتمييز كبير، إذ يُواجهون إهانات عنصرية، كأن يُقال لهم “كلب مخرب” أو “عربي قذر”، بينما يطالب عدد من المتطرفين اليهود بطردهم من الجيش، وقد عبّر عن ذلك الحاخام المتطرف مائير كاهانا، زعيم حركة “كاخ”، حين قال ساخرًا: “يجب أن نوفر لهم حافلات مكيفة لنقلهم”.

كما لا يحظى الجنود الدروز المسرّحون من الخدمة العسكرية بالامتيازات الاقتصادية التي تُمنح لنظرائهم اليهود، خاصة فيما يتعلق بالسكن، ومع ذلك لا يزال رئيس مجلس الطائفة الديني يأمل أن ينصفهم الاحتلال، ويمنح أبناء طائفته حقوقهم التي طال انتظارها.

لم تفلح تلك السياسة تمامًا، فقد خرج الدروز أكثر من مرة في مظاهرات حاشدة اعتراضًا على التمييز العنصري الذي يتعرضون له، كما شهدت الأعوام الأخيرة احتجاجات متكررة داخل المجتمع الدرزي ضد الخدمة العسكرية، حيث نظموا العديد من الأنشطة المناهضة للتجنيد الإجباري في جيش الاحتلال الإسرائيلي، في محاولة منهم لزيادة الوعي حول مخاطر التورط مع الجيش، خاصة في ظل ازدياد جرائم الاحتلال بحق الفلسطينيين، وتزايد الانتهاكات بحق الدروز أنفسهم.

الدروز يتظاهرون وسط تل أبيب احتجاجا على قانون

لطالما عارض دروز مرتفعات الجولان القوانين الإسرائيلية التي اعتبروها محاولات لـ”أسرلة” الأرض والهوية، ففي عام 2018، قاد الآلاف من أبناء الطائفة احتجاجات واسعة ضد قانون الدولة القومية اليهودية الأساسي، الذي أقره الكنيست الإسرائيلي، وينص على أن “إسرائيل هي الدولة القومية للشعب اليهودي”.

وقد وصف قادة الطائفة الدرزية هذا القانون المثير للجدل بأنه يقوّض طابع “إسرائيل” كدولة يفترض أن تضم أطيافًا متعددة، ويجعلهم يشعرون بأنهم “مواطنون من الدرجة الثانية”، فالقانون لا يتضمن أي ذكر للمساواة أو حقوق الأقليات، على الرغم من أن الدروز يخدمون في جيش الاحتلال، ويُنظر إليهم رسميًا على أنهم أكثر الأقليات العربية اندماجًا في المجتمع الإسرائيلي.

كما برز صوت زعيم الطائفة الدرزية في لبنان، وليد جنبلاط، الذي وجَّه نداءً عاصفًا إلى الدروز في الأراضي المحتلة، داعيًا إياهم إلى رفض التجنيد الإجباري في جيش الاحتلال، وقد شبَّه جنبلاط الدروز الذين انخرطوا في الجيش الإسرائيلي بالفرنسيين الذين تعاونوا مع ألمانيا النازية إبان احتلالها لفرنسا خلال الحرب العالمية الثانية.

كان لخطابه تأثير كبير على الرأي العام، إذ أثار جدلًا واسعًا حول قضية التجنيد الإجباري، وعزّز من مكانته كقائد وطني، كما قادته مواقفه إلى توقيع بيان مشترك مع شخصيات درزية من داخل “إسرائيل”، يدعو إلى إلغاء التجنيد الإجباري للشبان الدروز.

وفي مارس/آذار 2014، أسّس عدد من الشباب الدروز، ممن يعتبرون أنفسهم جزءًا لا يتجزأ من الشعب الفلسطيني، حركة حملت اسم “ارفض، شعبك بيحميك”، بهدف التصدي لمحاولات جيش الاحتلال جذب الدروز طوعًا أو كرهًا، لكن سرعان ما واجهتهم الشرطة الإسرائيلية بالقمع، إذ أطلقت الرصاص واعتقلت المئات منهم، ولاحقت آخرين، ليدرك أبناء الطائفة أنهم وقعوا ضحية وعود ذهبت أدراج الرياح، وحلّ محلها واقع طويل من الاستغلال والتمييز الصارخ، بات يهدد بنسف ما يُعرف بـ”حلف الدم”.

عودة الاستقطاب

استنادًا إلى النظريات الصهيونية القديمة، لم يقتصر نهج “إسرائيل” على دروز فلسطين، بل تكرر أيضًا مع دروز سوريا، الذين تحاول “إسرائيل” استقطابهم مؤخرًا، في إطار مساعٍ لمواجهة محاولات الإدارة السورية الجديدة توحيد البلاد، وهي خطوة تعتبرها تل أبيب تهديدًا وجوديًا لأمنها.

وقد دفع هذا القلق الاحتلال الإسرائيلي إلى استغلال ورقة الدروز، ومحاولة إقناعهم برفض شرعية الإدارة الجديدة، فوفقًا لما أوردته صحيفة “وول ستريت جورنال”، تخطط “إسرائيل” لإنفاق أكثر من مليار دولار لهذا الغرض، عبر تقديم مساعدات مخصصة للدروز المقيمين شمالي الأراضي المحتلة، بهدف التأثير عليهم واستمالتهم، أملاً في أن يقوموا بدور الضاغط على دروز سوريا لرفض الاعتراف بالحكومة الجديدة.

99% من أهالي السويداء ضد أي مشروع انفصالي

تزامن ذلك مع أحاديث عن طرح تسهيلات إسرائيلية لسكان جنوب سوريا للحصول على تصاريح عمل داخل “إسرائيل”، وتحديدًا في التجمعات السكنية بهضبة الجولان، وهي التجمعات ذاتها التي تتذرع “إسرائيل” بحمايتها في سوريا، وتميّزها عن بقية العرب في فلسطين، دون أن تمنحها في الوقت ذاته حقوق المواطنة الكاملة التي يتمتع بها اليهود.

وتُظهر هذه الخطط الإسرائيلية – بحسب ما نقلته وول ستريت جورنال – أن “إسرائيل” تستثمر في تعزيز ما تسميه “النوايا الحسنة” مع الدروز الذين اشتكوا من معاملتهم كمواطنين من الدرجة الثانية، خصوصًا في قضايا الإسكان، وتصاريح البناء، وغياب المساواة في الحقوق.

ويأتي تصاعد اللهجة الإسرائيلية ضد الإدارة السورية الجديدة، والتهديد بمواجهة أي تواجد لمسلحين أو قوات تابعة لها في المناطق التي يقطنها الدروز جنوب سوريا، إلى جانب تصريحات رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الأخيرة عن “سعي إسرائيل لحماية الدروز” هناك بعد سقوط نظام الأسد، كجزء من هذه الاستراتيجية الأوسع.

وتضغط حكومة الاحتلال الإسرائيلية حاليًا لإقناع المجتمع الدولي بتبني فكرة النظام الاتحادي في سوريا، والذي يسمح لكل منطقة ذات طابع عرقي أو ديني خاص بحكم ذاتي، مع جعل المناطق الحدودية المحاذية للاحتلال “منزوعة السلاح”.

وفيما كان يُعتقد أن السياسات الإسرائيلية دفعت بعض الدروز للتخلي عن حكومة يرون أنها تخلت عنهم وتركتهم للمعاناة، قام وفد درزي من جنوب سوريا بزيارة إلى “إسرائيل” قبل أيام قليلة، في خطوة غير مسبوقة منذ أكثر من خمسة عقود.

وقد أثارت هذه الزيارة تساؤلات واسعة حول أبعادها وتداعياتها، خاصة في ظل محاولات الاستقطاب الإسرائيلي المتصاعدة، والانقسامات التي ظهرت بين مشايخ العقل، والتباين الواضح في مواقف قادة الطائفة تجاه السلطات السورية الجديدة.

وفد من دروز سوريا يصلون إلى “إسرائيل”

لكن ما قام به العشرات لا يعبّر عن نظرة الأغلبية الدرزية تجاه “إسرائيل”، فبالعودة إلى ثلاثينيات القرن الماضي، نجد أن جزءًا من الدروز دعم الحركة الصهيونية تاريخيًا، وتبوّأ بعضهم مناصب عسكرية وأمنية رفيعة في دولة الاحتلال، لكن في المقابل، مال قسم آخر من أبناء الطائفة إلى النهج الوطني، وتمسّكوا بهويتهم العربية، وشاركوا في الثورة العربية الكبرى عام 1936، وقاتل قسم منهم العصابات الصهيونية في فلسطين.

على الجانب الآخر من الحدود، اتّخذ دروز الجولان السوري الخاضع للاحتلال الإسرائيلي موقفًا أكثر حدة تجاه المشروع الصهيوني، فقد فشلت الاستراتيجية المطبّقة على دروز أراضي 1948 في اختراقهم، ورفضوا محاولات “إسرائيل” لفرض الطابع العبري على هويتهم الثقافية، كما رفضوا تصنيفهم الديني على أنهم “غير مسلمين”، ويتمسك معظمهم حتى اليوم برفض الجنسية الإسرائيلية.

أما دروز محافظة السويداء، التي تُعدّ أكبر حاضنة للطائفة داخل سوريا، فهم امتداد فكري وثقافي لدروز الجولان، ويتقاسمون معهم الرؤية تجاه الاحتلال، وقد عبّر الشارع الدرزي في السويداء عن هذا الموقف بوضوح، من خلال تظاهرات خرجت ترفض أي تدخل إسرائيلي في شؤونهم، بينما أعلن عدد من قادة الطائفة دعمهم لوحدة الأراضي السورية، في موقف يُنظر إليه على نطاق واسع كضربة لمساعي “إسرائيل” لتفكيك سوريا، ويضعف الطروحات التي يروّج لها بنيامين نتنياهو بشأن الكانتونات الطائفية.

نون بوست

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

Thumbnails managed by ThumbPress

جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب